الرئيسة راسلنا دليل الموقع
البحث



بحث متقدم
عناوين مختارة
ففروا إلى الله
د. العودة يشيد بالمبتعثين ويدافع عنهم ويدعوهم للثبات والإبداع
السياسة والشريعة
د.العودة يتحدث عن أهم ثورات التاريخ الإسلامي ودورها في نشوء الفكر الإرجائي
«بنات البلد»... في مواجهة راغبي «الزواج من الخارج» !
العودة يناشد البوطي: إن لم تكن كلمة حق فليس أقل من صمت عند سلطان جائر
هل التكاليف ابتلاء؟
د. العودة: الثورة ليست دائماً نمطاً للتصحيح
أجوبة د. سلمان العودة على أسئلة منتديات شبكة الإقلاع (2-3)
فرحٌ كلها الحياة!
موقع الشيخ سلمان متابعات وحوارات أخبار ومتابعات
د. سلمان العودة: القراءة للحياة ، وأمة اقرأ لا تقرأ!!
 
الكاتب:  الإسلام اليوم/ أيمن بريك
الاربعاء 12 رمضان 1430الموافق 02 سبتمبر 2009
 

 

 

قال فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة -المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم"- إن أمة العرب تأتي في مؤخرة الأمم التي تهتم بالقراءة، مشيراً إلى أنه ليس هناك استبيان عالمي يتحدث عن متوسط القراءة لدى الشعوب إلا وكانت أمة العرب في آخر درجات هذا السلم، مؤكداً أن القراءة للحياة وأنه يجب أن نوظفها للحياة أيضاً.

وأوضح الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الثلاثاء من برنامج "حجر الزاوية "، والذي يبث على فضائية mbc ، و التي جاءت تحت عنوان "القراءة " ـ أن التقارير والإحصاءات تشير إلى أن ثمانية آلاف عربي يقرءون كتابًا واحدًا في السنة، ففي مصر يقرءون عشر دقائق أو تسع دقائق في اليوم، كذا اللبنانيون يقرءون عشر دقائق، أيضًا السعوديون يقرءون ست دقائق فقط.

وأضاف الدكتور العودة أن مجموعةً من الشباب العرب عندما سُئِلوا عن "رجاء جارودي"، وهو الفيلسوف الفرنسي الذي أسلم، قال أحدهم: إن هذا هو مدرب منتخب فرنسا، موضحًا أن هذا دليل على أنه لا يفقَه في العلم ولا يفقه في الرياضة أيضًا.

وتابع فضيلته: إن أحد الشباب العرب أيضًا سُئِل عن البروتستانت، وماذا يعرف عنها؟ قال: إن البروتستانت هو مرض خبيث.

أمة اقرأ

وتابع الشيخ سلمان: يقول ربنا I : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، كما أن القرآن الكريم فيه أكثر من سبعين ألف كلمة  وإننا نتساءل لماذا يبدأ الله I كتابه العظيم لهذه الأمة  بكلمة (اقْرَأْ) ؟!، ولم يقل : "اعبد" أو "جاهد" أو  "تعلّم" وإنما بدأ بهذه الكلمة بالذات لأمة أميّة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).

فانظر كيف ساس رعاة الإبل مملكة *** ما ساسها قيصر من قبل أو شاه

وأوضح فضيلته أن أحد الشباب عندما هذا الكلام، قال : نعم ولكن الرسول r عندما قيل له (اقْرَأْ) قال : ما أنا بقارئ، وأنا كذلك مَا أَنَا بِقَارِئٍ !، فهنا يتضح كيف أن بعض شبيبتنا يلتقط المعنى أو المفهوم السلبي، فالنبي r عندما كان يقول : (مَا أَنَا بِقَارِئٍ)، يقصد أنه لا يُحسن القراءة، فلم يكن يقرأ، بل كان أميّاً، وهذه حكمة (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)، فأمية الرسول قضاها الله عن حكمة لها بينات، فكل أمية سواها يسيح الجهل فيها وتسبح الظلمات!

حياة واحدة لا تكفي

وأوضح الدكتور العودة أن هناك العديد من الوسائل التي يمكن من خلالها تشجيع الناس على القراءة، منها :

1 ـ الحملات الاجتماعية : حيث أطلق فضيلته حملة للقراءة تحت شعار : "حياة واحدة لا تكفي"، وتشير إلى أنه من أجل أن نقرأ كثيراً علينا أن نستفيد من حياة الناس الآخرين الذين سجّلوا تجاربهم، لافتاً إلى أن هذه الحملة ستنطلق في الموقع الإلكتروني ولتطوّر فيما بعد ولتبدأ من خلال رصد جميع الكتب التي تمت الإشارة إليها في هذا البرنامج وتوزيعها في قوائم بريدية و يكون هناك سعي لإيصالها كهدية أو جائزة لعدد من المتفوقين أو المشاركين في هذا البرنامج .

وأشاد فضيلته بالحملات الاجتماعية أو الشعبية التي يشارك فيها أعداد كبيرة جداً من الناس، وعلى سبيل المثال:

1 ـ مصر : هناك حملة " القراءة للجميع " .

