|
- الإعلام يتجاوز كثيراً ويحتاج إلى من يرده إلى جادة
- قال إنه لا يوجد في العالم كله حرية ليس لها ضوابط
- القمع قد يقتل الإبداع وأحيانا يولّده
- التلفيق بين الليبراليين والإسلاميين
أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أنه لا يوجد في العالم كله حرية ليس لها ضوابط، مشيرًاً إلى أن الإبداع إذا تجرد من الضوابط يتحول إلى سلاح لتدمير البشر، و أن الإبداع يجب أن يلتزم بالثوابت الدينية والضروريات الشرعية .
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "الإبداع" ـ إن الإبداع إذا تجرد من الضوابط، ينطلق من عقاله، ويتحول إلى أسلحة نووية لتدمير البشر.
دائرة متسعة
وأضاف فضيلته أن الإبداع في هذه الحالة قد يأخذ أشكالاً متعددة ومختلفة، فتجد القصيدة تثير تهييجاً قبلياً وعنصرياً، كما نجده في بعض الشعر الشعبي، أو يتحول إلى تهييج للمعاني الطائفية داخل المجتمع، أو إلى شعر ربما يشبب بإغراء المرأة وفتنتها وإثارتها حتى أني أذكر شاعر -رحمة الله عليه- وهو رجل ليس من السيئين لكنه أيضاً يقول في قصيدة :
لما تعرّت وأبدت عن مفاتنها *** أيقنت أن جمال الحسن في العار
أو نحات يقوم برسم التماثيل التي تمثل العري والإثارة والفتنة، أو يكون ذلك من خلال ألوان من المعاني الرسوم التشكيلية أو غيرها .
وأوضح فضيلته ـ تعقيباً على مداخلة تقول إن هناك رسومات معينة تقف عند حاجز الحرام الذي ربما يكون، كما يقول الفنانون التشكيليون، أكبر مما يمكن تصوره ـ أن دائرة الحلال واسعة جداً، فنحن لا نتحدث عن آراء الناس الخاصة أو عن ذوق المجتمع، لكننا نتحدث عن القيم الدينية وعن المسلمات والثوابت والضروريات الشرعية، وأن هذه يجب أن تكون محل اتفاق في كل صور الإبداع.
أولاً :الضوابط الشرعية:
حيث يجب أن ندرك أنه لا يوجد في العالم كله حرية ليس لها ضوابط، فالحرية المطلقة لا وجود لها إلا في الأذهان، ولكن لا وجود لها في الأعيان، كما أن هناك الضوابط الشرعية التي يجب مراعاتها، من تعظيم جانب الإلوهية والديانة وما يتعلق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضايا الدينية، والرسل، والأنبياء بل والمقدسات، وتبعاً لذلك مثل مسألة الصحابة أو الكعبة أو ما أشبه ذلك مما هي مقدسات دينية بالإجماع والاتفاق والإطباق، فهذا سقف يجب عدم تجاوزه أو تعدّيه بحال من الأحوال (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، فهذا جانب مهم جداً في موضوع الضوابط .
ثانيا : الضوابط الاجتماعية :
فما من مجتمع إلا وله قدر من الانضباط، كما أن الحرية الاجتماعية مطلب، وبسبب الحرية الاجتماعية قامت المجتمعات الشرقية والغربية واستطاعت أن تتغلب على المشكلات، لكن لو نظرنا إلى الحرية الفردية لوجدنا أن الحرية الفردية في كثير من الأحيان هي سبب في الشقاق داخل المجتمع الواحد، إذا كان كل فرد سوف يستبد بحريته ولا يعبأ بحقوق الآخرين .
وضرب فضيلته مثالا ذلك بـ: كتاب "شفرة دافنشي" الرواية المشهورة "دان براون"، مشيراً إلى أن هذا الكتاب ممنوع توزيعه في لبنان، بلد الحرية على صعيد العالم العربي، لماذا ؟ لأنه يُشكك في بعض قضايا المسيحية وبعض عقائدها، ومعروف الكتاب والاتجاه والنحو الذي ينحو إليه.
وأكد الدكتور العودة أنه لا يوجد مجتمع في العالم إلا وعنده قدر من الضوابط يلتزم بها، لكن الإسلام بينه وبين نفسه لم يُنقّب أحد عن قلبه ولن يشق عن بطنه ولن يتجسس عليه، ماذا يصنع الإنسان في بيته، أو إنسان يكتب بطريقة رمزية غير واضحة أو يكتب بغير اسمه أو أمر يُديره بداخل ذاته هذا لا رقابة لأحد عليه إلا لله سبحانه وتعالى .
الإعلام يتجاوز
وتعقيباً على مداخلة، تقول : إن الإعلاميين يقفون أحياناً مشدوهين أمام فتاوى كبيرة توصد عليهم كثيراً من أبواب المسموح وتجعل الكثير من أبواب الإبداع مغلقة أمامهم، قال الشيخ سلمان : إن الإعلام يعتمد على ما يسمى بـ"البرمجة"، فكثير من وسائل الإعلام تبرمج أو تنمّط الناس حتى يبدون كأنهم لون واحد أو شكل واحد، بينما التنوع قد يكون مطلباً للإبداع وهو ضروري من ضروريات الحياة .
وأضاف فضيلته : أعتقد أن الإعلام يتجاوز كثيراً ويحتاج إلى من يرده إلى جادة الصواب، وفي الوقت ذاته هناك قدر من مساحة المباح أو حتى المكروه الذي تصبح الحاجة داعية إليه في ظل الزحام الإعلامي الدولي، والذي لم يتم توظيفه بشكل جيد.
وأوضح الدكتور العودة أن المشكلة تتمثل في أن الإعلام الآن مفتوح، فهو من النقيض إلى النقيض، فهناك من لا يوجد عنده ضوابط أصلاً في الإعلام، وهناك من قد يلتزم بضوابط أكثر مما هو مطلوب، بينما دائرة الوسط التي فيها جانب التزام قيمي وإعلام منضبط وهادف وهو أيضاً يوظّف آلية الإعلام ويشتغل بمهنية عالية هذه تحتاج إلى تنشيط .
