أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أن الأمن من أعظم المكتسبات التي يجب علينا جميعًا المحافظة عليها ، مشيرًا إلى أن الأمن ضروري للحياة ، والعبادة ، والبناء الحضاري ، والتنمية ، فهو ضروري للدنيا والآخرة، والمحافظة عليه مطلب ومكسب جماعي لهذا الوطن بل للأمة كلها. مُشَدِّدًا على خطورة المساومة على الوطن عندما يتحدث كل فريقٍ عن منهجه.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الخميس من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يُبَثُّ على فضائية mbc ـ إن الله تعالى جعلنا جوار هذا البيت الذي يوصف بأنه آمن ؛ ولذلك يجب أن يكون جميعًا رجال أمن واعين تُجَاه كل الأخطار التي تُهَدِّدُ هذا البلد، سواء تمثلت في الإرهاب، أو تمثلت في المخدرات، أو تمثلت في اختراق هذا المجتمع بمبادئ غريبة عنه، أو تمثلت في أي تيارات أو توجهات تحاول تدميرَ وَحْدَةِ هذا المجتمع ووجوده.
جاء ذلك تعقيبًا على مداخلة من أحد المشاركين في البرنامج ، يقول : إن الأمن السعودي نجح في مطاردة جذور الإرهاب، إلا أنهم يفاجئوننا ما بين الفترة والأخرى بالقبض على مجموعة ما ، فما دور المجتمع في ملاحقة الْمُتَبَقِّين ؟
لا للمساومة
وفيما يتعلق بأن هناك من يساوم على الوطن، قال الشيخ سلمان: إنها معاناة حقيقية، ولا أستثنى تيارًا معينًا ، بل كل التيارات - أو بعض منها- يقع في شيء من هذا القبيل ، ولكننا عندما نتحدث عن المساومة علينا ألا نتحول إلى مساومة بشكل آخر، بمعنى أن هناك من لا يريد المساومة.. لأنه هو أيضًا قد يساوم.
وأوضح فضيلته أن الوطن معنى مشترك حاضِنٌ للجميع، وهو أيضًا هدف ومَقْصِدٌ للجميع ، فالمحافظة عليه مصلحة لنا ولأجيالنا القادمة، ولذلك كم من المصالح والمشاريع عَوَّقَتْها مثل هذه التناقضات المختلفة !
نداء الداخل
وعلى جانب آخر ، قال الشيخ سلمان ـ في هذه الحلقة التي خُصِّصَتْ للحديث عن "الضمير" ـ : إن الضمير له معانٍ كثيرة ، فيمكن أن نُعبّر عنه بأنه هو المرآة التي تُجلّي للإنسان عمَلَهُ، إن كان صوابًا أو كان خطأً ، وضرب فضيلته مثالًا لذلك بتجربة أُجْرِيَت على مجموعة من الأطفال تُركوا يَعْبُرُون إحدى الغرف ووُضع عن يمينهم وشمالهم قِطَعُ "شيكولاتة" والحلوى فصاروا يذهبون ويسرقون هذه الأشياء مما خفّ حمله وغلا ثمنه ، ثم كُررت لهم التجربة مرة أخرى ووضعوا مرايا ذات اليمين وذات الشمال بحيث إن الطفل حينما يمر يُشاهد نفسه وهو يقوم بعملية الاختلاس، فلاحظوا أن الأطفال لا يقومون بالسرقة في هذه الحالة؛ لأن المرآة كانت تفضحهم أمام أنفسهم!
النفس المطمئنة
وأشار الشيخ سلمان إلى أن هذه المرآة قد تكون مخدوشةً أو عاطِبَةً لا تعمل، و قال: إن الضمير هو مرآة للخير والشر، فبعض الناس لا يذكرون الضمير إلا في مقام الشر، بينما الضمير هو مرآة تعطيك طمأنينة، خاصَّةً حينما يكون هناك توافُقٌ أو انسجام بين ما تعتقده، وبين ما تعمله وتمارسه، فهنا تكون النفس على أكمل حالاتها من الانسجام والتوافق، وهذا يُفرز الطمأنينة والسكينة.
ومن هنا تكون النفس المطمئنة كما سَمَّاها الله -سبحانه وتعالى- : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) ، بينما أحيانًا يكون الضمير على النقيض ، فيكون فيه عَتْبٌ وتوبيخ وتأنيب ومؤاخذة واحتجاجٌ من الداخل، فهذه هي النفس اللوامة التي تلوم صاحبها: ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بِشَرْبَتِي ؟ كما قال الحسن البصري -رحمه الله-.
صوت الحق
وأوضح فضيلته أن الضمير هو صوت الحق في الداخل ، فهو عبارة عن مَحْكَمَةٍ داخلية ربما لا تحتاج معها إلى قوانين ولا أنظمة ولا محاكم ، بل إنك لو كنت في حالة خصومة مع شخص ، وحكم لك القاضي بأن هذه الأرض لك، أو هذا المال لك، أو هذا الحق لك ، ولكن أنت في قرارة نفسك تعرف أن المسألة فيها لَبْسٌ وأن القاضي حكم بحسب ما يرى ، فهنا يحتجّ الضمير.
وتابع : ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه الشيخان عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ -أقدر على التعبير أو حتى على التزوير- فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ».
لا داعي للتوجس
وأشار الشيخ سلمان إلى أن هناك من يتوجسون خِيفَةً من كلمة "الضمير" ، لأنها كلمة مرتبطة أحيانًا بالكتب النصرانية أو غيرها من الكتب السابقة ، مؤكدًا أنه لا داعي لهذا التوجس؛ فليس كل ما في الكتب السابقة باطلًا أو خطأً يجب ردّه ، فضلًا عن أن كلمة الضمير لها مدلولات واسعة ، وجزءٌ كبير منها صحيح.
ولفت فضيلته إلى أن ما يسمى في الكنيسة بـ"كرسي الاعتراف" هو عبارة عن مَهْرَبٍ من الضمير أحيانًا، كما أنه ليس له أصل حتى في التعليمات السماوية السابقة، لكنّ فكرة الضمير نفسها أو الرقابة الداخلية، هي فكرة سليمة وصحيحة.
أصل شرعي
وذكر الدكتور العودة أن كلمة "ضمير" لها أصل شرعي؛ حيث يوجد في القرآن والسنة أكثر من 15 عنوانًا أو اسمًا ومصطلحًا شرعيًّا، كلها مرتبطة بالضمير ، منها:
1 ـ القلب : يقول تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)، فليس المقصود هنا القلب الذي يَضُخُّ الدم؛ لأن كل حيّ له قلب ، وإنما المقصود القلب الحيّ الذي عنده تمييز.
2 ـ التقوى: فالتقوى مرتبطة بالضمير ، والله عز وجل سَمَّاها في القرآن الكريم تقوى القلوب (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).
3 ـ الفِطرة : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ».
4 ـ العَهْد والميثاق : يقول تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)؛ ولذلك بعضهم يسميه "الضمير التوحيدي"، أو الفلاسفة يقولون : "الأنا العليا" ، وهذا مرتبط بالإيمان بالله، وبالعهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم.
رقابة وواعظ
5 ـ الرقابة : والمراقبة والمحاسبة أيضًا ، يقول عمر -رضي الله عنه- : (حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وزنوها قبل أن توزنوا) ، والرقابة تشمل الضمير الإيجابي والضمير السلبي.
وضرب فضيلته أمثلة للرقابة ، قائلًا:
أ ـ إن عمر رضي الله عنه عندما جاء إلى الراعي وقال له : اذبح لنا. قال : ليست لي. قال : ما يراك رب الغنم. قال : إن كان لا يرانا فإن ربه يرانا. فأعتقه عمر -رضي الله عنه- وقال : هذه الكلمة أعتقتك في الدنيا، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
ب ـ كذلك القصة المشهورة عن الفتاة التي كانت تحلب اللبن، وأمها تقول: اخلطيه بالماء؛ فإن عمر لا يرانا ، فقالت : إن رب عمر يرانا.