2 ـ لبنان : توجد حملة "دشن للكتاب"  .

3 ـ جدة : أعلنت "دار الفكر" حملة للكتب .

4 ـ الرياض : حيث أقامت مكتبة الملك عبد العزيز مشروع اسمه " تجاربهم مع القراءة " استضافوا فيه عدداً من المثقفين وعدداً من المتخصصين، منهم الدكتور عبد الله الغذامي، والدكتور خالص جلبي والدكتور سعد البازعي والأستاذ نجيب الزامل، حيث تحدثوا بلغة جميلة ومثرية وجذابة حول تجاربهم مع القراءة وكيف يمكن الاستفادة منها أو توظيفها .

5 ـ  شيكاغو: قاموا بحملة على مستوى المدينة،  حيث يمثل السود 37% من سكانها ؛ ولذلك يعانون من مشكلة العنصرية .

تشويق..ومنافسة حضارية

2 ـ التركيز على عنصر التشويق :

وذلك من خلال التشويق في القراءة ذاتها، والتشويق في شكل الكتاب المقروء، والتشويق في المضمون نفسه، مشيراً إلى أنه ليس كل الروايات سيئة، فهناك روايات مفيدة، مثل الروايات البوليسية التي قد تدرب عقل الإنسان، لكن  هناك روايات التي تتعلق بالجنس، والتي قد تكون موجودة في العالم الغربي بشكل عادي وغير مقصود وربما لأبعاد فلسفية، بينما في بعض الروايات العربية يبدو أن ملامسة هذا الجانب الجنسي كأنها نوع من استفزاز المجتمع ولذلك يلامسون الجانب الاجتماعي وأحياناً يحتكّون بالجانب الديني لكن هيهات أن يقتربوا من المحرّم السياسي أو يُقاربوه أو يُدانوه بحال من الأحوال .

3 ـ ملامسة الإحساس الحضاري:  فعندما نشعر بالمنافسة الحضارية تكون القراءة هي الحل، وقد كان جبران خليل جبران يقول : "سنكون أمة متحضرة إذا كانت المكتبة في البيت مثل الثلاجة ومثل الغسالة ومثل الكنب"، بمعنى أنها تكون جزء من حياتنا، وأن تكون القراءة عادة وجبلة عندنا.

بِسَبَبِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ!

وفيما يتعلَّق بالنشر، قال الشيخ سلمان: إن كتابًا واحدًا يُنشَر في العالم العربي لكلِّ اثني عشر ألف مواطن، بينما هو كتاب واحد لكل خمسمائة مواطن في بريطانيا، مما يشير إلى أن هناك مشكلة كبيرة في النشر، فكثيرٌ من الكتَّاب لا يجدون من ينشر أو يطبع أو يُوزِّع لهم، كذلك هناك تراجعٌ كبير في نسبة الكتاب، ففي سنغافورة ثلث الشعب السنغافوري مشتركٌ كأعضاء في مكتبات، بينما -على حدِّ علمي- لا يوجد عندنا عضويةٌ أصلًا في المكتبات في عالمنا العربي!

 

وأوضح فضيلته أن هذه مشكلة عويصة، مشيرًا إلى أن البعض يقول: إن سبب هذه المشكلة هو الانشغال بلقمة العيش، موضحًا أن هذا ممكن، لكن الإحصائيات تؤكِّد أن الشعوب العربية الأقل ثراءً هي الأكثر قراءةً، فالشعوب العربية الأكثر قراءةً هي في الجزائر، والسودان، واليمن، وهي أقلُّ في مستوى المعيشة، مما يدلُّ على أنه قد تكون لقمةُ العيش هي واحدةً من المعوِّقات، لكن هناك معوقات أخرى؛ مثل:

الإحباط، وغياب الانتماء إلى مشروع وطني، والثقافة السائدة لا تشجِّع على القراءة، وكذلك انتشار الكثير من الوسائل الحديثة التي صرفت البنات والشباب عن القراءة.

القِرَاءَةُ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ

وفيما يتعلَّق بأن البعض يتحدثون عن أن بنيةَ الإحساس بالثقافة عند العرب في القرن العشرين متدنيةٌ جدًّا حتى لو كانت في أعلى مراحل الثراء، وحتى لو توفَّرت كل الأسباب التي ذُكِرت، قال الشيخ سلمان: إن العرب أصبحوا لا يحافظون على القراءة، كما كان موجودًا عند العربيِّ القديم، حيث نجد مثلًا أن الخطيب البغدادي كان يمشي في السوق ومعه الكتاب.

 

كما أن الجاحظ يقال أنه لم يقع في يده كتابٌ إلا قرأه، كذلك الأئمة الذين كان عندهم آلاف القراءات؛ وابن الجوزي، وابن حجر، والزمخشري، وعلي الطنطاوي.. وغيرهم من مشاهير العلماء والمثقفين، مؤكدًا على أن هذا النمط لا نجده اليوم في عالمنا العربي، لكننا نجده في الغرب في القطارات والمطارات والحدائق وفي كل مكان.