مفهوم الإبداع
وفيما يتعلق بمفهوم الإبداع، قال الشيخ سلمان : إن الإبداع هو القدرة على توليد أو قراءة الأفكار الجديدة، وهذه القدرة يمكن أن نُعبّر عنها أنها مرونة، كما أن هناك توليد الأفكار الذي هو طاقة خاصة، وهناك الأفكار الجديدة التي تتميز بأنها غير مسبوقة مما يدل على أصالة هذه الأفكار .
وأضاف فضيلته أن الإبداع قد يكون ضم فكرة إلى فكرة أو إدخال تخصص في تخصص آخر، أو تفكير بطريقة مختلفة أو كما يسمونه أحياناً التفكير بالمقلوب، مثلاً يقول بدلاً من أن تذهب إلى الجامعة دع الجامعة كلها تأتي إليك، ومن هنا نشأت فكرة التعليم عن بُعد مثلاً .
نيوتن..والخليل بن أحمد
وضرب فضيلته أمثلة للإبداع والمبدعين، قائلاً: أننا لو تأملنا كم تفاحة تسقط في اللحظة في العالم كله وعبر العصور، لوجدنا كماً هائلاً لكن عدسة نيوتن هي التي استطاعت أن تلتقط تفاحة تسقط لتستخرج منها بنظرتها المختلفة إبداعاً يتمثل في ما يسمى بنظرية الجاذبية أو قانون الجاذبية.
كما أننا لو نظرنا كم يوجد عندنا من ديوان شعري عربي وكم من الرواة رددوا هذه الألفاظ، لكن أذن الخليل بن أحمد هي الوحيدة التي استطاعت أن تلتقط المعنى، وتبتكر أو تكتشف ما سمي بـ"البحور الشعرية"، والذي تحوّل إلى علم خاص عن العرب، مما يوحي بأن الخليل كان مبدعاً ولا أدل على ذلك من إبداعه أيضاً لجانب آخر ما يتعلق بالمعاجم، فهو صاحب أول معجم عند العرب وهو "كتاب العين".
كلنا مبدعون ؟!!
وردا على سؤال، يقول : هل الإبداع هو خاصية لأفراد معينة أم يأتي بالمثابرة ؟، قال الشيخ سلمان: إن كل شخص يجب أن يكون عنده قدر من الإبداع، وكما يقول النبي r أن كل إنسان له مقعد في الجنة لو أطاع الله I ، فإذا عصى الله ورث المؤمنون مقعده، وهذا من معاني قوله I : (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)(التغابن: من الآية9)، فكذلك الأمر فإن كل إنسان له مقعد نجاح في الدنيا إذا قعد عنه ربما أفضى إلى غيره، فكان أنشتاين يقول : " إن العبقرية واحد بالمائة والمثابرة تُشكّل تسعة وتسعين بالمائة ".
وأشار فضيلته أن علة ذلك فإن كل الأفراد عندهم إبداع، لافتاً إلى أن هذا من شأنه أن يُحفّز الناس على محاولة البحث عن الإبداع الموجود عندهم وإدراك أن عناصر العملية الإبداعية تتمثل في:
1 ـ الشخص المبدع .
2 ـ المحاولة الإبداعية: من خلال معرفة الواقع و الارتباطات والظروف والأحوال.
3 ـ المنتج : الذي تفرزه هذه المحاولة سواء كان هذا المنتج كتاباً أو نصاً أو تقنية .
4 ـ البيئة : التي تحضن هذا الإبداع وتتقبله مثلما يروى عن الخليل بن أحمد أيضاً أن ولده دخل عليه وهو يُردد ويهزج ويتكلّم بالشعر، فكأنه ظن بأبيه نوعاً من الخبل، فقال له الخليل أبياته المشهورة :
لَو كُنتَ تَعلَمُ ما أَقولُ عَذَرتَني *** أَو كُنتَ تَعلَمُ ما تَقولُ عَذَلتُكا
لِكِن جَهِلتَ مَقالَتي فَعَذَلتَني *** وَعَلِمتُ أَنَّكَ جاهِلٌ فَعَذَرتُكا
صعوبة وتنوع
وأوضح الدكتور العودة أن الإبداع يمكن أن يكون هو البحث عن الرقم الصعب حتى لو كان في منطقة مظلمة أو معتمة، وليس البحث عن الشيء السهل الميسور، فالكثير من الناس مولعون بالشيء الميسور عندهم.
وأكد الشيخ سلمان أن عملية الإبداع هي عملية متنوعة في الحياة كلها كتنوع الحياة ذاتها، فقد يكون الإبداع إبداعاً لغوياً، أو نصاً شعرياً، أو فنياً، أو روائياً، كما قد يكون الإبداع تقنية، أو صناعة، أو حلاً لمشكلة قائمة .. فهو متنوع كتنوع الحياة، مشيراً إلى أننا عندما نتحدث عن الإبداع علينا ألا نتخيّل شيئاً ضخمًاً أو هائلاً، ففكرة القلم الرصاص إبداع، وفكرة الممحاة هي إبداع، ووجود قلم رصاص في نهايته ممحاة هذا إبداع وكان له دوي.
التحدي شعار
وفيما يتعلق بأن عنوان الإبداع الأساسي هو "التحدي" ، قال الشيخ سلمان: نعم هو لا شك تحدٍ أمام مشكلة معينة، فقد يكون تحدياً علمياً، مشيراً إلى أن هناك إحدى القصص والتي يمكن أن تكون رمزاً للإبداع ، وتستحق الوقوق كثيراً عندها،وهي :
أن عمر t كان يقول : مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى شَىْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلاَلَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِى فِى شَىْءٍ مَا أَغْلَظَ لِى فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى فَقَالَ « يَا عُمَرُ أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِى فِى آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ». وَإِنِّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ .
فهذا نوع من التحدّي عند عمر t ، فهذا التحدّي العقلي أمام هذه المشكلة يجعله يُفكر في حلها، كما أن الخليل ضربه الجدار ومات وهو كان يُفكر في حساب تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها.