ج ـ قصة الفتاة التي خلت بشاب أو خلا بها فطلبها على نفسها وقال : لا يرانا إلا الكواكب. قالت له : فأين مُكَوْكِبُها ؟!.
6 ـ واعظ الله : يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كما في مسند أحمد ، قال : « وَالَّذِى يَدْعُو مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » ، كما أن أحد الكُتَّاب كتب مقالًا في الإنترنت عنوانه : " الله هو الضمير "، وسألني عنه البعض، فقلت: إنه يقصد معنى سليمًا ، فهو لا يريد أن يكون الضمير اسمًا من أسماء الله ، فالضمير ليس من أسماء الله، لكن يريد أن يكون واعظ الله هو الضمير ، وهذا معنى صحيح.
فرقان وورع وإحسان
7 ـ الفرقان: كما قال الله -عز وجل- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) ، فالفرقان هنا في القلب بسبب مداومة أو إدمان التقوى ، فيُصبح عند الإنسان يقظةٌ أو حساسية داخلية، وإن لم يكن يملك أدلة واضحة أحيانًا على بعض المسائل.
8 ـ الورع: فالورع جزءٌ من الضمير، ومع الأسف فنحن كثيرًا ما نستخدم الورع في مجال الامتناع، فعندما يقال: إن إنسان مثلًا ترك أكل هذا الطعام ، أو ترك هذا الشيء ، لماذا ؟ ورعًا؛ لأنه يخشى أن يكون مُحَرَّمًا أو مكروهًا أو مشتبهًا بالمحرّم، أو مشتبهًا بالمكروه ، وهذا بعض الورع.
لكن الجزء الثاني من الورع الذي يغفل عنه الناس هو الورع الإيجابي: وهو أن يعمل الإنسان هذا الشيء، أو يُقدّم هذه الخدمة، أو يتصدّق بهذا المال؛ لأنه يخشى أن يكون هذا العمل واجبًا أو مستحبًا أو مشتبهًا بالواجب أو مشتبهًا بالمستحب، فالورع إذًا له وجه إيجابي آخَرُ من خلال الفعل، وليس من خلال فقط الترك كما يعتقد الكثير من الناس.
9 ـ الإحسان : (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ) فهذا جزء من الضمير أيضا، لكن الضمير الإيجابي ، وعلى ذلك فإن هناك معاني أو مصطلحات كثيرة جدًا تدور حول مفهوم ومعنى الضمير، وهذا بعضٌ منها.
إيمان أم قيم ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة ، تقول : إن الضمير هو حالة إيمانية وردتْ كثيرًا في النصوص الشرعية، سواءً في القرآن أو السنة ، قال الشيخ سلمان: حقيقة أنا لا أدري ، فهو أحيانًا يكون حالةً إيمانية، لكن أحيانًا لا يكون مرتبطا بالإيمان ، فنحن نرى الآن مثلًا في الغرب في كثير من الحالات؛ أن الناس يتورعون عن أخذ ما يجدونه مرميًّا في الشارع، أو عن أَخْذِ حقوق الآخرين، وليس هذا بدافع إيماني .
وأضاف فضيلته: إن البعض ينظر إليها على أنها حالة قيمية ، لكن لابد أن يكون الإيمان هو الدافع الأقوى ، بحيث تكون القيم دافعًا إضافيًا ، بحيث نُعزز القيم ونُعزز الإيمان، ونجعل هذه عبارة عن عادات قائمة سيكون هذا نورًا على نور.
هل هناك وسطية ؟!!
وردًّا على سؤال حول : هل هناك وسطية في الإحساس بالضمير وشَدِّهِ ذات اليمين، وارتخاء ذات اليسار؟ ، قال الشيخ سلمان : نعم ، ويتضح ذلك جليًا في قصة حنظلة بن الربيع -رضي الله عنه- عندما قَالَ: لَقِيَنِى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا.
فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَمَا ذَاكَ ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِى وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ».
الضمير العادل
وأضاف الشيخ سلمان : إن الصحابة رضوان الله عليهم كانت عندهم يقظة قوية للضمير ،جعلت بعضهم يتردد حتى في العمل المباح، بل في بعض الأعمال المشروعة، ولكنها من أَمْرِ الدنيا ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ردّه إلى الاعتدال، وكذلك كثيرٌ من الناس ربما يكون عِنْدَهُ خواء -كما يقولون- في الضمير، أو ثُقُوبٌ في الضمير ، فتجد أن بعض الضمائر مثقوبةٌ يدخل منها كما يقولون " الجمل وما حَمَل " ، وبعض الناس أيضًا يكون بلا ضمير ، فالضمير عندهم مات وصُلِّيَ عليه أربعًا، وهذا يكون عندهم لأسباب كثيرة ، منها : التردد ، اضطراب القيم ، أو لاعتبارات كثيرة جدًا تُفْرِزُ هذا الضعف في جانب القيم.
وأوضح الدكتور العودة : أن الضمير العادل هو المعيار، وهو لا يتكون بين يوم وليلة ، ولكنه يتكون من خلال فترة طويلة مع مجموعة اعتبارات و مؤثرات تجعل الإنسان أكثر اعتدالًا ، وكلما تقدّم به الزمن أمكن أن يكون أكثر عدلًا ، مشيرًا إلى أن الضمير العادل متوازنٌ في المعايير ، ولا يعتمد على نفسه فقط ، فهو ينظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل أيضًا ، كما أنه ينظر إلى الخير والشر بحيث لا يبالغ في القسوة على صاحبه ، إلاّ أن هناك أشياء خيّرة يداوي بها بعض هذه الجراح.
قسوة مثالية
وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة، تقول : إن الضمير قد يقسو على صاحبه، ويجره إلى دوّامة من حالات الندم الشديد، وذلك بسبب قسوة مثالية القيم ، قال الشيخ سلمان: إن هذا يكون له أسبابٌ عدة ، منها:
1 ـ المثاليّة في القيم .
2 ـ الحساسية عند بعض الأشخاص:
فبعض الأشخاص ربما يرتكب خطأً فيُؤَنِّبه ضميره، فلا يزال حتى يكون تعويضُه عن ذلك بنقيض هذا ، فينتقل من الضد إلى الضد، يعني قد يكون إنسانًا مثلًا بالغ في الانحراف، فيحاول أن يعوّض بعدما يستقيم بمبالغةٍ أخرى يعتقد أنه لا يكفيه القدر الذي يكفي الناس، فيترتب على ذلك أنه ينتقل أيضًا إلى دَفَّةٍ أخرى، ومن هنا تكون العدالة في الضمير مهمة ، وتكون العدالة في النظر إلى القيم ذاتِهَا أيضًا مطلبًا ضروريًا.
خداع الضمير
وأكد الشيخ سلمان أن الضمير يمكن خداعه ، وأقرب ما تعبير شرعي عن ذلك ما يُسَمَّى بـ"التأول" ، فتأول إنسان مثلًا: يحتال بطريقة أو بأخرى على هذا الشيء ، مثلًا إنسان يسرق من المال العام ، مُوَظَّفٌ يتمكن من السرقة يقول : " هذا ما هو لأحد ، هذا مال عام ،وأنا لي فيه شراكة، وأنا محتاج " – مثلا- فلو سمحنا لكل شخص أن يأخذ من هذا المال بحسب حاجته، أو بحسب ضميره الخاص، فإن معنى ذلك أن هذا المال سيكون ضائعًا مسلوبًا كما هو معروف، وهنا أعتقد أن الإنسان ينبغي أن يُراعي هذا الجانب.