مفهوم القراءة

وقال الشيخ سلمان: إن القراءة هي فك رموز، وهذا الرمز قد يكون حرفاً، وقد يكون رقماً، وقد يكون هذه صورة أو شكلاً من الأشكال، أو ملموساً مثل طريقة برايل بل قد تكون القراءة لصوت، فالصوت لا تسمعه بأذنك بل تقرؤه بحواسك فتعرف أن هذا الصوت صوتاً مجروحاً أو حزيناً أو مستغيثاً أو صادقاً أو غير صادق من خلال اعتبارات عديدة .

وأضاف فضيلته أن القراءة قد تكون للحياة ذاتها، فالقراءة هي قراءة الحياة، من خلال قراءة الناس، والأشخاص، والوجوه، والملامح، والقسمات، والتعابير، ولذلك فإنه يمكن القول أن القراءة هي عملية تراكمية تبدأ من حيث القدرة على القراءة، وهذه تتطور مع الزمن لتمر بعملية "الفهم" لما يقرؤه الإنسان أو يتعاطاه مروراً بـ"الاستيعاب" الذي يتعدّى الفهم إلى الغوص على أعماق وأسرار، وصولاً إلى عملية تكاملية.

القراءة الفارزة

وأردف الدكتور العودة : تجد بعض الناس يقرأ قراءة انتقائية فيضع الجملة بين قوسين ويقرؤها مثلاً، أو يُلقي عليها ظلالاً خاصاً ويفهمها وفق ما يريد لا وفق ما يقتضيه السياق، وهو ما يؤكد على عملية التكاملية في الفهم، مشيرا إلى أن اللغة العربية أو اللغة ليست سوى أداة أو وعاء للمعنى فإذا عرف المعنى لا تتوقف عند الألفاظ، ثم يتطوّر الأمر إلى التكامل مع المعلومات التي عند الإنسان، وهنا نصل إلى ما يسمى بـ"القراءة الفارزة" أو القراءة الناقدة ليست قراءة التعصّب الذي يتهم كل شيء ويتقبّله ولا قراءة أيضاً الرافض الذي يقرأ ليرد ويُكذّب .

وذكر فضيلته أنه يدخل ضمن عملية القراءة "تخزين هذا المقروء"، بحيث يحتفظ الإنسان فيه، كما أن التخزين قد يكون حفظاً يدركه الإنسان، وقد يكون حفظاً لا يدركه، فمن الممكن أن تولد كثرة القراءة عند الإنسان قيماً أخلاقية ومعان سامية وإتقاناً وجودة وسمواً في اللغة العربية، وإن كان لا يدرك هو هذا لكن هذا يحدث من خلال مجموعة القراءة، ثم توظيف هذا المقروء في كلمة أو في إلقاء أو محاضرة أو حديث أو كتابة أو توظيفه في الحياة كلها؛ لأن القراءة هي قراءة الحياة، فنوظفها للحياة أيضاً.

الكِتَابُ بَاقٍ

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن البعض يرى أن عصر الكتاب انتهى، وأن عصرنا هذا هو عصر الكمبيوتر والسي دي والإنترنت، قال الشيخ سلمان: إن الكتاب لم ينتهِ، فالكتاب له رسوخ، لافتًا إلى أن التحولات العظيمة في التاريخ تعود إلى كتبٍ، سواء الكتب السماوية أو الكتب الأرضية، وسواء كتب نوافق عليها أو نخالفها، مثل كتاب جمهورية أفلاطون أو كتاب رأس المال لكارل ماركس أو كتاب الدولة اليهودية لهرتزل أو غيرها من الكتب التي صنعت تحولاتٍ في مجرى التاريخ بالنسبة لشعوبٍ أو بالنسبة لأمم الأرض.

 

وأضاف فضيلته أن الكتاب يظلُّ له قيمة وثوقيَّة كبيرة جدًّا، كما أن هناك دراساتٍ تؤكِّد أن الشباب هم الأكثر إقبالًا على الكتاب حتى الآن، وأن الشباب الذي يستخدم الإنترنت يقرأ ويتعوَّد على البحث عن المعلومة، والتي سيبحث عنها في الكتاب بعد ذلك، علمًا بأن الإنترنت هو عبارة عن وسيلة للقراءة، لأننا حينما نتكلم عن القراءة لا نتكلم فقط عن الورق أو عن الكتاب، ولكن هناك الآن وسائل أو وسائط كثيرة ومختلفة تحتوي على معلوماتٍ وكتب وحقائق من خلال الإنترنت.

 

الإمام شاكر

وأردف الدكتور العودة أنه  يجب التأكيد على ضرورة الانتقاء في الإنترنت والاختيار الجيد والتوجيه للشباب، كذلك الحرص على الوثوقية لأن الإنترنت وعاء مستوعب، حيث يوجد في الإنترنت موسوعة يسمونها " موسوعة ويكيبيديا" هذه الموسوعة فكرتها أن أي  شخص يمكن أن يُضيف ما لديه وبعد فترة إذا لم يقع اعتراض تعتمد هذه المعلومات.

