أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أن عباد الله الأبرار أَبْعَدُ ما يكونون عن غرور التدين الذي قد يجعل الإنسان يشعر بالتفوق على الآخرين ، مُشِيرًا إلى أن الأعمال بحقائقها ومقاصدها ، لا بظواهرها .
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة الأربعاء من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "البر" ـ: إن الأبرار أبعد ما يكونون عن هذا الغرور ، يقول تعالى: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، ولكن البر مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى)(البقرة: من الآية177) ، فهم يعالجون حب المال ولكنهم يعطونه (ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)(البقرة: من الآية177) ، وهذا نوع من الإحسان الواضح الذي يسمى بالبر .
وأضاف فضيلته: ومن هنا يأتي الخروج عن التدين المزيّف الذي يكتفي بالمظهر أو الشكل ، حتى فيما هو مشروعٌ من إعفاء اللحية وتقصير الثوب ، والسجود لله -سبحانه وتعالى- ، لافتا إلى أن المقصد الأعظم من هذه المعاني هو ما ينعكس على القلب .
موهبة الصبر ؟!!
وتابع الدكتور العودة: ثم يقول الله تعالى: (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)(البقرة: من الآية177) ، وهذا نَوْعٌ من الصبر الذي يحتاج الإنسان إليه بشكل كبير، والذي بدونه لا يمكن أن يتحقق الإنسان حقيقة البر، ولا أن يحصل الإنسان على النجاح.
وأردف فضيلته : أن الصبر معنى عظيم جِدًّا ، فعلى الإنسان أن يتحلى بالصبر فيما يتعلق بالنجاح الدنيوي ، وفيما يتعلق بالعبادة وملاحظة آثارها على النفس والبحث عن مزيد من الترقّي ، كما أن الصبر يكون فيما يتعلق بالاكتشاف والاختراع ، فربما يكون إنسان على مقربة من النجاح، ولكنّ العجلة تَحْرِمُه من ذلك .
فليس نجاح الذين نجحوا لا في المال ولا في العلم ولا حتى في التديّن ، وإنما هو بسبب أن عندهم مزيدًا من المواهب ليست عند غيرهم، اللهم إلا موهبة واحدة هي "موهبة الصبر" ، فإذا وُجد عند الإنسان موهبة الصبر استطاع بها أن يتغلب على كثير من العقبات ؛ ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35) .
صفات الأبرار
وذكر الشيخ سلمان أنّ من صفاتِ الأبرار أنهم يَجمعون بين الإحسان في الطاعة والإحسان في نفع الناس، وجَمْعَهُم بين الدافع الإنساني والدافع الإيماني، فبعض الناس قد يُحْسِنُون إلى الناس بدافع الشفقة على الآخرين فقط، لكنَّ الأبرار أضافوا إليه الدافع الإيماني، كما قال ربنا جلَّ عُلاه: "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ".
وأضاف فضيلته: إن الناس يقولون: "اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليهِ"، وهذا معنى صحيح، لكنْ ليس اتقاء شره بالبعد عنه، ولكن بمزيدٍ من الإحسان إليه، وليس بأن نترك الإحسان، ولم يكن إحسان الصحابة من أجل مقصدٍ آخر، حتى إنهم كانوا يُحسنون للحيوان وللطَّيْرِ، بل حتى لعَدُوِّهم يحسنون كما في الآية: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا"، قال ابن عباس والحسن وسعيد: لم يكن أسيرٌ يومئذ إلا المشركون، ومع ذلك كانوا يحسنون إليهم.
مواضع البر
وأوضح الشيخ سلمان أن هناك ثلاثة مواضع أساسية في القرآن الكريم تتعلق بـ" البر" ، هي :
الموضع الأول: في سورة البقرة ، يقول الله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)(البقرة: من الآية177) وهذا مرتبط بتحويل القبلة من المسجد الأقصى ، إلى الكعبة؛ حيث شمت اليهود بالمسلمين، وبدءوا يعيرونهم ويتهمونهم بأن دينهم يتغير ويتنقل، فقال الله -سبحانه وتعالى-: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أي أن الكعبة والقبلة إنما هي وسيلةٌ في العبادة، وليست غايةً أو مقصداً .