سلالة الإبداع
وتعقيبا على مداخلة، تقول : إن هناك من يرى أنه يوجد انتقائية أعراق، وأن شعوباً معينة اختصت بتوارث سلالة الإبداع، دون شعوب أخرى، قال الشيخ سلمان: هذه مصيبة، فالشعوب كلها واحد من حيث الجينات الموروثة، و الكينونة العقلية، والخلقية الأصلية، فالناس كلهم سواء :
وأضاف فضيلته أن المؤثر الوحيد هو ما يمكن أن نسميه بـ"المناخ الثقافي" أو البيئة الثقافية التي تجعل الناس مبدعين هنا وتغير مبدعين هناك، مشيراً إلى أنه في أول أيام رمضان عندما انطفأ الكهرباء أرسل له بعض الأخوة طرفة تقول : " إن هناك سؤال سئل وهو ما رأيك في انقطاع التيار الكهربائي ؟ فهذا السؤال وُجّه إلى رجل غربي، فقال لهم : ما معنى انقطاع ؟ ما يعرف انقطاع، وسئل عنه رجل إفريقي، فقال : ما معنى كهرباء ؟، وسئل عنه رجل عربي فقال : ما معنى رأي "ما رأيك؟ ".
الإبداع في القرآن
وفيما يتعلق بذكر "الإبداع" في القرآن الكريم، قال الشيخ سلمان: إن القرآن الكريم نازل من البديع I فمن أسماء الله -عز وجل- (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، كما أن القرآن هو إعجاز، والإعجاز إبداع فالعرب الذين هم أصحاب البلاغة والفصاحة عجزوا على أن يأتوا بمثله .
وأوضح فضيلته أن القرآن الكريم يُحفّز على الإبداع ويحث عليه، فالإيمان بالله I هو من أقوى دوافع الإبداع بل هو أقوى دوافع الإبداع، فعندما نسمع أن: " الإيمان بضع وسبعون شعبة "، فنلاحظ تنوّع هذه الشُعَب في الحياة كلها مما يعني أن هذا سوف يمتد لكل مجالات الحياة وتنوعاتها وأطيافها ، كذلك عندما يقول النبي r : « مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا »، هذا نوع من الإبداع وليس من الابتداع .
التفكر..وكتاب الحكمة ؟!!
وأضاف الشيخ سلمان: كما أن التفكّر في السماوات والأرض وهو أمر قرآني، والنظر (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)، هنا تكرار النظر فيما خلق الله I ، كذلك التسخير، يقول تعالى (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)(لقمان: من الآية20)، فهذا نوع من تسليط العقل البشري على الكون، ليكتشف نواميسه وأسراره ويُبدع فيه .
وذكر الشيخ سلمان: أن القرآن الكريم هو كتاب الحكمة، يقول I في سورة الجمعة : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فهنا القرآن الكريم يُعلّم الناس الحكمة، ومن خلال أيضاً تجارب الأمم والشعوب الأخرى .
الفن..رسالة أخلاقية
وفيما يتعلق بأن البعض يتحدث عن وجود بعض القيود على فن الرواية، أو الشعر الروائي، ثم يقال إنها حالة إبداعية على أنه نمط قيمي معين، قال الشيخ سلمان: إن الفن قيمة جمالية أولاً، كما أنه قيمة أخلاقية أو رسالة أخلاقية، مشيراً إلى أن كثيراً من الذين اشتغلوا بالفن والرواية غلّبوا جانب القيمة الفنية على جانب القيمة الأخلاقية .
وأضاف فضيلته أن كثيراً من أصحاب التوجه والتيار الإسلامي غلّبوا جانب القيمة الأخلاقية على الجانب الفني، ومن هنا حتى الآن يندر أن تجد فناً يصح أن تسميه فناً وهو في الوقت ذاته له هدف وله رسالة وله قيمة، فأصبحت قد تجد فنًاً ولكنه متمرد على القيم وكأنه يصنع قدرًاً من الإثارة وبهذا يفقد جزءاً من تواصله مع المجتمع، لأنه هناك نوع من المواعدة أو الاتفاق ما بين المتلقي وما بين المرسل وهو الكاتب للنص مثلاً أو غيره، حيث يجب أن يكون هناك قدر مشترك لأنهم كلهم ينتمون إلى مجتمع واحد.
خطوط حمراء!!
وتعقيباً على مداخلة، تقول : ليس بالضرورة توخي القيمة واستحضارها بقدر ما أن يكون المطلوب البعد عن الخطوط الحمراء، قال الشيخ سلمان: نعم، فهناك نظرية الفن للفن أو أحياناً الأدب للأدب أو العلم للعلم، أو النظرية الأخرى أن " الفن للحياة "، فهذا وجه وهذا وجه، ولكن المهم ألا يتحوّل الفن أياً كان نوعه إلى تحرّش -إن صح التعبير- بالقيم أو المقدسات أو المبادئ .
وأضاف فضيلته : لقد سمعت ذات مرة شخص يتحدث في إذاعة ويقول : " ليس من حق أحد أن يتكلّم عن المقدسات "، وكأنه يريد ألا يُنتقد أي عمل فني بهذا الاعتبار، فقلت لبعض من حولي : نعم إذا لم يكن من حق أحد أن يتكلّم عن المقدسات فالحرية هي واحدة من المقدسات، وبالتالي ليس من حق أحد أن يتكلّم عنها إذاً.
الخلق والإبداع
وفيما يتعلق بأن البعض يرون أن الإبداع يوصف بالخلْق، قال الشيخ سلمان:إن المبدع يستفيد من أشياء موجودة قائمة يُضيف بعضها إلى بعض أو يُقارن بعضها ببعض، فالروائي مثلاً هو قرأ كتاب الحياة وكتاب المجتمع بشكل جيد فأفرز رواية، وكذا الفنان أو الرسّام هو قرأ كتاب الطبيعة وبالتالي أفرز صورة جميلة ؛ ولذلك فإنني أقول : إن المبدع الخالق هو الله I الذي خلق الأشياء من عدم .