وذكر فضيلته أحد الأمثلة الواقعية على ذلك، وقال: أحد الشباب سمى نفسه "الإمام شاكر" وقال أنه دخل حضرموت سنة 1300 وأقام فيها مملكة ونشر فيها العدل والأعطيات بين الناس، والدول المجاورة قامت بمبايعته وذكر قصة تتمحور ووضعها في موسوعة ويكيبيديا وبعد فترة اعتمدت، وهو شاب لطيف وموظف على قدر حالة، لافتاً إلى أن الموسوعة قررت الأسبوع الماضي أن تضع لجنة للمراقبة.

مصادر للمعرفة

وأكد الشيخ سلمان أن بالإنترنت وغيره من الوسائل، مثل القنوات الفضائية و غيرها، هي مصادر للمعرفة، إذا أُحسن توظفيها وأُحسن الاستفادة منها، وقد كان كونفوشيوس الحكيم الصيني يقول : " أسمعني فسوف أنسى، أرني لعلني أتذكر، أشركني فسوف أذكر "، فالإنسان بعد شهر واحد يستذكر فقط 13% مما سمع، ويستذكر 70% مما رأى، ويستذكر 95% مما شارك فيه . وهو ما يوفره الإنترنت من خلال عملية التفاعل والمشاركة مما يترتب عليه أن يكون الإنسان لديه قدرة على الحضور وعلى الاستذكار .

الواقعية مطلب

وفيما يتعلق بأن حديثنا عن القراءة يكون فيه شيء من الإحباط، خاصة عندما نتحدث عن أولئك الذين يقرؤون في اليوم الواحد عشر ساعات، وأن الوقت قد تغير والأعباء زادت، قال الشيخ سلمان: لا شك أن الواقعية في القراءة مطلب، كذلك فإنه من الضروري أن يكون هناك حافز من وراء القراءة، فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يقرأ الإنسان ؟ فالإنسان يقرأ للمعرفة وللتزود، ولحل المشكلات، وللمتعة أحياناً، وللحاجات النفسية والاجتماعية.

وأضاف فضيلته أنه تبيّن أن الأزواج الذين يقرؤون هم أكثر انسجاماً فيما بينهم من أولئك الأزواج الذين لا يقرؤون؛ ولذلك ينبغي أن يكون هناك عملية دعم مستمر للقراءة، من خلال تحفيز وتشجيع الناس عليها.

القراءة..حل للمشكلات

وأكد الشيخ سلمان أن القراءة حل لعدد من المشكلات، وضرب فضيلته مثالاً لذلك بـ" رواية (قتل الطائر المحاكي) " للكاتبة هابر لي، لافتاً إلى أنه تم توزيع ثلاثين مليون نسخة منها، وذلك لأنها تروي قصة رجل من السود اتهم ظلماً وعدواناً بأنه اغتصب امرأة بيضاء حتى تطوّع المحامون لتمثيل دور المحاكمة والمحاماة عن هذا الرجل، وأصبح الناس يتحدثون في مجالسهم واجتماعاتهم وحواراتهم حول مضمون هذه الرواية، وهذا بالتالي يمكن أن يُعطي مفهوماً إيجابياً جيداً ؛ لذلك  فإن فكرة أن نقوم بحملات تجعل الناس يقرؤون وهم مرتاحين لا يشعرون بأنهم أمام تحدٍ صعب أو أمر معجز .

القِرَاءَةُ..هَمٌّ جَمَاعِيٌّ

وردًّا على سؤال : لماذا لا تكون القراءة همَّ الدولة بالكامل، مثلما حدث في فرنسا وغيرها من الدول، قال الشيخ سلمان: هذا شيء جميل، مشيرًا إلى أن مكتبة الملك عبد العزيز دشَّنَت مشروعًا أسمته "المشروع الوطني لتجديد الصِّلة بالكتاب"، لكن هذا المشروع بدأ بعملية استضافةِ عددٍ من المثقفين ودعوتهم إلى القراءة.

 

وأضاف فضيلته: لتكون فكرة تطبيع القراءة همًّا لدى الجميع، من خلال دعم الكتاب، واختيار كتب معينة، وإيجاد طبعات كما يسمونها "طبعات شعبية" رخيصة يسهل على الناس الوصول إليها، كما أن الكتاب المستعمل لا بدَّ أن تكون هناك آلية لتوظيفه، فضلًا عن إيجاد مشاركات أو عضوية في المكتبات للشباب وللبنات.

كتب العفاريت

وتعقيبا على أن الكتب المفيدة لها حظوظ قليلة في عملية البيع، قال الشيخ سلمان: إن الكتب التي تباع هي كتب الجنِّ والعفاريت والطبخ، وأحيانًا كتب الشعر الشعبي، مشيرًا إلى أنه من المهمِّ جدًّا أن يكون هناك توعية للناس بالكتب المهمَّة، وأن يكون هناك خططٌ لبيع الأشياء المفيدة سواء أكانت شَيِّقَةً أو لم تكن.

وأوضح الشيخ سلمان أن بعض الكتب التي تلامس حاجات الناس وتكون مختصرَةً، وتطبع أحيانًا طبعاتٍ كبيرةً وصغيرة ومتوسطة وللجيب، يكون لها رواج، مشيرًا إلى أن كتاب "حصن المسلم" بِيعَ منه أكثر من ثلاثين مليون نسخة، على الرغم من كونه كتابًا صغيرًا عبارة عن أذكار.