فالله عز وجل جعل الكعبة قيامًا للناس؛ لإقامة ذكر الله -عز وجل- كما في قول عائشة -رضي الله تعالى عنها- وأرضاها- ، فالإنسان قد ينسى القِبْلَة فيعفى عنه، كما أنه يمكن أن يجهلها، أو يكون عاجزًا عن الاستقبال ، أو مسافراً يتنفّل على راحلته، أو ما أشبه ذلك ، فيُعْفَى من استقبال القبلة ، فالهدف والمقصد هو ذات العبادة .
وأضاف فضيلته : ثم يقول الله -سبحانه وتعالى- (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)(البقرة: من الآية189) ، حيث كان بعضهم يعتقد أن من البر أنه إذا جاء من الحج لا يدخل البيت من بابه، وإنما يدخل من خلفه ، وكذلك ذكر الله -سبحانه وتعالى- (سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وأنها ليست (كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية19) وهو إشارة إلى معنى عظيم؛ أن الأعمال هي بحقائقها ومقاصدها .
خوف وحب ورجاء
الموضع الثاني : في سورة الإنسان : يقول تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً) (الإنسان:5)، ويذكر صفة الأبرار : (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) (الإنسان:7) ، وهذا يدل على أن الإيمان عندهم تحوّل إلى مشاعر خوف وحب ورجاء . وكذلك قوله: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ )(الإنسان: من الآية9) ، فنجد هنا الدافع الإيماني في الإطعام لوجه الله، فضلاً عن الدافع الإنساني إلى آخر الآيات .
الموضع الثالث : سورة المطففين ، فالله تعالى عتب على المطففين الذين يكيلون بمكيالين، واحد لهم وآخر للناس، ثم يقول: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (المطففين:4) ، في إشارة إلى غياب الدافع الإيماني، والذي بغيابه يصبح الإنسان منطلقًا يعمل ما يشاء ؛ ولهذا قال: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)، ولهذا كان الحسن البصري يقول في صفة الأبرار: إنهم الذين لا يؤذون الذرّ -، فلا شك أن الذي لا يؤذي الذر لن يؤذي الزوجة ، ولا الجار ، ولا غيره من الناس .
بر الأبناء بالآباء
وفيما يتعلق بِبِرِّ الآباء والأبناء والعلاقة بينهما، أيهما الْمُقَدَّم وأيهما النتيجة ؟ قال الشيخ سلمان : يقول الله -سبحانه وتعالى- (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا)(الإسراء: من الآية23) ، فالأم التي مات زوجها وصبرت على أولادها صبراً طويلاً حتى وصلوا إلى ذلك المستوى تستحق الإشادة والثناء ، كما أن الأب الذي قضى عمره وحياته من أجل تربية أبنائه وتعليمهم يستحق أيضًا الإشادة والثناء ، ومن هنا يقول الله عز وجل: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)(الإسراء: من الآية23) .
وضرب فضيلته أمثلةً لبر وطاعة الآباء، خاصةً عند كبرهم في السن ، قائلا: إن حيوة بن شريح كانت أمه تجره من المجلس وتقول : " قم اعلف الدجاج! فكان يقوم بكل أريحية ويعمل هذا العمل دون حرج ، كذلك الأب الذي كان في الحديقة وقام باختبار ولده ، وقال له ما هذا ؟ قال عصفور مرة ثانية ثالثة رابعة ، وفي الأخير تذمّر الولد وقال: قلت لك ألف مرة..! فقام الأب وأحضر دفتراً وقال للولد إنه عندما كان ابني عمره خمس سنوات ، و أربع سنوات سألني إحدى وعشرين مرة ما هذا ؟ فأقول له عصفور وفي المرة الواحد والعشرين كان يقولها له بنفس الروح التي قالها في المرة الأولى .
حق الأبناء على الآباء ؟!!