وأضاف فضيلته: ولكن لفظ الخلق هو لفظ مشترك، ففي القرآن الكريم ذكر الله تعالى : (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً)، وقال I : (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) مما يدل على أن هناك خالقين، وكذلك الله -عز وجل- ذكر عن عيسى عليه السلام : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). إذاً هذا اللفظ أحياناً فيه خلق أو فيه إبداع، ما دام أنه فُهم أنه يُقصد أن فيه معنى جميلاً أو إشراقاً أو إبداعاً فلا يظهر لي أن في ذلك إشكالاً لأنه لا يعدو أن يكون نوعاً من المقارنة، حتى أولئك الذين يرسمون الآن ما يسمى بأفلام الكارتون المتحركة تجد أنه استطاع أن يُوظّف الحيوان مع الإنسان مع الشجر أحياناً بحيث يأتي شيء جديد هو إذن هذه البيئة التي نعيشها .
صفات المبدع
ورداً على سؤال حول : ما هي الصفات التي يُفترض أن يتمثّلها المبدع حتى يخلق حالات إبداعية أكثر؟، قال الشيخ سلمان: هناك العديد من الصفات منها :
1 ـ الصبر : فلابد أن يكون المبدع صبوراً ؛ لأن مجتمعاتنا لا تحفل بالإبداع، وربما تكون المعوقات والعقبات كبيرة جداً ؛ ولذلك لابد أن يكون المبدع صبواً.
2 ـ التفاؤل : لابد أن يكون عنده تفاؤل وإيجابية، وأن يسد أذنيه عن كلمات التدمير أو التحطيم التي يمكن أن يسمعها فلا يلتفت إليها هذا معنى مهم .
3 ـ القدرة على تجاوز الروتين 4 ـ المبادرة
5 ـ قدرة المبدع على تصحيح نفسه وعلى المراجعة
6 ـ القدرة على تجاوز السلبيات: فبعض المبدعين يكون عندهم مشكلات نفسية من اضطراب أو حالة من القلق والتوتر تؤثر على وضعه، كما أن بعض المبدعين يكون عنده عجلة، أو غرور، فالغرور كما يقال هو مقبرة المواهب، كما أن بعض المبدعين يكون عنده استسلام .
الكبت..والإبداع
وتعقيباً على مداخلة تقول : إن هنالك من يؤكد أن أكبر عائق من عوائق الإبداع هو الكبت في المجتمعات العربية، قال الشيخ سلمان: هذا كلام سليم ويمكن، حيث يوجد في مجتمعاتنا العربية: الكبت السياسي، الكبت العلمي والفقهي أحياناً، كما أن هناك الكبت الاجتماعي، والكبت حتى الحركي في الدوائر الإسلامية وغير الإسلامية المنظّمة، لافتا إلى أن مشكلة الكبت ليست جديدة، فابن حزم -رحمه الله- عندما أحرقت كتبه كان يقول :
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي *** تضمنه القرطاس بل هو في صدري
كما أن هناك الكبت الأسري، فالأسر التي كثيراً ما تعاتب الصغار وتوبخهم على الخطأ وتتجاهل كثيراً من أسئلة الصغار، وحركة عقولهم وتطلعاتهم، أو الأسر التي تربي الأفراد على مجرد السمع والطاعة والتلقين، هي تعاني من كبت أيضًا . وأوضح فضيلته أنه قد أجريت دراسة بين أسرتين، الأسرة فيها مبدعون موهوبون وأسرة فيها شباب ليسوا كذلك، فوُجد أن هؤلاء المبدعين الموهوبين ليسوا أكثر ذكاءً ولكن المجتمع كان يُشجعهم؛ ولذلك أحياناً أنا أقول لبعض الصغار : "هؤلاء هم أغبياء اليوم مبدعو الأمس"، أي أنهم وُلدوا بإبداع، ولكن الأسرة بكثرة العتب والتوبيخ قهرتهم وحرمتهم من الإبداع .
وأردف الدكتور العودة أن المدرسة التي تعتمد على التلقين، والتي يغيب فيها الهدف، والتحفيز، والتي تعتمد على قدر كبير من الروتينية والوظيفية، لا توفر البيئة المناسبة للإبداع، كذلك فإن الإنسان قد يقضي عمره في تخصص أو اتجاه معين ثم يكتشف في النهاية أن هذا المجال لا يناسبه، وأنه لو تخصص في مجال آخر لأبدع فيه، لافتاً إلى أن المجتمع بمؤسساته وأجهزته أحياناً يكون من أهم معوقات وعوائق الإبداع.
التلفيق بين الليبراليين والإسلاميين
من جانبه أكد عبد الله البريدي ـ أستاذ الإدارة والسلوك التنظيمي المساعد بجامعة القصيم ـ أنه لا سبيل إلى الاستمرار بمنهج التلفيق بين الليبراليين والإسلاميين ، والذي أثبت عدم نجاحه طيلة المائة سنة الماضية ، مشيراً إلى ضرورة أن يكون هناك سبيل جديد نتعاون على تطويره وبنائه منهجياً وإجرائياً.
وقال البريدي في مداخلة مع حلقة أمس السبت من برنامج "حجر الزاوية": إن أي ثقافة لا يمكن أن تُبدع إلا إذا انحازت انحيازاً عقلانياً راشداً في ظل انفتاح عقلاني ممنهج على الثقافات الأخرى ، لافتاً إلى أن الإبداع في غاية الضمور في عالمنا العربي في جميع الميادين سوى في بعض المجالات الأدبية.
أزمة..ونهج جديد
وأضاف البريدي : إننا نعاني من أزمة كبيرة جداً في الإبداع ، مشيراً إلى أن سيادة الفكر الليبرالي من جهة والسلفي من جهة أخرى ، و الشد والجذب الناتج عن ذلك، هو من الأسباب الرئيسة في حدوث هذه الأزمة في مجتمعاتنا العربية ، مؤكداً على ضرورة أن ندفع الثقافة العربية المعاصرة صوب نهج جديد يتعامل مع الإشكالية الكبرى في كيف نتعاطى مع التراث العربي الإسلامي والحضارة الغربية المعاصرة بأدواتها ومنجزاتها.