 

وفيما يتعلَّق بأن عملية تسويق الكتب مرتبطةٌ كثيرًا بمبادئ التشويق الأساسية كَفَنٍّ لكل منتج أو فكر وأطروحة، لكننا لا نتعاطى مع إصدار جديد بلا حملات إعلانية تحتاجه أي سلعة، ولذلك نجد أن الكتب في الغرب تنافس الأفلام السينمائية في الحملات الإعلانية والتغطيات الصحفية، لدرجة أن الناس يصطفُّون طوابير قبل نزول الكتاب بأربعٍ وعشرين ساعة في مشهدٍ رائع، قال الشيخ سلمان: هذا نموذجٌ مشهودٌ، لكنَّ المشكلة عندنا أن معظم الكتب لا تستطيع ذلك، لأن الكتاب لا يُشترى، ولذلك صاحب الكتاب قد لا يجد مَن يطبعه له، إنما هناك عدد قليل من الكتب التي تُضْرَب في السوق ويكون لها رواج كبيرٌ جدًّا، وهذه بطبيعة الحال تحظَى بتسويق وبإعلان واحتفالات ودعايات جيدة وكافية؛ لأن صاحب المكتبة قد اقتنع بأهمية الكتاب وتسويقِه.

 

هل ثمة تعارض؟!

وتعقيبا على مداخلة، تقول :كيف نجمع بين القراءة وقول كثير من العلماء : "من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه" وقولهم : " من دخل العلم وحده خرج وحده "، قال الشيخ سلمان: هناك ألوان مختلفة من القراءات، فهناك قراءة فردية، وقراءة جماعية، و قراءة صامتة، وقراءة ناقدة، كما أن القراءة ليست فقط تعامل العين مع نص مكتوب القراءة، ولكنها أوسع من ذلك، فالقراءة في الحياة بما في ذلك التعاطي مع الناس الذين عاشوا هذه القراءة أو سبقوا أو لديهم خبرة أو تجربة يستفيد الإنسان منهم .

 

 

أبناؤنا..والقراءة

وفيما يتعلَّق بكون الأجيال الجديدة والأطفال الصغار متشوقون للسوني والجيم بوي، فكيف نصرفهم للقراءة؟ قال الشيخ سلمان: إنه لا بد من تربية الأطفال منذ الصغر على القراءة، فالبعض يقول: إن ذلك يمكن أن يبدأ من ستة أشهر أو سنة، كذلك فإن الآباء يمكن أن يقوموا بالسرد القصصي على الأبناء، فالمهم هنا الكيف وليس الكم، حيث يمكن دمج الأطفال في قصة واحدة، من خلال أخذ تعليقاتهم عليها ومداخلاتهم، على أن يقوم الأب بالتعقيب على هذه التعليقات بشكل إيجابي، خلال جلسة حميمية بين الأبناء والبنات والأسرة.

وأضاف فضيلته: أن الأطفال الصغار ربما يحبون أن يسمعوا صوت الأب أو الأم، حتى لو كانت ليست لديهم دراية بما يقولانه، ولكن من خلال متابعة الملامح والحركات وتعبيرات الوجه، لافتا إلى أنه لابد أن يكون الكتاب موجودًا في البيت في كل مكان، وليس فقط فوق الرف، بحيث يكون في متناول الأطفال، بل يفضل أن يكون في غرف الأطفال مكتبةٌ تسمح لهم بأن يطلعوا وأن يقرؤوا بما يتناسب مع مستواهم، فهذه كلها وسائل من شأنها أن تُرَبِّيَ الجيل الجديد على القراءة .

وضرب فضيلته مثالًا لاهتمام الآباء في الدول الغربية بتعليم أولادهم القراءة، قائلا: إن أحد العرب كان راكبا قطارًا في إحدى الدول الأوروبية، وفوجئ بطفل يصيح وإلى جانبه أمه، فقامت الأم بفتح الحقيبة، فظن أنها ستخرج له الحلوى أو الكاكاو، ولكنها أخرجت له كتاباً وأعطته إياه ليقرؤه، فسكت الطفل وأمسك بالكتاب وهو يقرؤه .

 

مشاركة..ومكتبات متخصصة

وتعقيبًا على أن بعض الآباء يُصِرُّون على اختيار الكتب التي ينبغي للأبناء قرأتها، مما يتسبب في حدوث فجوة أحيانا؛ لأن الطفل إذا لم يساهم في اختيار الكتاب فقد يمتنع عن قراءته، قال الشيخ سلمان : يمكن للطفل أن يذهب للمكتبة بمعية والده، حيث يكون هناك مشاركة بين الأب والابن في اختيار الكتب .

وأوضح الدكتور العودة أن هناك مكتبات متخصصة في قصص الأطفال في بعض الدول العربية، ففي مصر توجد "مكتبة الكيلاني"، والتي يوجد بها كمٌّ هائل جدًّا من القصص المتنوعة ؛ من قصص الأنبياء، والعظماء، و المخترعين، والحيوان، و الطيور، وقصص مصورة وأشياء كثيرة جداً من شأنها أن ترفع مستوى وقابلية الصغار للقراءة .