مع الله أم البشر
وردًا على سؤال ، يقول : هل يفترض أن يكون الضمير حاضرًا مع الله أكبر من الضمير مع البشر؟ ، قال الشيخ سلمان: نعم ؛ الأمران معًا ، فلابد أن يكون الضمير حاضرًا مع الله لعظمة الله ؛ ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: « فَاقْضِ اللَّهَ ، فَهْوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ » ، فعلى الإنسان أن ينظر إلى عظمة الله -سبحانه وتعالى- ؛ ولهذا بعض السلف عندما سألوه عن المعصية في الخلوة ، قال: والله لو كنت تعصيه وأنت تدري أنه ينظر إليك إنه لعظيم ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : وإن كنت تعصيه وأنت تعتقد أنه لا يراك فقد كفرت.
وأضاف فضيلته أن هذا يتوقف على يقظة الضمير تجاه حق الله -سبحانه وتعالى، لكن أيضًا لابد أن يكون الضمير يقظًا تجاه حقوق الناس؛ لأن حق الله وما أمر الله تعالى به من العبادة والبر والإيمان هو من أجل رعاية حقوق الناس ؛ ولهذا قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، وذكر الله تعالى التقوى في مقاصد العبادة، لافتًا إلى أنه من المؤلم جدًا أن بعض الناس يكون عندهم ضمير تجاه العبادة ، لكن هذا الضمير يختفي إذا كان الأمر متعلّقًا بالعباد وحقوقهم!
وأردف الدكتور العودة : أنه ربما يجرؤ هذا الإنسان على أن يقتل إنسانًا بالتأويل، والاحتيال على الضمير ، أو يأخذ حقه ، أو ينتهك عرضه ، أو يتكلّم فيه ، أو يغتابه ، أو يكذب عليه ، مشيرًا إلى أن التأويل باب يصعب ردمه لكن ربما تجد أن هذا الإنسان شديدُ الورع في جوانب أخرى.
حقوق العباد
وقال فضيلته إن حقوق العباد منها ما يتعلّق بـ:
1 ـ الأعراض : يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- يُعلن : « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، في شَهْرِكُمْ هَذَا ، في بَلَدِكُمْ هَذَا
2 ـ المال العام : والحفاظ عليه واعتبار أنه مسؤولية وأنه حق للأمة كلها وأن قدرة الإنسان على أن يأخذ منه لا تعني أن له أن يأخذ منه، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : « إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِى مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » ، فهذا المال العام الذي يأخذه بغير حقه هو سُحْتٌ في الدنيا وعقاب وعذاب في الآخرة.
3 ـ الوقت العام : فالموظف قد يضيع وقت عمله في أحاديث أو سواليف أو اتصالات هاتفية أو يجلس في وظيفته، ولكنه لا يقوم بالواجب عليه.
4 ـ المسؤولية: فالإنسان يكون عليه مسؤولية ؛ توظيف عقله ، قدرته ، قراراته، إمكانياته ، وجاهته ، قدرته على اتخاذ المواقف ، فلو استطعنا أن نُعْطِيَ الضمير جرعة مُنَشِّطَة في مجتمعاتنا على صعيد الذين لهم مسؤولية ولهم قوامة على أموال الناس ، وعلى عقاراتهم ، وأعراضهم ، وإعلامهم ، وحقوقهم.. لو استطعنا أن نوجد حيوية لهذا الضمير سنختصر كثيرًا من العناء والمشكلات التي تواجه الأمة.
من أين لك هذا ؟
وتعليقًا على تقرير الحلقة الذي جاء بعنوان: إن الضمير مستتر تقديره أين الأموال ؟ في إشارة إلى أن البعض يرد أمولًا وصلته بالخطأ، وآخرون وضعوا أموالًا إبراء لذمتهم وصلت 160 مليون ريال خلال أربع سنوات قال الشيخ سلمان:
لا شك أن هذا شيء يُشكر ، وأتذكر كلمة عمر -رضي الله عنه- عندما جِيء بالأموال فقال : " إن قومًا أدَّوِاْ هذا لأمناء " ، مشيرًا إلى أننا بحاجة إلى "من أين لك هذا ؟" فالأمر لا يتعلق بمائة وستين مليون ريال خلال أربع سنوات ، ولكن أين يكون هذا؟ كما حدث أن عليًّا دعا الناس إلى الجهاد ، فجاء رجلان، قال : (رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي )، قال عليّ : وأين تقعان مما أريد؟
وأضاف فضيلته : نحن نحتاج إلى مجموعة من الأصفار تُضَاف إلى هذا الرقم ، بحيث يكون هناك شفافية فيما يتعلق بالأموال ، أو القدرة على التصريح والإفصاح على كافة المستويات ، فهذا أمر ربما يكون بعيد المنال، ولا تستدعيه الظروف والأحوال ، لكن على الأقل أن يكون هناك جِديّة في محاربة الفساد ، وأن تكون هناك رقابة لملاحقة هؤلاء الناس السارقين وتضعهم أمام القضاء، وتحاكمهم، وتأخذ منهم الحقوق، مع مراعاة الفرق الحقيقي بين فساد يوجد في بلد بنسبة خمسة إلى عشرة بالمائة ، وبين بلاد في العالم الإسلامي يصل فيها الفساد إلى خمسين وستين وسبعين في المائة في كثير من الأحيان، وتصبح السرقة والغش والرشوة من القضايا التي ينشأ فيها الصغير ويهرم عليها الكبير ، ولا يمكن لإنسان أن ينجح في هذا المجتمع إلا أن يتشارك مع شخص له نفوذ أو أن يدفع مالًا، حتى في سبيل الحصول على حقه في كثير من الأحيان، أو ما أشبه ذلك من الطرق الملتوية!
ما بين المرونة والتشبث
وفيما يتعلق بأن الضمير قد يضيع أحيانا ما بين المرونة والتشبث بالمبدأ ، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح ، مشيرًا إلى أنه قرأ للكاتب سعد الدوسري روايةً عنوانها (الرياض سبتمبر) في بداية التسعينات، مشيرًا إلى أنها تحكي قصة طالب سعودي في أمريكا، وكان عنده نوع من المثالية، وعندما جاء هنا تغيّر الوضع ، فالحديث عن الفرق ما بين القيم والمبادئ وما بين المرونة في الواقع أمرٌ حساس، ويحتاج إلى حديث خاص لاعتبارات ، منها :
1 ـ أن الإنسان قد يجعل عاداته أو رأيه الخاص أو فكرة الحزب الذي ينتمي إليه.. يجعلها قيمة، وقد يجعلها مبدأ، وهذا أمر خطأ.
2 ـ أن القيم والمبادئ ليست مثالية، بمعنى أنها تُطبّق هكذا، وإنما هذه القيم والمبادئ- حتى السماوية -فيها اعتبار لواقع الناس ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- خلال تطبيقه للإسلام ترك أشياء، مثل قتل المنافقين، أو هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم، أو عدد من الاعتبارات مراعاة لظروف الناس وقدرتهم على التحمّل والاستيعاب.
مبدأ الأنا
وأضاف فضيلته: إن من الناس من يكون تمسكه بالمبادئ عبارةً عن ذريعة أو توسل، ونوعًا من المكيافيلية للوصول إلى المصالح ، فهذا الإنسان إذا رأى أنها لا تمشي معه انتقل إلى شيء آخر ؛ ولذلك فإذا كان الإنسان عدّل طريقته لأنه يبحث عن الأصوب والأكثر صلاحية ، فهذا نتيجة تجربة وخبرة في الحياة لا يُفرّط فيها الإنسان ، لكن إذا كان هذا الإنسان ليس بصاحب مبدأ ولا قيمة، وإنما مبدؤه وقيمته هي الأنا ، فهو بذلك يبحث عن الأنا من خلال التمسك بمبدأ أو إعلان ذلك ، ومن خلال التخلّي عنه والذوبان في الواقع!