وأردف قائلاً: إننا على سبيل المثال نجد أن العقل الليبرالي يتسم بشكل عام بضعف واضح في الأطر المعرفية والمنهجية ، فهو لا يعترف أصلاً مثلاً في وجود إشكالية في مصطلح الليبرالية ذاته، وهذا يجعله غير قابل على التعاطي مع هذه الإشكاليات بل غير قادر على التعامل مع استحقاقات في بيئة عربية إسلامية.
المصطلح الغائب!
وتابع البريدي : ولهذا يمكن أن نقول إن هناك أشياء غائبة في المصطلح لأنه وُلد في بيئة ثقافية أخرى، فهناك استحقاقات في البيئة العربية لا يمكن أن يعكسها هذه المصطلح لأننا لم نقم بإبداعه، فهذه الفكرة يعبر عنها الدكتور عبد الوهاب المسير بالمصطلح الغائب أي أن هناك أشياء موجودة في البيئة التي يُستجلب إليها المصطلحات لا تعكسها المصطلحات التي تم استجلابها ..
كما أن الفكر الليبرالي يعاني من انخفاض منسوب الأنفة الثقافية ، فهي منخفضة جداً وبالتالي يتترسون بنحن لسنا مبدعين مما يدفعنا إلى العقل الاستحضاري، واستحضار الأفكار والتطبيقات من الآخرين.
مثالية مفرطة!
وأوضح البريدي أنه وفي المقابل نجد أن العقل السلفي مثالي ، غير أنه مفرط في مثاليته ، حيث يتمركز حول الأخلاق والقيم وهذا شيء جيد لكن الإشكالية أن العقل السلفي لا يؤمن بوجود مبرر للاختلاف والتنوع ، لأنه ،كما يرى العقل السلفي، يجب أن يكون الجميع يدور حول هذه القيم والأخلاق المتفق عليها، مما يشير إلى وجود إشكالية في أصلية العقل السلفي أنه لا يؤمن أصلاً بمبرر للاختلاف والتنوع.
كما أن لديه مجموعة من الأفكار الذهنية التي نسميها في الأدبيات المتخصصة بـ"أقفال الإبداع" ، فهو مثلاً يدور حول إجابات صحيحة يبحث عنها من خلال تطبيقات السلف ، كذلك العقل السلفي لا يستطيع أن يتصف بسمة أساسية للمبدعين وهي الحساسية تجاه المشاكل ، كما أن الواقع يعجز العقل السلفي عن الإحاطة به لأنه لا يعترف بتأكد هذا الواقع ومن ثم يفشل في اكتشاف كثير من المشاكل.
ضمور الإبداع
وتعقيباً على هذه المداخلة ، قال فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أتفق مع الدكتور البريدي فيما يتعلق بـ" ضمور الإبداع" في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، سوى الجوانب الأدبية والتي تعد أفضل من غيرها في هذا الإطار؛ ولذلك عندنا أدباء حصلوا على جائزة نوبل في الآداب.
وأضاف فضيلته: لقد تحدث د. عبدالله البريدي عن وجود أنفة ثقافية وأهمية وجودها، وعلى ضرورة ألا نذوب في المجتمعات أو الثقافات الأخرى ، وأن يكون لنا خصوصيتنا المعرفية والثقافية، كما تحدث عن التيار الليبرالي وأنه مصطلح مزروع ، كما يمكن أن تكون الفكرة ذاتها مزروعة، مما يشير إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية لها تميزها وخصوصيتها، وأن الاستنساخ فيها متعذر.
ما هي السلفية؟
وأردف الشيخ سلمان العودة: إن حديث الدكتور عبد الله عن العقل السلفي وأنه عقل مثالي ومسألة عدم قدرته على استيعاب التنوع ووجود ما يسمى بأقفال الإبداع، والتي وردت في كتابه، سجلت عليها بعض الملاحظات، مشيرا إلى أن عقلية الدكتور البريدي هي أحد الآمال في مزيد من النجاح والتوجيه.
وقال الشيخ سلمان : أعتقد أن هناك مشكلة في تحديد ما هي السلفية ؟ فالسلفية إذا فهمناها بما يعتقده الناس عن أنفسهم فسيكون فيها مثلما ذكره الدكتور البريدي وأكثر ، لكن أحياناً السلفية تطلق ويُقصد بها التديّن ذاته؛ ولذلك كثيراً ما يُطلق هذا اللفظ حتى على أناس ربما ينتمون إلى تيارات عقلانية بعيدة عن السلفية التقليدية -إن صح التعبير-.
الإبداع من رحم المعاناة
وفيما يتعلق بمقولة إن "الإبداع من رحم المعاناة"، قال الشيخ سلمان : نعم هو كذلك، فإذا كان القمع -كما قلنا- يقتل الإبداع، فإنه أحيانا ربما يولّد إبداعاً، فالإنسان مثل أمّنا الأرض، أحياناً إذا ثار البركان على الرغم من صعوبته، إلا أنه في النهاية يرسم ملامح وآثارًا وأشياء جميلة جداً فيما بعد، فكذلك الإنسان، والمبدع أحياناً إذا غضب ربما يكون غضبه سبباً في الإبداع، بل هناك أعمال إبداعية كثيرة جداً كانت نتيجة المعاناة.
وضرب فضيلته مثالا لذلك بـ: شعر السجون، فهناك كتب عن شعر السجون وبشكل أخص المعاناة الفلسطينية، كم تجد فيها من الشعراء والأدباء، أمثال : محمود درويش، عبد الرحمن بارود، وهو شاعر فلسطيني رمزي ومعروف .
وللمرأة زوايا خاصة ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن المرأة أحياناً تُتهم أن لها زوايا خاصة في الإبداع لا تكاد تخرج عن دائرتها، قال الشيخ سلمان : إن الرجل والمرأة في الإبداع لديهما القدرة ذاتها، كما أن العقل البشري لا يختلف كثيراً، لكن ربما تكون المرأة أَقْدَرَ على الإبداع في مجالات اللمسات الجمالية والذوقية، وفي الجوانب الأدبية، حتى في بعض ألوان العلوم مثل التصميم .