 

السوني والجيم بوي

 

فيما يتعلق بالسوني والجيم بوي، قال الشيخ سلمان : إن من أبرز مشكلاتها أنها تفصل الأسرة، فتجد الولد على الجيم بوي، والبنت على اللاب توب والإنترنت، والأم على التلفزيون، والأب على الجوال وهكذا، مشيرًا إلى أنه يوجد ما يسمى بـ "الإكس بوكس"، وهي تقنية حديثة من شأنها أن تسمح للأسرة كلها أن تشارك في لعبة واحدة، وهذا أفضل.. بدلًا من أن يتفرقوا فيما بينهم، بحيث إنه من الممكن  أن يقود هذا السيارة والآخر يقوم بإصلاح العجل المعطوب، والثالث يوجه، وهكذا.. بحيث إن الأسرة كلها تجتمع على عمل واحد إذا كان هذا العمل سليمًا ومناسبًا.. فهذا على الأقل يُوحّد الأسرة .

 

القراءة السريعة

وردًّا على سؤال حول مفهوم القراءة السريعة ؟، قال الشيخ سلمان إن هناك أنواعًا مختلفة من القراءة،منها:

1 ـ القراءة السريعة : ويطلق عليها البعض القراءة الاستكشافية، وذلك إذا كان هناك كتاب أريد أن أتعرف على محتوياته، حتى لو أني في المكتبة، قبل أن أشتريه، أتصفح المقدمة والفهرس ومن خلال ذلك أستطيع أن أقيّم الكتاب تقيماً سريعاً .

وأضاف فضيلته: إن القراءة السريعة تعني أيضا أن الإنسان يقرأ ولا يرى، وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلا: إن إحدى البنات طلبت منها المدرسة أن تقرأ كلامًا مكتوبًا على السبورة، في حين أن البنت كانت شبه نائمة، فقرأت، وقالت: "كنت أرى الدجاجة وهي تدك حصون العدو" والناس يضحكون: أعيدي، فتقول : كنت أرى الدجاجة وهي تدك حصون العدو!! ولكن عندما عركت عينيها تبين لها أن الدبابة هي التي تَدُكُّ حصون العدو .

 

التحليق فوق النص

2 ـ التحليق فوق النص : وضرب فضيلته مثالا لذلك، قائلا: في إحدى المرات أهداني أحد الشيوخ في الكويت كتاباً حوالي ثلاثمائة صفحة وأنا في السيارة إلى المطار استطعت أن أقرأ الكتاب، حتى إني أعطيته الأخ المرافق لي وقلت له: قرأت الكتاب وإن شئت اختبرني فيه، وهذا لا يعني أنني قرأت كل ما في الكتاب، ولكن لأن الكتاب داخل ضمن تخصصي، وبالتالي فيه أشياء كثيرة جداً بمجرد ما أبدأ بها أتجاوزها؛ لأنني عرفت نهايتها، فبالنهاية تستطيع أن تصل إلى قرارات وإلى نتائج المؤلف!

 3 ـ القراءة الخاطفة : حيث يقرأ الشخص خمسًا وعشرين ألف كلمة في دقيقة.

 4 ـ القراءة العادية .

5 ـ القراءة البطيئة: والتي من الممكن أن تكون قراءة بصوت مرتفع، حتى يتعلّم الإنسان على اللغة؛ أو لأنه يقرأ بتركيز شديد، كما أن هناك دورات متخصصة في الإنترنت وكتب ومذكرات لتدريب الإنسان على سرعة القراءة أحياناً .

6 ـ القراءة الرأسية : بدلاً من القراءة الأفقية، فيقرأ الشخص الكتاب قراءة رأسية، وذلك في كتب معينة بحيث إنه يستطيع أن يستوعب الكتاب دون أن يقضي وقتاً طويلاً، وأيضاً هذا يعالج حالة الملل الذي يمكن أن يصيب الإنسان في طول المكث مع كتاب معين .

 

قراءة الشيخ سلمان

وفيما يتعلق بتجربة الشيخ سلمان مع القراءة، قال فضيلته : كنت أقرأ في الصغر، في الطفولة، في المدرسة الابتدائية قصص الأطفال، حيث كنت أشتريها من الحراج في بريدة، فكنا عندما توجد هذه الكتب، نقف طابوراً أنا وإخوتي حتى يصل الدور إلى أي واحد منا .

وأضاف الدكتور العودة أنه في المرحلة المتوسطة كنت أذهب مع الوالد في المتجر وآخذ معي كتبًا، وهداني الله إلى مجموعة من الإخوة ربطوني بكتب لبعض الكتاب مثل : مصطفى لطفي المنفلوطي، والذي قرأت جميع كتبه، الطنطاوي، والذي قرأت جميع كتبه بلا استثناء، حتى إن أحد الكتب كان ممنوعاً فبحثت عنه حتى حصلت عليه وقرأته، كذلك قرأت بعض كتب الرافعي وقرأت المساكين وأوراق الورد فوجدت أن أسلوبه صعب جداً وراقٍ، وإنما قدّ من صخر، حاولت أن أحفظ لكن لا فائدة، إنما رجعت وقرأت كتاب (تحت راية القرآن)، و(وحي القلم)، فشعرت بالإعجاب لروحه الإيمانية وأيضاً لسمو أفكاره، وتلك الكتب ربما تكون من أفضل ما كتب .