وأوضح الدكتور العودة أن القدرة على التوفيق ما بين المبادئ والقيم، وما بين الواقع وقدرته على الاحتمال ، هو مبدأ شرعي راسخ ثابت ، وليس له علاقة بتجارب البشرية، مُشِيرًا إلى أن الأمر يقتضي أن لا نستسلم للواقع، لكن أيضًا أن لا نقوم بتمرّد أو انقلاب عليه، ربما يُرسّخ السلبيات الموجودة فيه أكثر مما يُزيلها!
سطوة المجتمع..إلى أين؟!!
وتعقيبًا على مداخلة ، تقول : إن هناك مشكلةً عند مَنْ يريد أن يُغيّر وهي مشكلة الضمير الداخلي وسطوة المجتمع أيضًا ، قال الشيخ سلمان : في مجتمعاتنا الشرقية- والخليجية على وجه الخصوص -يمكن أن تلغي سطوة المجتمع خصوصية الفرد، ومسئوليته ، بل وحريته الشخصية فيما أوكل الله تعالى إليه، وكأن هذا الفرد هو فقط ترس في آلة ، هناك جزء منه تُديره السياسة ، وهناك جزء آخر يُديره الفقه والفتوى، وهناك جزء ثالث تُديره الأسرة والمجتمع من حوله، فيتحكّمون حتى فيما يَلْبَسُ وفيما يتكلّم وفيما يتحرك وفيما يمارس بشكل يُلغي دور الفرد ويُعطيه قدرًا كبيرًا من الانفصال عن المجتمع، وعدم الإحساس بالانتماء.
وأضاف فضيلته: إن هذه القضية تحتاج –تربويًا- إلى معالجة جادّة ، حيث يغيب الضمير ما لم تسند إلى الشاب أو إلى الفتاة قدرًا من المسئولية، على الأقل مسئوليته الشخصية، في صلاته، وعبادته.. نعم يُحَثُّ ، ويُؤْمَرُ ، ويُحفز عليها ، كذلك سلوكياته ، لكن هنا لا يصبح الأمر عبارة عن تجسس أو تلصص أو إفراط في الفرض، أو إفراط في المنع، حتى لو منعته من الأخطاء أو من بعض الأشياء إذا لم يكن هناك بناء للضمير من الداخل فلن يصلح،- وهنا يأتي دور الضمير " التقوى ها هنا "- بحيث إنه حتى لو أُتيحت له هذه الأمور، فإن تربيته وإيمانه وضميره يحجزه عنها.
صدمة حضارية
وردًّا على سؤال حول : ماذا عن ضمير الإنسان الذي ينتقل من مجتمع إلى آخر فيستيقظ عنده ضمير غريب أول مرة يشعر به ؟ ، قال الشيخ سلمان: لقد قرأت رواية(سبعة) للدكتور غازي القصيبي، فوجدت في الرواية تجربة لشاب أو فتاة انتقلوا من دول الخليج إلى لندن، كذلك رأيت بنفسي هذا النمط من الأولاد والبنات، كما أننا عندنا الطلاب المبتعثون ، والمهاجرون الذين يواجهون مشكلة بين القيم التي نشئوا عليها في بلاد إسلامية وتربوا عليها في البيت والأسرة ، وبين القيم الاجتماعية التي انتقلوا إليها، وهذا يُفرز أحيانًا نوعًا من الانفصال عن القيم السابقة ، وردود أفعال سلبية قاسية ، بل أحيانًا ما يسمى بـ"الصدمة الحضارية "، مما يؤدي بهذا الإنسان إلى قدر من المعاناة النفسية، إن لم أقل المرض النفسي.
وأضاف فضيلته: إن هناك كتابًا اسمه (طريق الهجرتين) للإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- ، يتحدث فيه عن الضمير ، ومراقبة الله -سبحانه وتعالى-، فهو من أفضل ما أوصي به في هذا السياق.
ضمير انتقائي ؟!!
وردًّا على سؤال حول : هل يمكن أن نقول عن ضمير ما إنه انتقائي، مصاب بعمى ألوان، يرى لونا ويترك آخر؟ ؟ قال الشيخ سلمان: نعم ، هذا صحيح، فمن الناس من يكون ضميره يقظًا تجاه شيء معين ، وليكن المال مثلًا ، وهذا شيء رائع الحقيقة، بحيث تجده عند وجود أي مال مشتبه يتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : « إِنَّهُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ » ، ومن الناس من تكون حساسيته تجاه المرأة وتجاه العلاقات وتجاه النظر ، ومن الناس من تكون حساسيته في جانب مسئولية ، فلا شك أن الضمير هنا أحيانًا يكون انتقائيًا، إما بسبب تربية تلقاها، أو ظرف مرّ به، أو لتكوين الشخص وثقافته.
وأضاف فضيلته : أنه ينبغي على الإنسان أن يسعى بضميره نحو التكاملية أو الاعتدال ، فمن شأن ذلك أن يُعزز عند الإنسان الذي لديه حساسية تجاه قدر من الأخطاء أو حساسية تجاه قدر من الصوابات يسعى إليها ، فالناس ليسوا نمطًا واحدًا، فمن الجيد أن تُحفّز هؤلاء في أعمالهم (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) ، و(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ).
هل يخطئ الضمير ؟
وردًّا على سؤال ، يقول : هل يخطئ الضمير ؟ ، قال الشيخ سلمان: من المؤكد أن الإنسان يخطئ ، ولكن العقل لا يخطئ من حيث أحكامه الصحيحة ، لكنه يخطئ من حيث تلبُّس الهوى به أحيانًا ، والضمير لعله جزء من العقل أو له علاقة بالعقل ؛ ولذلك يقع الضمير في التلبيس ويقع في الخطأ أحيانًا ، والثقافة التي تلقّاها الإنسان لها تأثير على هذا المعنى.
الضمير الذاتي
وفيما يتعلق بكيفية تعزيز وجود الضمير الذاتي ، ومن ثَمَّ الانتقال إلى المجتمع ؟ قال الشيخ سلمان: إن الضمير والروح متصلان بِبَعْضِهِمَا ، وهناك وسائل كثيرة جدًّا لتعزيز الضمير الذاتي، منها :
1 ـ العادة : فقد تبيّن تمامًا أن العاداتِ مُؤَثِّرَةٌ جدًّا في الإنسان ، فالغرب - يعتمد على زرع العادات الحسنة المتكئة على قيم اجتماعية نافعة لهم، ونجح في هذا فيما يتعلق بالبناء الحضاري ؛ ولذلك فإن تدريب الناس على العادات أمْرٌ في غاية الأهمية ، وفي هذا الإطار فإن الوعظ ينبغي أن يؤدي دوره، لكن ينبغي أن يُعزز الوعظ دوره من خلال عادات اجتماعية للصغار والكبار تجعلهم يمارسون ذلك؛ لأن الإنسان لا يجد صعوبة في ممارسة العادة التي تكررت عليه ، وأنا أعتقد أن الحرص على العادات أمْرٌ مهم جدًّا فيما يتعلق بتربية الضمير.
الثقافة..وتعزيز الضمير
2 ـ الجانب الثقافي والمعرفي :
ولهما له علاقة بيقظة الضمير وتعزيز الضمير ؛ فالدين جاء ليُهيمن على الحياة ويصوغها صياغة سليمة من حيث الجملة ، فهنا مثلًا بعض الناس ضميره أو ثقافته تجعل الضمير يستيقظ تجاه قضية، ولكنه ينام ملء جفنيه ويتوسد يديه تجاه كثير من القضايا ، فكثير من الناس ربما يقطع الإشارة، أو يتجاوز تجاوزًا خاطئًا، أو يؤذي حركة المرور، أو يزعج الناس وهم نائمون ، وهو لا يشعر تجاه ذلك بأي تأنيب ضمير؛ لأنه تعوّد على مثل هذه الأشياء، وليس عنده إحساس داخلي يجعله يُحس بآلام الآخرين ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : « وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ » ، لكن هذا الإنسان يكون يقظًا تجاه قضايا أخرى.