وأضاف فضيلته: يوجد أشياء تتميز بها المرأة عن غيرها، في حين أن هناك أشياء تشاطر المرأة فيها الرجل في جوانب الإبداع، لكن ربما يكون إبداع الرجل أكثرَ من إبداع المرأة بكثير، وهذا راجع إلى ظروف اجتماعية لا تسمح للمرأة بأن تؤدي دورها بشكل جيد، كما أنه ربما راجعٌ إلى عدم ثقة المرأة بذاتها، فضلًا عن الثقافة السائدة في نظر المرأة لذاتها، أو في نظر المجتمع إلى المرأة .
وأردف الدكتور العودة : قد يكون لدي اسم فنانة مضطهدة قد تكون رسامة تشكيلية مثلاً، ومع ذلك أهلها لا يسمحون أن توقّع اسمها، ونحن نذكر عائشة عبد الرحمن وكيف كانت بنت الشاطئ لفترة طويلة، ونذكر الكثير من النساء اللاتي كتبن بأسماء رمزية مع أنها كتابة جيدة ومفيدة وليس فيها مخالفة للشرع، ولا خروج على المجتمع، ولكن عند الناس أحياناً شعور بالعيب حتى بمعرفة اسم البنت، فضلاً عن حالات من الضغوط المختلفة، سواء كانت ضغوطًا نفسية أو ضغوطًا حياتية اجتماعية قد تقلل من دور المرأة في الإبداع .
شرارة الإبداع !!
وفيما يتعلق بأن الإنسان الذي يريد أن يَخْلُقَ حالة إبداعية قد يضجر من حالة خلاف معينة، فينكفئ على نفسه فتنطفئ شرارة الإبداع لديه، قال الشيخ سلمان : إن الخلاف قد يصنع الإبداع، مثل النار التي تنقدح أحياناً من وجود شرارة نتيجة اصطدام جرمين ببعضهما ؛ ولذلك من أسرار الإبداع المقارنة في الفقه، والاجتهاد، والرأي، والنظرية، والمقارنة في المجتمع، وكون الإنسان يحتك بالآخرين فيستفيد من لغتهم، كما كانت لغة قريش أفضل اللغات في العرب، ويستفيد من طريقتهم في الأداء، واللباس، والأكل، و العادات، فالمجتمعات المعولمة اليوم أصبحت بحاجة إلى أن تقتبس أفضل ما يوجد عند الآخرين.
حالة إبداعية
وردًّا على سؤال حول : كيف السبيل إلى أن يصل الإنسان إلى حالة إبداعية معينة أيًّا كان اتجاهها ؟ قال الشيخ سلمان : إذا كان السؤال يتعلق بالجانب الشرعي، والضوابط الشرعية فهنا أنا أقول: إن الإبداع بمعزل، فمن الممكن أن يحكم على ما يخالف الشرع بأنه إبداع، يقول -سبحانه وتعالى- (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِم)(الحديد: من الآية27) .
كما أن الإبداع يمكن أن يتمثل مثلاً في صوت أو صورة أو حركة جسد أو عمل، فهذا العمل وإن كان إبداعاً ممنوعاً إلا أنه يصح أن يسمى إبداعاً إذا توفرت فيه الشروط الفنية المطلوبة لمثله، وهنا يكمن الفرق بين نوعين من التجاوز، فآدم عليه الصلاة والسلام أكل من الشجرة، ومع ذلك قال: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) فهنا الإبداع لا يمكن أن ينفك أو ينفصل عن وجود نوع من التجاوز، كما وقع لآدم عليه السلام .
لكن هناك نوعًا آخر من التجاوز، وهو الذي حصل لإبليس عندما رفض السجود وقال : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) فهو هنا تمرّد على طاعة الله -سبحانه وتعالى- وتنكَّرَ للحق وللإيمان، فهناك فرق بين مبدع ربما يخطأ أو يتجاوز ولكنّ مرجعه إلى الله -سبحانه وتعالى- ومردّه للإيمان، وبين مبدع آخر لا يؤمن أصلاً بهذه القيم، بل قد يعتبر أن الإبداع هو في إهدار هذه القيم وفي القضاء عليها.
كيف نصنع الإبداع !
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن السبيل الأساس للدعم "أريد أن أجرب أريد أن أقترب" ، قال الشيخ سلمان : هذه مما يمكن أن نعبر عنها بالفاعلية، وكيف نفعّل الإبداع في المجتمع؛ حيث يكون ذلك بتربية الإنسان على الإبداع، وأن يجرب بعض الأشياء، مثل : القراءة، كما كان العقاد يقول : "أقرأ؛ لأن حياةً واحدة لا تكفي"، والكتابة، والافتراض؛ أن تكون عقليته افتراضية، يتساءل: ماذا لو حدث كذا ؟
ألحف الشيخ بالسؤال تجدهُ *** قلقاً يلتقيكَ بالراحتين
وإذا لم تصح صياح الثَّكَالى *** رُحْتَ عنه وأنت صِفرُ اليَدين
فكم في القرآن الكريم من الأسئلة التي طُرِحَتْ حتى يتعلم الإنسان أنماطاً كثيرة جداً من الأسئلة التي من شأنها أن تحفز الإنسان على الإبداع، والاقتباس من الآخرين، كما أن السفر يقوى الإبداع، وكذلك المخالطة للناس، والمقارنة، وأخيرًا الحُلْم يصنع الإبداع .
الإبداع والحياة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : عندما نسمع كلمة إبداع تطير أفهامنا إلى الطيارات والسيارات الفاخرة وناطحات السحاب وغيرها، ولكن هناك إبداع في مجالات أخرى : في الدعوة، والتربية، واللبس، قال الشيخ سلمان : لابد من تعميق فكرة علاقة الإبداع بالحياة، فالعالم كله يتنافس اليوم في الإبداع ، كم يوجد من مطبوعة أو دورية تتعلق بالإبداع ؟ كم من آلاف الكتب التي تُطْبَعُ في الشرق والغرب ؟ كذلك في العالم الغربي نجد أن الطفل في المدرسة الابتدائية عنده واجب الإبداع .
وضرب فضيلته مثالًا على ذلك، بأن إديسون مخترع الكهرباء يُعرف بأنه مخترع الكهرباء، لكن عنده أكثر من ألف وخمسين براءة اختراع، فهنا هذا التنافس الكبير.