وأكد الشيخ سلمان أن هناك علاقةً بين البر وبين قدرة الآباء على أداء حقوق أبنائهم، يقول الله -سبحانه وتعالى- ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء: من الآية24) فلم يقل : (كما رمياني صغيراً) ، وإنما هما ربياه ، مشيرا إلى أن من حقوق الأبناء على الآباء تربيتهم، وتعليمهم، واختيار الاسم الجميل لهم ، والقدوة الحسنة ، والبيئة المناسبة ، والعدل بينهم، وعدم تفضيل بعضهم على بعض لا في العطاء ، وحتى النظر ، و الكلام ، والدعابة ، العاطفة التي يوجهها إليهم؛ حيث ينبغي أن يحرص الأب على أن يكون مثل القاضي بين أولاده، فكثيرٌ من الأولاد والبنات يشتكون كثيراً من هذا الجانب الذي يحتاج إلى توجيه، ورحم الله والداً أو والدةً أعانت على برها .
البر..نمط حياة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: لكي نستطيع أن نبر بالدين الإسلامي الأولى لنا أن لا نحصر مفهوم البر في التصرفات الدينية، ولكن يجب أن نطوّر هذا الأسلوب إلى نمط حياة ، قال الشيخ سلمان : هذا صحيح ، ولاشك أن الأب الواعي لا يتحول البر عنده إلى سطوة أو سيطرة، أو مطالبات للأبناء أو عتب عليهم أو كما يقال : "شرهات" ، مشيرا إلى أن مختلف العلاقات ، سواء علاقة الحاكم بالمحكوم ، أو علاقة الزوج بالزوجة ، أو علاقة الابن بالأب والعكس ، أصبحت كلها متأثرة بالمتغيرات العصرية وأوضاع المجتمعات الأخرى .
وأضاف فضيلته: إن الأب الحصيف هو الذي يصبر على الأولاد ، ويتحمّل بعض نزق المراهقة أو الاندفاع ، ويربيهم ، ويعلمهم ، ويتذكر كيف كان حينما كان في مثل تلك المرحلة .
معنى إنساني
وتعقيبًا على مداخلة ، تقول : إن البر بمعناه الحضاري ، هو معنى إنساني عميق يجب أن يكون حاضراً في أذهاننا ، قال الشيخ سلمان : إن هذه هي فاعلية الإيمان ، وفاعلية الروح ، فنحن عندما نتحدث عن البر ، لابد أن نشير إلى ضرورة تحويل الإيمان إلى عمل، وأن يكون حافزاً لعمل الخير ، أو رادعاً عن عمل الشر ، كذلك لا بد أن يكون التنافس في الخير كما قال الله -سبحانه وتعالى- (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(المطففين: من الآية26) ، فدخولك في حلبة المنافسة هذا بحد ذاته معنًى كبير وعظيم جداً .
وأضاف فضيلته: إن الإنسان مَنْ يسأل نفسه أحياناً في المدرسة: هل كان من الأوائل ، أو في التجارة: هل هو من التجار ؟ مثلاً ، أو في أي عمل من الأعمال، فلابد أن يسأل نفسه في هذا الشهر الكريم: أين أنا ؟ هل أنا من الأبرار؟ هل أحاول أن أكون منهم ؟ هل أحاول أن أتشبّه بصفاتهم كما قال : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) (الإنسان: من الآية8)؟ فعلى الإنسان أن يتصدق مما يحب ، كما تصدق بعض السلف بالسُّكَّر، قال: لأنني أحبه ، كما أن أبا طلحة -رضي الله عنه- تصدّق بماله :
فَتَشَبَّهوا إِن لَم تَكونوا مِثلَهُم إِنَّ التَشَبُّهَ بِالكِرامِ فلاحُ
الفنانون وموائد الرحمن
وتعقيبًا على تقرير البرنامج الذي عرض لانتشار موائد الرحمن التي يقيمها الفنانون في شهر رمضان، وهل هي للشهرة أو بحثٌ عن الثواب؟ قال الشيخ سلمان: إنه ليس شرطًا أن تكون أموال الفنانين كلها حرامًا، فقد يكون الإنسان عنده ربًا، وعنده مال حلال، أو مصدر مُشْتَبِه وآخر صريح وواضح، أو عنده مال من أي مصدر من ميراث أو نشاط حلال، لافتًا إلى أن الأصل هو جواز التعاطي مع مثل هذه الأشياء، مشيرًا إلى أنه لا بأس من إقامة الفنانين لموائد الإفطار في رمضان.