وضرب فضيلته مثالًا لذلك بـ" استبداد الحاكم" ، سواء أكان مدير الشركة ، أو رئيس المجموعة ، أو الأب في بيته ، فإذا اعتبرنا أن هذه العملية هي عبارة عن معصية سياسية، معصية إدارية، واستيقظ الضمير تجاه هذه القضية سيكون الضمير هنا أكبر وأقوى رادعٍ لمقاومة الاستبداد؛ لأنه من داخله يشعر بتأنيب الضمير تجاه أن يستقل بمثل هذه المعاني عن الآخرين.
3 ـ تقوية الإيمان:
مما يتعلق بتعزيز الضمير أيضا تقوية الإيمان ؛ ولذلك العبادات خمس صلوات في اليوم والليلة ، خمس مرات يتوضأ، الصيام شهر في السنة ، الحج ، تشتمل على كثير من المعاني الإيمانية، فضلًا عن ذكر الله -سبحانه وتعالى- في الصباح ، في المساء ، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ، فهذا المعنى يُكثف الإحساس برقابة الله تعالى في ضمير الإنسان، وبالتالي يُعزز ويُقوي الضمير.
تدريب وتعويض
4 ـ التدريب : يُقوّي الضمير ، وعلى سبيل المثال فإن ما يسمونه بالكاميرا الخفية مثل أن ألقي شيئًا في الشارع وأجعل الناس يبحثون عنه، وكل واحد يمر يأخذه، وإنسان يتلفت ما عنده أحد أخذه ووضعه في جيبه ، لكن آخر يأخذه ويذهب به إلى الجهة المختصة ، فأي موقف يمر به الإنسان يترك فيه آثارًا ، فعندما يتخيل أن الكاميرا تُراقبه وأنه غدا سيظهر على الشاشة ، فمن الجميل أن يتعود الإنسان على ذلك ، كذلك تسجيل المكالمات يمكن أن يفيد في هذا الأمر.
5 ـ التعويض: وهو جانب مُهِمٌّ جدًا في تعزيز الضمير ، وعلى سبيل المثال ، فإنه كثيرًا ما يسألني عدد من الطلبة ويقول : والله أنا غششت في الثانوي ، والآن أنا متخرّج من الجامعة ماذا أصنع ؟ هل أُعيد الدراسة ؟ هل ألغي الدراسة ؟ فكنت أقول لهم : الحمد لله أنت تخرّجت وتوظفت بشهادة الجامعة، وليس بشهادة الثانوي ، وهذا خير وبركة ، والتقصير الذي حصل منك بإمكانك أن تعوّضه بالإخلاص في العمل، فاحرص على الانضباط والكفاءة، فهذا واجب عليك أصْلِيٌّ ، وهو أيضًا واجب من أجل التعويض عن الخلل أو التقصير الذي حدث.
وضرب فضيلته مثالًا آخَرَ للتعويض ، قائلا: اتصل بي شاب ذات مرة وذكر أنه على علاقة مع فتاة، وكيف أنه انتهك عرضها وافتض بكارتها ما هو الحل ؟ يقول: أشعر بتأنيب الضمير ؟ هنا لا شك أنك ارتكبت معصية وفاحشة، لكن لا يجوز أن تترك هذه الفتاة تعاني قدرها بنفسها وأنت قادر على أن تساعدها في ذلك ، فيمكن لهذا الإنسان مع التوبة والاستغفار أن يتقدّم لها ويخطبها، ويبني معها حياة سعيدة وجميلة ،ولا يعتقد بالضرورة أن هذه الفتاة سيئة مع كل شخص، فهي قد تكون ارتكبت خطأ معك، وتابت إلى الله -سبحانه وتعالى-، ويمكن هذا الخطأ الذي ارتكبته معك لم تكن قابلة بحال من الأحوال على أن ترتكبه مع أشخاص آخرين.
قيم للأطفال ؟!!
وردا على سؤال حول : ما هي القيمة التي يلزم تعزيزها لدى الطفل منذ الصغر وكيف نربيهم بحيث نعزز لديهم هذه القيم ؟ ، قال الشيخ سلمان: القيمة هي التربية ، يقول -سبحانه وتعالى- : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)(الأنفال: من الآية29) ، وهذا يُؤَكِّدُ على معنى التربية، فالتقوى تصنع الفرقان، فإذا عوّدنا أنفسنا على مراقبة الله -سبحانه وتعالى- تحوّلت هذه إلى جُزْءٍ من شخصيتنا في جميع المواقف.
وأضاف فضيلته: أن الإمام أبا حامد الغزالي ذكر عن الجُنيد أن الْمُدَرِّسَ كان يدرسهم وقال مرةً للأطفال بعد أن أعطاهم حَمَامًا : كل واحد منكم يذهب بهذه الحمامة ويذبحها؛ حيث لا يراه أحد، فرجعوا وقد ذبحوا الحمام، إلا واحدًا منهم رجع بها حيّة ، قال له: لماذا ؟ قال: ليس مكان في الدنيا إلا والله تعالى يراني فيه ، فقال : إنه سيكون لهذا الفتى شأنٌ ، وفعلًا أصبح من الأئمة أصحاب التقوى والورع والزهد والسلوك.
وأردف الدكتور العودة : أنه لابد من تربية الصغار على القيم ؛ مثل : قيم احترام الآخرين ، محبة الله -سبحانه وتعالى- ، الكلمة الطيبة، الثواب والعقاب، والحسنة والسيئة، ففي بعض البيوت حتى الأطفال يوضع لهم لوحات وفيه حسنات وفيه سيئات، إذا نظف واحد مثلًا المكان، فهذه حسنة تكتب له، فإذا قام أحدهم بالتلويث أو أفسد ثوبه أو قام بتعيير أخيه أو سبّه بكلمة تكتب عليه سيئة، وهكذا يصبح عندهم نوعٌ من التفريق المبكر بين الخطأ والثواب والخير والشر.
الضمير الجمعي
وفيما يتعلق بـ"الضمير الجمعي"، قال الشيخ سلمان: هو ضمير موجود وله اعتبار، إلا أنه يتأثر بطريقة التعامل والتعاطي مع المجتمع، فإذا حدث انتهاك قيمة الفرد في المجتمع هنا يُصبح المجتمع بلا ضمير؛ لأن المجتمع فوض إلى سادته وإلى قادته كل الاعتبارات ؛ ولذلك يضعف الضمير بِقَدْرِ عجز الناس عن المشاركة في مجتمعهم بالرأي، بالقرار، بالمشورة، بالنصيحة، بالتوجيه، بالإصلاح، ويضعف أكثر أيضًا باليأس عندما ييأس المصلحون، ويلقون العصا، وكأنهم يقولون: لا فائدة ولا أمل.
وأوضح فضيلته: أن مشكلة الضمير الاجتماعي أنه قد ينتقم، ويثور أو يتحرّك في أوقات الأزمات ، مثل : أحداث العراق والكويت، فقد كان في ذلك الوقت نوع من إحساس ضمير غير مستقر يتساءل عن دورنا، عن واجبنا، عن جاهزيتنا لمقاومة العدو الغاشم، عن مستقبلنا ، كذلك عندما تأتي أزمة حتى لو كانت أزمة الأسهم أو أزمة الانهيار الاقتصادي في العام الماضي، هنا يبدأ الضمير يتساءل، وقد يتطوّر الأمر إلى نوع- كما قلت – إلى انفصال هذا الضمير عن المجتمع الذي يعيش فيه. كما أنه لابد من وجود عادات اجتماعية تحافظ على هذا الضمير، كالحفاظ على تجنب الغش، وتجنب الرشوة، وتجنب التزوير، وتجنب أخْذِ حقوق الناس بغير حق، وهذا يمكن أن يتحول إلى ضمير جمعي.