تأثير الإبداع
وأضاف الدكتور العودة أنه لا يمكن فصل التقنية عن الجوانب القيمية والأخلاقية والشرعية، فلو تحدثنا عن تأثير السيارة كإبداع أو اختراع في واقع المجتمعات الإسلامية، فهي غيرت طريقة بناء البيوت، و طريقة تخطيط المدن، وغيرت طريقة العلاقة بين المدن، وأثرت حتى في طبيعة العبادة، في السفر للحج، أو السفر للعمرة، أو السفر للصلاة، أو السفر لأعمال كثيرة جدًا، فهذا المنتج غيّر طبيعة الحياة البشرية على ظهر هذا الكوكب .
وأردف فضيلته : حينما تأتي مثلاً إلى التلفاز، انظر أثر التلفاز على عقليات الناس، وملابسهم، وأخلاقهم، ولغتهم، كذلك حينما تنظر إلى جهاز الموبايل أو الجوال، خاصة بعد التطور الذي سيجعل من هذا الجهاز مادة للاتصال والتفاعل واستقبال البث الفضائي والتسويق وكل ألوان المناشط يمكن أن تتم من خلال هذا الجوال، انظر تأثير هذا الجهاز على كل معطيات الحياة فيما يتعلق بالناس، فهنا ستجد أنه لا مناص لنا من الاهتمام بهذا الأمر، بما في ذلك طبعاً الإبداعات المتعلقة بطريقة الدعوة إلى الله، وتربية الشباب، والتواصل مع الآخرين، والكتابة، والتأثير، حتى الوعظ نفسه يمكن أن يستفيد من هذه التجارب .
شر البلية ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إنه فيما يخص المجال العلمي والعملي لست بحاجة أن تفكر وتُبْدِع قدر حاجتك إلى واسطة! قال الشيخ سلمان :والله شر البلية ما يضحك، لا تملك أيضاً إلا أن تقول: إن هذا الكلام -لا أقول دائماً -لكن في حالات كثيرة هو صحيح .
مسلم بن الحجاج النيسابوري
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يستفسر عن مسلم بن الحجاج النيسابوري وهو واحد من الشخصيات المبدعة في العهد الإسلامي، وهل هو من أصل عربي أم من خراسان ؟ ، قال الشيخ سلمان : الغريب أن عامة المصنفين في السنة النبوية هم ليسوا من العرب، وفي النهاية ليست القضية أن يكون الإنسان عربياً أو غير عربي، المهم أن يكون الإنسان مؤمناً مسلماً نافعاً للعباد، قائماً بالحق، فهذا درس مهم جداً، بل كثير من علماء اللغة العربية وعلماء البلاغة هم من غير العرب أيضاً .
حرية مطلقة
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، تقول : لماذا لا تكون هناك حرية مُطْلَقة ترضي الله -سبحانه وتعالى-؟ قال الشيخ سلمان : ما دمنا في مجال الإبداع، فإن كثيرًا من الأعمال الإبداعية ربما أصبحت ملامسة، لافتا إلى أن بعض الناس يعتقدون أن الشجاعة أو الإبداع هي في تجاوز الحدود أو في الجرأة غير المنضبطة.
كما أن هناك أعمالًا ليست من الإبداع بسبيل، ولكنها أرادت أن تستثير همم الناس، أو تستفز من خلال ملامسة المحرّم كما يقال بعضها تلامس المحرّم السياسي، وبعضها تلامس المحرّم الديني- كما يسمى -وبعضها تلامس المحرّم الاجتماعي، وبالذات ما يتعلق بالجنس؛ حيث وجدنا أعمالًا إبداعية كثيرة جداً من هذا القبيل، بل وجدنا الغرب نفسه يحتفل بروائيين أمثال سلمان رشدي أو غيره لا يمتلكون القدرة الإبداعية بقدر ما يستفزون المسلمين، فيُظْهَرُون على أنهم رموز للاستقلال والتميز والحرية والإبداع وما كان من هذا القبيل!
ظلاميون واقصائيون ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة، تقول: إن البعض يطلق ألفاظ الظلاميون، الإقصائيون، التكفيريون، على السلفيين، قال الشيخ سلمان : إن هذه الألفاظ كبيرة، لافتا إلى أن من سمات الإبداع هو القدرة على الحوار، واستخدام الألفاظ الهادئة، وأيضاً التواضع لله -سبحانه وتعالى- وحسن الظن بالناس، وإعطاء الناس أقدارهم، فهناك أناس قد يكون لهم قَدْرٌ وسن وعلم ومنزلة، ومع ذلك هم ليسوا بمعصومين يخطئون ويصيبون، وإذا أفتوا في مسائل الحيض أو النفاس أو غيرها لمن يحتاج، فهذا شيء جيد على ألا يقتصر الأمر على ذلك، وقد تكلمنا في حلقة سابقة عن أهمية الحديث عن مقاصد العبادة وآثارها في حياة الناس، وعدم الوقوف عند الجانب الظاهري فقط أو التعبدي الشكلي .
ذو العقل يشقى ؟!!
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم، قال الشيخ سلمان : إن الإنسان مع الإبداع قد يكون بحاجة إلى أن يعرف أين يضع قدمه، وأن يعرف الإنسان قَدْرَ نفسه، فقد يكون إنسانًا مبدعًا في جانب إداري أو اقتصادي أو أدبي أو تشكيلي أو إلقائي أو ما أشبه ذلك، لكن قد لا يكون مبدعاً في جانب الفكر، والإبداع الثقافي، والرأي، خاصةً في الجوانب الشرعية؛ لأن الأمر هنا حساس؛ ففيه جوانب كثيرة تعتمد على نصوص شرعية، وعلى مفاهيم يتطلب الإنسان فيها قدرًا من التخصص والمعرفة .