 

أصبحت عادة

وأردف فضيلته : والآن أصبحت القراءة بالنسبة لي عادة، حيث أقرأ الكثير يوميا، واليوم الذي لا أقرأ فيه أشعر أن هناك نقصًا، وكأن الإنسان لم يأكل هذا اليوم أو لم يشرب، حيث يشعر أن نموه يتم من خلال مواكبة الجديد، حتى القراءة في الانترنت، وإن كنت لا أدخل الانترنت إلا قليلاً، لكني وثيق الصلة في الإنترنت من خلال أن كثيراً من الأشياء الجديدة يتم إيصالها إليّ بطريقة أو بأخرى، وأطلع عليها .

وأتعرف على الجديد في المعرفة، من المعلومات، والبحوث، و المطبوعات، فضلاً عن الكتب الجديدة، سواء في التخصص الشرعي أو في جانب الأدب والشعر، حيث إني من هواة الشعر لكن الشعر الشعبي "نص ونص!!"، لكن الشعر العربي أحرص عليه، ولا زلت أحفظ بعض القصائد، منها ما حفظته مؤخرا، ومع ذلك  لا شك أن الحياة تأخذ الإنسان كثيراً عن القراءة .

 

العودة..والقراءة النقدية

وردًّا على سؤال، حول : متى تولدت عند فضيلتكم القراءة الناقدة ؟، قال الشيخ سلمان : في المحاضن التربوية، فعادةً يعلم الشيوخ الإنسان أن لا يقرأ شيئاً إلا بتزكية، فإذا شب الإنسان عن الطوق وأصبح بمتناوله أن يقرأ، وعنده هذه الروح، فكأنه يقرأ بشيء من الوجل والخوف أن يقع في الفخ، ثم بعد ذلك يصبح عنده قدرة أو جرأة أن يقرأ بأريحية؛ حيث قد تكوّنت لديه قاعدة جيدة، وعنده فرقان إن شاء الله تعالى في معرفة الخطأ من الصواب، فيصبح عند الإنسان قدرة على القراءة دون أن يكون أسيراً أو رهيناً لهذا المؤلف أن يوافقه في النتائج، يمكن أن تقبل، ويمكن أن تَرُدّ، ويمكن أن تتوقف.

وأضاف فضيلته: أن من الأشياء الإيجابية والتجديدية أنه عندما يقرأ الإنسان المتخصص في العلوم الشرعية -مثلاً- في علم النفس أو يقرأ في علم الاجتماع أو في علم الاقتصاد أو الإدارة وبعض المعارف الحديثة، يحاول أن يقتبس بعض المعلومات والأفكار الصحيحة، ويضفي عليها الطابع الشرعي، ويوظفها توظيفاً شرعياً، فتبدو نوعاً من التجديد بينما هو ليس إلا ناقلاً أخذ من هنا، ووضع هنا، وقال: ألفت أنا !

نحن..وآباؤنا

 

وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن آباءنا وأجدادنا أحسنوا تربيتنا، وهم لم يقرؤوا، بينما مثقفو اليوم نعاني منهم وهم يقرؤون، قال الشيخ سلمان : هم قد يكونوا قرؤوا، فعندما نرجع إلى مفهوم القراءة، نجد أنهم قرؤوا كتاب الحياة، وقرؤوا التجارب، واستفادوا منها، وتعلموا، وسمعوا من الآخرين واستفادوا، ومع ذلك نحن لا نقول: إن ما كان عليه الآباء والأجداد هو الصورة المثالية التي علينا أن نبحث عنها، لأن هناك أشياء ومتغيرات كثيرة جداً غيّرت البناء الاجتماعي ؛ ولذلك هناك صورة أرقى وأسمى، والقراءة هي واحدة من الدواعم، أو الأشياء التي تدعم التميز لهذا الجيل، وتقوي إيمانه بالله -عز وجل- .

وأضاف فضيلته أن هذا هو دور الأسرة، فهناك مثل، يقول : (أعط أبناءك نصف ما تعطيهم الآن من المال لكن أعطيهم ضعف ما تعطيهم من الوقت)، فهنا نحن الآن نواجه مشكلة المادية والطفرة والدلال للأبناء، والغفلة عنهم في الجوانب التربوية، وتركهم أحياناً لمؤثرات أخرى .

 

 

تأثر..ومجتمع لا يشجع

 

وردا على سؤال، يقول : هل لابد أن يتأثر الإنسان ويتغير عقب كل كتاب يقرأه ؟، قال الشيخ سلمان : إن الذي يقرأ لابد أن يتأثر، تأثُّرًا -إن شاء الله- إيجابيًّا بطبيعة الحال، سواء شعر بهذا التأثر ولاحظه أو لم يشعر به، لكن مع التراكم يقع له هذا التأثير.