مثالية..واضطراب
وردًّا على سؤال ، حول: لماذا في المجتمعات الغربية الضمير منساق متلائم، أما في المجتمعات الشرقية نجد الضمير مضطربًا ؟ ، قال الشيخ سلمان :لأنهم يقولون: الضمير محكمة ، لكن ما هي قيمة محكمة إذا لم يكن يوجد فيها قضاة؟! فإذا لم يكن هناك معايير وقيم ومبادئ يرجع إليها الضمير لم يكن له تأثير.
وتابع : في الشرق القيم عالية جدًا والمعايير متفوقة جدًا والمثاليات على أوسع نطاق، لكن الواقع نقيض هذا تمامًا على أكثر من صعيد ؛ ولذلك أنا أذكر كتابًا للدكتور أنور عكاشة اسمه: (ثقوب في الضمير) ، يشرح جزءًا من معاناة المجتمع.
الضمير الدولي..إلى أين ؟!!
وفيما يتعلق بـ"الضمير الدولي" ، قال الشيخ سلمان: لا شك أن الضمير الدولي ليس موجودًا بشكل صحيح إلا في قضايا محددة، خاصة في ظل غلبة الأهواء السياسية والإدارات العالمية ذات المطامع والمصالح على هذا الضمير الذي يُعبّر عن حقيقة الناس وتطلعهم.
وأضاف فضيلته : لكن مع الأحداث الأخيرة في غزة لاحظنا أن هناك نوعًا من اليقظة ، ففي السويد هناك إثارة لقضية الإسرائيليين الذين يتاجرون بالأعضاء ، مما تسبب في أزمة سياسية، ومع ذلك ظل موجودًا وقائمًا، مما يوحي بأننا نحن أيضًا مسئولون عن التقصير في هذا الجانب، فنحن لم نخاطب الضمير الدولي بما يكفي، نحن دائمًا ما نقول إن الضمير الدولي ضدنا ، وهو كذلك ، لكن ليس ضدنا خِلْقَةً ، ولو استطعنا نحن أن نخاطب هذا الضمير ربما نستطيع أن ننتزع بعض حقوقنا، أو نحصل على بعض حقوقنا، كما أن الشعوب في العالم الغربي على وجه الخصوص لها تأثير كبير.
عذاب الضمير
وردًّا على سؤال حول : كيف نعالج عذاب الضمير ؟ قال الشيخ سلمان : هناك بعض الأمور التي يمكن أن تسهم في ذلك ، منها :
1 ـ الاعتدال: فالمبالغة في عذاب الضمير خطأ؛ لأنها من الممكن أن تفضي إلى ضرر كبير ، مثل الانتحار، سواء كان الانتحار بيولوجيًّا بالقتل ، أو انتحارًا اقتصاديًّا بتدمير المشروع، أو انتحارًا سياسيًّا بعمل غير مدروس ، أو انتحارًا اجتماعيًّا بالطلاق أو أي شيء آخر.
فلذلك لابد من الاعتدال ، وأن يداوي الإنسان الاحتدامَ في الضمير ، فليس مطلوبًا أن يموت الضمير أو يغفو، ولكن ليس مطلوبًا أن يتفاقم الضمير ويزداد بحيث يتحوّل إلى عذاب دائم للإنسان.
2 ـ الشجاعة والجرأة على الاعتذار: فلو أنك إن شاء الله رئيس دولة تعتذر من أصغر إنسان إذا وقع خطأ في حقه، فإن هذا كثيرًا ما يداوي الضمير ، ولذلك ينبغي أن نعتذر من الخدام، والسائقين، والأطفال الصغار في حالة حصول خطأ معهم.
3 ـ رد الحق إلى أهله: إذا كان عندك حق ؛ ولهذا فإن مسألة حقوق العباد مبناها على الْمُشَاحّة ، فيجب عليك رد الحقوق إلى الناس أيًّا كانت قبل ألا يكون دينار ولا درهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث الصحيح : « تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ».
إقلاع وإيمان وتعويض
4 ـ الإقلاع : وكما يقولون : "الشيء اللي يجيك منه الريح سده واستريح" ، فأحيانًا عالج مثلًا هذا الخطأ أو على الأقل التخفيف إذا لم يستطع الإنسان الإقلاع مما يؤذي ضميره، أن يخففه بدلًا من أن يفعل الخطأ ، فيحاول أن يُقلع ولكن بشكل تدريجي.
5 ـ الإيمان بالله : لاشك أن الإيمان بالله وذكر الله -سبحانه وتعالى- له تأثير عجيب، ولهذا يقول الله -عز وجل- : (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد: من الآية28) ، فذكر الله يداوي هذه الجراح التي في الضمير.
6 ـ التعويض: فالإنسان ربما يكثر من الصدقة ، والأعمال الصالحة (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )(هود: من الآية114).
إحسان وبوح وحذر
7 ـ الإحسان : فلا أجد في مداواة الضمير القَلِق أو الضمير الخائف أو الضمير المحتج أكثر من الإحسان إلى عباد الله ، من الفقراء والمساكين والمحتاجين ؛ ولذلك بعضهم يقوم بهذا العمل بنفسه، وهذا معنى رائع، يعني ليس فقط أنك تعطيهم مالًا، فهذا جميل وضروري، بل رائع لكونك تقوم بنفسك أحيانًا بإيصال هذا الخير إليهم ،وتوزعه عليهم وتقرأ البسمة في وجوههم، وتستمع إلى دعائهم.
8 ـ البوح والإفضاء: وقد أخذ المسيحيون الاعتراف منه :
ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ *** يواسيك أو يُسْلِيك أو يتوجّع
9 ـ الحذر من المجاهرة بالذنب أو الخطأ: فالمجاهرة تُضَاعِف من تأنيب الضمير، ولكن البوح لصديق تأخذ منه مشورة، أو نصيحة، ربما يشاطرك الهم والحزن والعاطفة.
شراء الشهادة..وتأنيب الضمير
وردا على سؤال يقول : اشتريت شهادة المرحلة المتوسطة قبل عشر سنوات، ومنذ ذلك الحين وأنا موظف ، فماذا أفعل ؟ ، قال الشيخ سلمان : عليك أن تحصل على شهادة صحيحة، خذ شهادة المتوسط، وقرر أن تأخذ بعدها شهادة الثانوي والجامعة، وإن شاء الله تأخذ الماجستير والدكتوراه أيضًا، بحيث تعالج هذا الخطأ الذي حصل بصوابٍ من جِنْسِهِ.
وتعقيبًا على مداخلة ، تقول : أم مات ابنها غرقًا ربما أمام عينيها، وربما من وراء ظهرها، لكن استمر ضميرها يؤنبها بشكل مزعج طوال حياتها ، قال الشيخ سلمان : إن مثل هذه الأمور كثيرة الحدوث ، فنجد أن الابن يعني غرق مثلًا ، أو صعق بالكهرباء أو ما أشبه ذلك ، فالاحتمالات كثيرة جدًا لهؤلاء ، كما أن إغلاق المنافذ أمر غير ممكن، ومُتَعَذِّر، إنما لابد من بذل الجهد واليقظة تجاه الأطفال، ومراقبتهم، وعدم إهمالهم.