وأوضح فضيلته أن مهمة الدعاة الصادقين أن يشجِّعوا الناس ويفتحوا لهم الأبواب، بدلًا من طَمْسِ هذه المعالم أو قتلها، أو محاولة تدمير هؤلاء الناس، مؤكّدًا أن هذا المعنى لا بُدَّ أن نحرص عليه ، لاسيما وأن فعل البرّ يزيد في حياة الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يُروى عنه : "لا يزيد في العمر إلا البرّ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء، وإن العبد ليُحرَم الرزقَ بالذنب يصيبه".
وأشار فضيلته إلى أنَّ كثيرًا من الناس تجدهم على الرغم من أنهم كثيرو الخطأ في حياتهم، لكن بَذْرَةَ الخير في قلوبهم وفي إيمانهم، فقد تجد أحدهم يقع في أخطاء، ولكنه مع ذلك لا تفوته الصلاة، فهذا دليل على أن هناك خيرًا وإيمانًا في قلبه، ولكن هذا الإيمان بحاجة إلى تنشيط، وتلك وظيفة الدعاة.
عباس عبد النور ؟!!
وردًّا على من يسأل عن رأي فضيلته حول كتاب (معاناتي مع القرآن!!) لكاتب يدعى عباس عبد النور ، قال الشيخ سلمان : لقد بحثت عن الكتاب في مواقع الإنترنت فوجدت حفاوة في المواقع المسيحية برجل مسنٍّ درس في أصول الدين ثم لم يفلح، ثم درس في السوربون !
وأضاف فضيلته : وجدت الكتاب يتكلَّم عن القرآن بحديث غير مؤدب، فيقول: إن القرآن بعيدٌ عن البلاغة، وبعيدٌ عن اللغة العربية وفيه ركاكة، وهذا ذكَّرني بابن الراوندي الملحد عندما قال مثل هذا الكلام، فقال له ابن فارس:
لَا بَاسَ ولا تاسْ
وإذا نَجَّى اللهُ الناسْ
فلا نَجَّى هَذا الراسْ
تنكرُ أن يكون محمد رسولا نبيًّا .. أفتنكر أن يكون فصيحا عربيًّا؟!
وأوضح الشيخ سلمان أن العرب أنفسهم الذين بَعِثَ فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجرُءوا أن يقولوا هذا المعنى؛ لأنهم فصحاء، ويعلمون أن هذا الكلام في غاية الفصاحة والجزالة والقوة، ولكن كما قيل:
إذا ساء فعل المرء ساءتْ ظنونُه وصَدَّقَ ما يعتادُه مَن تَوَهُّمِ!!
وأردف فضيلته : أن الإنسان إذا فسد ذوقه لم يستطيع أن يعرف مثل هذه المعاني الجميلة، لافتًا إلى أن الكاتب يتكلم عن عدم فاعلية الله في القرآن، تعالى الله عما يقول عُلُوًّا كبيرًا!
وسبحان الله! هذا يذكِّرني بكتاب قرأته لعالم أمريكي كبير عنوانه "شمولية القرآن"، حيث يؤكد أن من أعظم الإعجاز الذي لفت نظره وإعجابه بالقرآن الكريم هذه الشمولية في مفهوم العبادة التي هي عند المسلمين من بديهيات العقيدة، وفي كثير من بلاد الغرب يعجِزُون عن فهمها واستيعابها، كما أنهم يعجزون أمام قدرة الإيمان والإسلام والقرآن على استيعاب أمر الدنيا والآخرة، والجوانب العقلية والسلوكية والتعبدية من طاعة الله والإحسان إليه.
التردُّدُ في الدعاء
ثم انتقل الشيخ سلمان إلى الحديث عن التردد في الدعاء ، مشيرا إلى أنه سمع قبل أيام داعيًا يتردَّد كثيرًا في أن ينقذ الله عباده وخلقه من إنفلونزا الخنازير، وبدا وكأنه يتردَّد في الدعاء للناس عامّة، مع أنه من المعروف أن هذه الأوبئة إذا انتشرت عند قوم لا يُؤْمَنُ أن تنتقل إلى غيرهم.
وأوضح فضيلته أن من الحكمة والحصافة أن يدعو المسلم رَبَّهُ برفع الوباء عن الناس أجمعين دون تردُّد، ما عدا أولئك الذين يُعْلِنُون الحرب علينا، فسواهم ليس لدينا معهم مشكلة.
القصر في السفر ؟!!