لكن من الضفة الأخرى مما لا شك فيه أن مجتمعاتنا العربية تعاني أشدَّ المعاناة من غياب الحرية، والقاعدة تقول: "إن قدر أي مجتمع من الإبداع هو بقدر حصوله على الحرية"، وهذا من شأنه أن يجعل كثيراً من المبدعين يعانون فعلاً هذه المعاناة ؛ ولذلك كثيراً ما أقول: إن أي مبدع في مجتمعاتنا يحتاج إلى قَدْرٍ من الصبر؛ حتى يثبت للناس أنه مبدع فعلاًً، ويتأكد الناس أنه ما فيه مَسٌّ ولا فيه جنون، ولا عنده مشكلة معينة ،ولا أزمة نفسية، فحينئذٍ كما يقال: النجاح له آباء كثيرون..! كل سيتبنى هذا النجاح :
والنَّاسُ مَن يَلقَ خيراً قائلونَ له *** ما يَشتَهي، ولأُمِّ المخطئ الهَبَلُ!
كما أنه يجب على الإنسان المبدع ألَّا يستسلم لهذا المجتمع؛ لأن الإبداع هو أصلاً مغايِرٌ للمألوف، لكن ليس مطلوباً أيضاً أن نفهم أن الإبداع هو التمرد على المجتمع، فإن المجتمعات فيها الخير والشر ،والمبدع هنا عليه أن يكون عنده قدرة على الفرز والفحص و التمييز ما بين الحسن والقبيح، وتحسين الحسن، وتقبيح القبيح .
ابتعاث المبدعين
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : لماذا يقتصر الابتعاث على الشهادات ويُتجاهل المبدعون؟ قال الشيخ سلمان : لقد ابتُعِث مبدعون، الذين فازوا في جامعة هارفرد، وفي بريطانيا وفي أكثر من مكان هم مبدعون، كما أن هناك جمعية الملك عبد العزيز للإبداع والموهبة، وهي حاضِنٌ للإبداع، ولكن بكل صراحة: نحن سبق أن حاولنا وعملنا وقمنا بما سميناه "جيل التقنية"، وحاولنا بكافة الوسائل، وفي النهاية وجدنا أن الباب مسدود، وأن الطرق مغلقة إلى حد كبير!
أعتقد أن مجتمعًا كمجتمعنا يحتاج- ليس إلى جمعية ولا عشر، ولا حتى مائة جمعية- بل ينبغي أن يكون في كل مدينة عدد من الجمعيات التي ترعى المبدعين، وترعى الإبداع بكافة صورة وأشكاله، وتدعم هذا اللون من الإبداع .
تقوية الإبداع
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إذا رغبت في تقوية الإبداع عند طفلك فأكْثِرْ من الأسئلة، ودعه يبحث عن الإجابة، قال الشيخ سلمان : نعم ؛ ولا شك أن التعامل مع الأطفال في غاية الأهمية والخطورة؛ لأن الطفل هو المحضن الأول لتربية الإبداع، ويقتل إبداعَ الأطفال كثرةُ القمع، والإملاء عليهم.
شعر الكلب ..واللحم الحلال
وردا على سؤال حول : هل في لمس شعر الكلب نجاسة؟ قال الشيخ سلمان :
النجاسة هي في لُعَاب الكلب عند جمهور أهل العلم، بينما مالك حتى لا يرى النجاسة، لكن الراجح أن لعاب الكلب نجس لحديث « طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ »، فالنجاسة هنا متعلقة بلعابه، فلو لحس ثوبك مثلاً، عليك أن تغسله.. أما ما يتعلق بشعره فلا يظهر في ذلك شيء .
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول : إنه في البيت يتحرّى اللحم الحلال، لكن في الشغل يأكل أي لحم ممكن، قال الشيخ سلمان : مادام لحمًا ذبحه أهل الكتاب فد قال الله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).
علق خروجي بالطلاق
ورداً على سؤال حول : حُكْم مَنْ عَلَّق زوجها خروجها من البيت بالطلاق، وهي حامل في الشهر التاسع، وربما تضطر إلى الخروج؟ قال الشيخ سلمان : إذا احتجتِ إلى الخروج أولاً تتصلين به، إن كان هناك سبيل للاتصال به، وإذا لم يكن ثم سبيل واحتجت إلى الخروج فعليك أن تخرجي، وإذا كان قصده منعك من الخروج -وهذا هو الغالب -وليس قصده إيقاع الطلاق، فعليه أن يطعم عشرة مساكين.
وقفة قرآنية .
ثم انتقل الشيخ سلمان إلى وقفة قرآنية، مع قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، هنا الله -سبحانه وتعالى- ذكر الذكر والأنثى بتميزهما في الجنس، وذكر بعد ذلك أن السعي مختلف وتشتيت، ولم يذكر بعد ذلك الحديث عن الذكر وسعيه وعن الأنثى وسعيها لا، وإنما صرف النظر عن كونه ذكراً أو أنثى ليتكلم عن طبيعة السعي، هل هو سَعْيٌ راشد أو غير راشد فقال : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) من ذكر أو أنثى (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .
وأوضح فضيلته أن هذا يُكرّس فكرة أن الأنوثة والذكورة حضورها بشكل مكثّف في كل شيء ليس أمراً حسناً، فالأئمة والعلماء الذين كتبوا عن الأعلام وعن السير ذكروا رجالاً مبدعين، وذكروا نساء مبدعات، فعندما نقرأ سيرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لا نستطيع أن نتجاوز أمهات المؤمنين، وروايتهن للسيرة النبوية، وروايتهن لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصحبتهن للرسول -عليه الصلاة والسلام- في السفر والحضر والحرب والسلم والليل والنهار، وكان أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- يقول : مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا.
كما كانت عائشة -رضي الله عنها- عالمةً بالقرآن وبالسنة، والتاريخ، والسِّيَر، والأنساب، والطب، واللغة العربية، وتخرّج على يدها عددٌ من الأئمة والعلماء، واستفاد منها ابن عباس -رضي الله عنه- وغيره من فقهاء الصحابة، بل ألف الزركشي كتاباً سماه : "الإجابة في إيراد ما استدركته عائشة -رضي الله عنها- على الصحابة"، مما يؤكد على ضرورة دعم مواهب البنات وتشجيعهن على الإبداع الشرعي المنضبط .
للاستماع إلى حلقات حجر الزاوية
|