وأضاف فضيلته أنه يقع في مثل هذه الحالات تأنيب الضمير ، وهو في الغالب إحساس بالحرمان من هذا الصغير وإحساس بالفقد، وكلما تذكرت ملامحه الجميلة وعينيه البريئتين وابتسامته ولثغته وضحكه، وأنه ملأ البيت ، ثم تذكرت غيابه شعرت بأنها هي المسئولة عن ذلك، فيتولّد من ذلك التأنيب.
وأوضح الدكتور العودة : أن الفقهاء قالوا: إن من تسبب بالإهمال فعليه الكفارة، والتي هي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين ، حيث وجدت كثيرًا من الأمهات ترتاح –سبحان الله- بهذا، وإن كان لا يتوجب عليها يقينًا، لكن إذا فعلت شعرت براحة كأنها داوت ألم الضمير بمثل هذا.
الإيمان بقدر الله
وتعقيبا على مداخلة ، تقول : أبٌ فقدَ أبناءه في حادث سيارة، ويرى أنه تسبب فيه، وضميره يعذبه إلى وفاته ، قال الشيخ سلمان : لابد من الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره : يقول تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التغابن: من الآية11) ، فالقلب هنا هو الضمير، أي : يهدأ ضميره، كما كان أبو بكر الصِّدِّيق يقرأ هذه الآية (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدأ قَلْبُهُ) ، أي : يصبح هادئًا بالله ، بحيث إن هذه العواصف من الأحزان تهدأ؛ لأن هذا مكتوب ومقدور، والأب لو استطاع أن يفتدي أولاده بنفسه لفعل، لكن ماذا يصنع الإنسان والأقدار نافذة، وأمر الله لا حيلة فيه؟!
مريض بالاكتئاب ؟!!
وفيما يتعلق بمريض الاكتئاب ، والذي يؤنبه ضميره كثيرًا ، وربما يؤدي ذلك إلى الانتحار ، قال الشيخ سلمان : إن الاكتئاب والوسواس القهري وغيرها من الأمراض النفسية هي مثل الأمراض العضوية: الصداع ، الروماتيزم ، السكر ، وهي أمراض عضوية يبتلي الله تعالى بها عباده؛ ليُكفر عنهم من سيئاتهم، وليرفع من درجاتهم، ولحكمة يعلمها الله -سبحانه وتعالى-.
وقد يكون هذا بسبب عوامل وراثية تُؤَهِّلُ الإنسان للإصابة أو ظروف خارجة عن إرادته، والصبر عليها فيه أجر، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ؛ ولذلك على الإنسان أن لا يعتقد بأن هذه الهموم أو الغموم أو الاكتئاب هي نتيجة خطأ، حتى لو كان ارتكب خطأ، حتى أولئك الناس الذين هم سعداء ويضحكون بملء أفواههم، هل تتوقع أنهم ما أخطئوا ؟ !
الإثم ما حاك في نفسك ؟!!
وعن مدى علاقة حديث : « وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ » ، بالضمير ؟ ، قال الشيخ سلمان : إن الضمير أحيانًا يُحَدِّد، لكن الضمير هنا لا يمكن الاعتماد عليه بالإطلاق ، فلابد من الشريعة والمرجعية في معايير الضمير، إن كان حقًّا أو باطلًا.
وأيضا عندما قال « الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ » ، فهذا هو الوجه الإيجابي في فاعلية الروح ( التقوى ها هُنَا ) ، أما الآخر فهو الإثم: (مَا حَاكَ فِى نَفْسِكَ) مثل لو هممتَ أن تفعل شيئًا وشعرت بالتردد ، ولا تريد أن يعرفه أحد ، فهذا معناه أنه إثم، فدعه، وليس معناه أن هناك إثمًَا على العبد بمجرد خطور هذا الخاطر على قلبه؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر في حديث ابن عباس بل هو في حديث قدسي في صحيح مسلم وغيره : « وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً » ، ولا يُحَاسَبُ الإنسان على مجرد الهمّ أو الخاطر في القلب.
الاحتكام للضمير ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة ، تقول : هل يجوز أن يحتكم الإنسان لضميره؟ قال الشيخ سلمان :إن احتكام الإنسان لضميره لا يكون في كل شيء ، فهناك شرع؛ كتابٌ ، وسُنَّةٌ ، وإجماع ، كما أن هناك حلالًا بيّنًا و حرامًا بيِّنًا ومُشْتَبِهات ، لكن هناك أشياء المرجع فيها إلى الضمير .
وضرب فضيلته مثالًا لذلك قائلا: سألني شخص في ذات مرة : هل يجوز مشاهدة نشرة الأخبار التي تذيعها امرأة ؟ فقلت له : استفت قلبك. قال لي : كيف ؟ قلت : إذا أنت تسمع الأخبار وترى هذه المرأة كما لو كنت ترى رجلًا -مثلًا- ملاكمًا، أو ترى جدارًا فهذا عادي، لكن إذا كنت ترى هذه المرأة وتستعذبها وتستحليها وتتلمح ملامحها وقسماتها وربما أخذتك عن الأخبار فهنا استفت قلبك ، فهذا دليل أنك تمارس إثمًا، حتى لو كان لا يوجد نص صريح بخصوصه، لكن هنا قلبك يدل على وقوعك في الخطأ.
وأضاف فضيلته: فهنا الضمير يعطيك مؤشرًا ؛ ولذلك الضمير إنذار داخلي كالجرس ، فبعض الأخطاء التي لا يوجد عليها نص خاص، أو دليل خاص، لا أنك تجد من داخلك شيئًا يقول لك : "اترك هذا الأمر" ، يقول تعالى (بَلِ الْإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:15) ، فمن الممكن أن يأتي الإنسان بأعذار ويقتنع ويقنع الآخرين، لكن في داخله لا يستطيع أن يقنع نفسه.
تأنيب الضمير
وفيما يتعلق بتأنيب الضمير ، قال الشيخ سلمان: كلنا نشعر بتأنيب الضمير ، فلا يوجد أحد لم يشعر بهذا الشعور ، فقد أشعر بذلك عندما أصرخ على طفل صغير، وتجدني تجاه ذلك أحاول أن أعوّضه بشيء من الدلال الذي أنا مقتنع أنه ليس بأسلوب تربوي ،ولكن أفعل هذا بمقتضى أني تعوّدت عليه.
وأضاف فضيلته أن تأنيب الضمير ربما يكون بسبب فوات مصلحة ، مثل: بر الوالدين، وتقصير الإنسان في ذلك، أو يأتي شهر رمضان مثلًا والإنسان ربما قصّر في طاعة أو عبادة أو قُرْبَة أو قراءة قرآن ، كما يقال: (واتسعت مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ) ، كما أن الضمير يلوم الإنسان ويعاتبه إذا قال شيئًا ولم يفعله.
لحم الإبل : هل ينقض الوضوء ؟
وضرب الدكتور العودة مثالا لذلك بـ" الوضوء بعد أكل لحم الإبل ، قائلا: إنني من الصغر آخذ بالقول بأن لحم الإبل ينقض الوضوء ، ففي مجتمعنا السعودي يعتبر هذا من المقررات في كافة المستويات وقررت هذا ، ثم في مرحلة متأخرة بحثت، وظهر لي أنه مُسْتَحَبٌّ الوضوء منه ولا يجب ، فمع أني قررت هذا فقهيًّا، وأعلنته في الدروس، إلا أن ضميري حتى الآن لم يساعدني أو يسعفني، فلو أكلت لحم إبل ولم أتوضأ، وصليت، أشعر كأنني ما صليت، أو كأنني صليت على غير وضوء.
لا أعمل شيئا وأضمر خلافة
وذكر الشيخ سلمان : أن هذا يُبرز دور العادة، خاصَّةً إذا غُرِسَت منذ الصغر ، فمن الخير أن يتوضأ الإنسان ، وعلى أقل الأحوال أنه سنة ، وإن كانت المسألة -كما قلت- فيها خلاف، والأئمة الثلاثة لا يرون وجوب الوضوء من لحم الإبل، والإمام النووي ذكر أن هذا مذهب الأئمة الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، على خلافٍ مشهور في المسألة .