ورَدًّا على سؤال حول حكم الجمع والقصر لمن يدرس خارج بلاده منذ سنتين ونصف أو ثلاث؟ قال الشيخ سلمان : إن المسافر إذا كان سفره طويلاً لثلاث سنوات ، فإن جمهور أهل العلم على أنه في حكم المقيم ، وهناك قول آخر لابن تيمية وابن القيم واختاره شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- أن هؤلاء مسافرون، لهم الجمع ولهم القصر؛ لأنهم في حكم المسافر .
وأضاف فضيلته : والذي أراه أن الإنسان يأخذ برأي الجمهور في عدم القصر وكذلك عدم الفطر ، أما بالنسبة للجمع فهو واسِعٌ للحاجة ، حيث يجمع الإنسان بين الصلاتين، إلا أن يكون الإنسان عنده ضرورة، فيأخذ بالقول الآخر باعتبار أنه اجتهاد لبعض أهل العلم .
لحوم العلماء مسمومة
وردًّا على سؤال حول مدى صحة مقولة أن "لحوم العلماء مسمومة" ،قال الشيخ سلمان: هذا كلام لابن عساكر ، ولكن لحوم المسلمين عموما مسمومة إذا كانوا من الخاصة، ممن تناول أعراضهم له اعتبار، وقد يُسيء ويضر، فهذا ولذلك قال العلماء الذين تكلّموا عن الغيبة في قول الله تعالى : (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)(الحجرات: من الآية12) : إن من الغيبة ما يكون من الكبائر، ومنها ما يكون من الصغائر، وإن كان الأمر متردداً ، فقد تكون الغيبة من الكبائر مثل الذي يغتاب ناسًا لهم فضل ومقام، أو يكون في ذلك نَوْعٌ من البُهْتِ وعدم التثبّت .
وقفة قرآنية
ثم انتقل الشيخ سلمان إلى وقفة قرآنية مع قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، مشيرا إلى أن طفلا صغيرا سأل فضيلته : هل القرآن الموجود في العالم كله واحد ؟ ، قال الدكتور العودة : إن المصحف الموجود الآن عند العالم كُلِّهِ في الشرق والغرب هو مُصْحَفٌ واحد ، وكذلك المخطوطات التي نتحدث عنها كلها لمصحف واحد، لا زيادة فيه ولا نقص ، وذلك يرجع إلى الجهد العظيم الذي قام به أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه، وأثابه الجنة -على جمع الناس على المصحف، وإحراق ما سوى ذلك من النسخ التي لا تخضع للدراسة أو للعمل المؤسسي الجماعي.
وأضاف فضيلته: إن هناك إجماعًا إسلاميًّا رائعًا عبر العصور كلها، وعبر البلاد كلها، فالمصحف الذي في الرياض والذي في مُرَّاكُش والذي في أوربا والذي حتى في طهران، هو في حقيقته مصحف واحد، بإجماع قَطْعِيٍّ على هذا المعنى .
ولفت الشيخ سلمان إلى أن هذا مظهر لحفظ القرآن، كما أن هذا أكبر حجر يُلْقَمُه كُلُّ من يمكن أن يُشكك في عملية جمع المصحف، وأن هذا العمل يدل على أن ما قام به الصحابة -رضي الله عنهم- كان توجيهاً ربانيًّا مصداقه هذه الآية الكريمة التي وعد الله تعالى فيها بحفظ الذكر .
انقطاع كهربائي
يُذكر أن حلقة الأمس، لم يبثَّ منها سوى 28 دقيقة، وذلك بسبب انقطاع التيار الكهربائي، والذي تسبَّب أيضًا في تأجيل بثِّ الحلقة الأولى من البرنامج إلى اليوم الثاني في رمضان. لكن الحلقة كاملة تبثُّ في موعد الإعادة على قناة دليل الساعة 4.30 صباحًا و12 ظهرًا، وعلى قناة إم بي سي الساعة 5.15 فجرًا.
وتعقيبًا على حادث انقطاع الكهرباء قال الشيخ سلمان: إن أحدًا من أهله رأى رؤيا، فيها أنه – أي الشيخ- يحمل أوراقا فيها خَرْقٌ، ولعل ما حدث تأويلٌ لهذه الرؤيا، والحمد لله على كل حال.