وأردف فضيلته : لكن لا أشعر -ولله الحمد- بتأنيب ضمير لا في الماضي ولا في الحاضر تُجَاه هذه القضية ؛ لأنني لا أشعر أني يوم من الأيام عملت أو قلت شيئًا وأنا أضمر خلافه ، وأعتقد أن من المطالب الهامة الترقّي والتجربة وتراكم الخبرة والمعرفة والقراءة والاستفادة من الآخرين ، وفي الوقت الذي أجدني فيه كثيرًا ما أعذر أولئك الناس الذين ربما لم يستوعبوا بعض هذه الأشياء، أو لم يتقبلوها؛ لأنه ليس من حق أحد أن يفرض على أحد رأيه واجتهاده، إلا أنني أيضًا أعذر بِقَدْرٍ أكبر نفسي تجاه ما أعمله وأقوم به.
ليس مصدرا للتشريع !!
وردًّا على سؤال حول : هل الضمير مَصْدَرٌ مستقل من مصادر التشريع ، قال الشيخ سلمان : إن الضمير ليس مصدرًا للتشريع، وإن كان من الفقهاء أحيانًا والعلماء المتقدمين والمتأخرين من يبحث مسألة فيقول: وهذا لا تطمئن إليه النفس، وهذا تطمئن إليه النفس، إنما هذا لا يعتبر على أنه مصدر تشريع ، فمصادر التشريع معروفة، وهي : الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، وما أشبه ذلك ، ولكن الضمير هو الفعل والترك في مراقبة النفس على فعل الخير المعروف، وترك الشر المعروف، وأيضًا الضمير يُفَعَّل في الأشياء التي أوكل الشرع إلى الإنسان مسئوليتها، والبصيرة فيه تعود إلى الإنسان ذاته.
تغيير الآراء لا يعني تغيير المنهج
وتعقيبًا على مُدَاخَلَةٍ من أحد المشاركين في البرنامج ، تقول: إن الشيخ سلمان قد غَيَّرَ منهجه بالكامل ، فهل هذا عودة الضمير، ورجوع إلى الحق ، فالشيخ كما عرفناه ليس صاحب هوى ، أم هي مرحلة من المراحل التي يمر بها الشيخ ؟ قال الدكتور العودة: تغيير الآراء لا يعني تغيير المنهج، مُشِيرًا إلى أن المنهج واحِدٌ لا يتغير ، بخلاف الآراء والمواقف واللغة، والتي من الممكن أن تختلف من مرحلةٍ إلى أخرى.
وأضاف فضيلته : إذا لم يكن المنهج هو القرآن والسنة والإيمان فلا أعرف ما هو المنهج إذًا ، فليس هناك تغيير في المنهج الذي أسير عليه ، فهو واحد لا يتغير ، وإنما الآراء والمواقف واللغة ربما تتغير في مرحلة من المراحل.
لا عصمة لاجتهاد
وتابع: مع الوقت ، سواء بالنسبة لي أو كثيرين غيري، فإذا كان الإنسان مضى في سبيله وصبر على طريقه، وبحث عن الأفضل، لا أعتقد عصمة لاجتهادي أو رأيي، وإنما أعتقد أن هناك ما هو أفضل، فأستفيد من الآخرين، وأستفيد من باب أولى من تجربتي الخاصة.
وأوضح الشيخ سلمان : لقد كانت في مرحلة من المراحل، فربما يستيقظ ما يسمى بـ"الضمير الجمعي" على نفسه، في بعض الأحيان، بطريقة مفاجأة في ظل أزمات معينة ،ويتحدث بطريقة أو بأخرى.
تساهل في الفتاوى
وتعقيبا على مداخلة ، تقول إن هناك بعض الفتاوى التي تساير أهواء الناس أو انطباعهم ورغباتهم ، قال الشيخ سلمان : الحقيقة هذا صحيح ؛ لأن الفتوى لا ينبغي أن تساير أهواء الناس لا بقصد التيسير ، ولا بقصد التشديد أيضًا؛ لأن من الناس مَنْ يميلون إلى التشديد.
وعلى سبيل المثال فإن المجتمع السعودي مثلًا ما شاء الله مجتمع متشبع بالجوانب الفقهية والعلمية ، ولذلك قد يكون الجانب الأخذ بالأشد والأحوط هو الغالب، بينما هناك مجتمعات أخرى على العكس، ربما الأخذ بالأسهل والأخذ بالأيسر هو الغالب، وربما يتعدى الأمر إلى نوع من التفريط والتساهل؛ ولذلك على الفقيه أن يحرص على- لا أقول التجرّد لأن هذا مستحيل - ولكن التخفف من ضغوط المجتمع بقدر المستطاع، والاستجابة لقناعته ما بينه وبين الله -سبحانه وتعالى- في فَهْمِ النص، وفي قراءة الواقع أيضًا وما يتطلبه.
لا يستطيع الصوم ؟!!
وردا على سؤال من مشارك بالبرنامج ، يقول إن والده عمره ثلاث وثمانون سنة، لم يصم إلا يومين بسبب المرض، قال الشيخ سلمان : هذا يصدق فيه قول الله -سبحانه وتعالى- (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية184) ، كما أن ابن عباس -رضي الله عنه- ذكر -كما في صحيح البخاري -أن هذه الرخصة للشيخ الكبير الفاني إذا لم يستطع أن يصوم، فيطعم.. فإذا كان والدك بعقله فإنكم تطعمون عن كل يوم مسكينًا.
صلاة الغائب ؟؟
وردًّا على سؤال حول حكم صلاة الغائب على من تُوُفِّيَ في بلد بعيد؟ قال الشيخ سلمان : هو ما دام صُلِّيَ عليه هناك فخير وبركة، وصلاة الغائب هي في حقيقتها دعاء ، فصلاة الميت هي في حقيقتها دعاء أيضا، ومن أهل العلم والفقه من يرى أنه لا بأس أن يُصَلِّي عليه صلاة الغائب إذا تعذّر عليه الذهاب إلى هناك والصلاة، وهذا أحد ثلاثة أقوال في المسألة ، والأمر واسع إن شاء الله.
قمار على الإنترنت ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة من أحد المشاركين في البرنامج ، تقول : إن هناك لعبةً شبيهةً بلعبة القمار على الإنترنت ، قال الشيخ سلمان : هناك كثير من الألعاب في الإنترنت ، ولكن ينبغي اليقظة إليها، فهناك لعبة تتعلق بتدمير المساجد، فلا يحصل اللاعب على الفوز إلا إذا قام بتدمير عدد من المساجد، وهذه وُجِدَتْ في أسواق الخليج، وهناك مناشدة لمحاربتها وقَمْعِهَا والقضاء عليها، وهناك ألعاب أيضًا كثيرة تحتاج إلى مراجعة، لكن الألعاب إذا لم يكن فيها مال، وإنما هي مجرد أرقام أو نقاط فقط، وأيضًا لم يترتب عليها إضاعة وقت، ولا إضاعة صلوات، فأرجو أنه لا حرج فيها.
وقفة قرآنية
ثم انتقل الشيخ سلمان، إلى وقفة قرآنية مع قوله تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ )(يوسف: من الآية24) ، مما يشير إلى يقظة الضمير ، فهمُّ يوسف عليه السلام وهمّها معروف، وهو أنه مال إليها ومالت إليه، لكنّ يقظةً جعلته يبتعد ، وهذا دليل على أن الضمير يمكن أن يراقب الضمير أيضًا .
-----------------
للاستماع إلى حلقة الضمير