وتعقيبًا على مداخلة تقول : نحن مجتمع لا يشجع على القراءة، قال الشيخ سلمان : هذا من حيث الجملة صحيح، فالقرآن الكريم يحث على القراءة، في حين أن المجتمع والآباء والأمهات في كثير من الأحيان ربما لا يرتاحون أن يجدوا أبناءهم قارئين، كذلك تشير أصابع الاتهام إلى المدارس التي هي مؤسسات للتربية والتعليم ؛ فكثير من المدارس لا يوجد بها مكتبات، فإن وجدت فكم عدد الذين يستعيرون الكتب ؟، وما هي نوعية الكتب التي يستعيرونها ؟، وما هو المجهود الذي بذلناه من أجل تنمية مهارة القراءة عند الأبناء ؟

وأضاف فضيلته أن فكرة أن الذي يقرأ يصاب بأمراض نفسية،  لا تكون إلا لمن يقرأ كتباً غير مناسبة له أو كتباً تثير شبهات عنده، أو كتباً فوق مستواه، فربما يقع له مثل ذلك، فعلى الإنسان أن يختار أن يقرأ ما يناسب مستواه وفهمه وعقله وتكوينه .

 

كتب التراث

 

وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن كتب التراث لا زالت كما هي، فماذا لو أعيدت صياغتها بما يناسب القراء، خاصة فيما يتعلق بكتب السيرة النبوية؟ قال الشيخ سلمان : إن كتب التراث الإسلامي بأمَسِّ الحاجة إلى صياغة عصرية حديثة، وتقريبها للجيل الجديد، مُشِيرًا إلى ضرورة إعادة صياغة هذه الكتب لتناسب القراء .

وأضاف فضيلته : إن هناك إعادة صياغة لكتب التراث بالفعل، فهناك كتاب للدكتور عبد الوهاب الطريري اسمه (قصص نبوية)، وهو كتاب رائع جداً بلغة عصرية لمجموعة من المواقف، كما أن هناك كتابًا أخر اسمه (المشوق في القراءة وطلب العلم) للأستاذ علي العمراني، وهو من الكتب التي ننصح أولادنا وبناتنا بقراءته، وكذلك كتاب (القراءة المثمرة) للدكتور عبد الكريم بكار، وهو من الكتب المفيدة في هذا الإطار .

 

 

ما الحل ؟!!

 

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن انتشار القراءة كفعل اجتماعي هو الضرورة والحل، قال الشيخ سلمان : لابد وأن تتحول القراءة إلى عادة، لافتا إلى أن دور القدوة مهم في الوصول إلى ذلك؛ من المدرس والمثقف والعالم والشيخ والفقيه، متسائلًا: لماذا لا نتعوّد أن نحمل معنا كتبًا حينما نذهب إلى المطار أو العمل، وأن يكون في السيارة كتاب، وكذا في المجلس، ليس فقط كديكور، وإنما نتصل بهذه الكتب ونرتبط بها .

وأضاف فضيلته: إن التعليم مقصّر في هذا الإطار، فلابد أن يكون هناك نشاط يتعلق بالكتب وقراءة الكتب وملخصات أو قراءة جماعية أو حوار حول كتاب، مشيرًا إلى أن بعض الشباب أسسوا في جامعة الملك سعود "نادي القراءة" وكنا على تواصل معهم؛ حيث استضافوا الدكتور عبد الكريم بكار، ودعوني مرة، لكن كنت مشغولًا .

 كذلك فإن هناك نموذجا آخر، حيث قامت إحدى الأخوات بإقامة مقهى إليكتروني في الرياض، وجعلت فيه مجالاً للقراءة واستعراض الكتب والتجارب، ولكنها أقفلت هذا المشروع، حيث صار هناك ظروف، ولم يوفّق هذا المشروع، وإلى الله المشتكى .

 

سطوة التصنيف

 وفيما يتعلق بما يسمى بـ"سطوة التصنيف"، والحثّ على القراءة من قِبَلِ أشخاص قد يصنفون، قال الشيخ سلمان : هذه مشكلة أيضا، فأحيانا توجد كتب مفيدة ولكنها غير مُغْرِية، فقد يكون الكتاب نافعاً لكن ليس فيه إغراء أو جاذبية للقراءة، بينما نحن بحاجة إلى وجود نوع من التشويق للقراءة، مشيرًا إلى أن القصة بذاتها مشوقة، فالقرآن الكريم به سورة كاملة هي سورة يوسف -عليه الصلاة والسلام-، وهي عبارة عن قصة، كذلك فإن قصص الأنبياء تأخذ جزءاً كبيراً جداً من القرآن الكريم .

وأضاف فضيلته: ينبغي أن نحرص على المتعة والفائدة معًا، وأيضاً التنوع والثراء في المعلومات، فهي ليست حِكْراً على وضع معين، كما أن المظهر بحد ذاته لا يكفي في الحكم على الشخص، فقد يأخذ الإنسان انطباعا سلبيًّا عن شخص ما، ولكن ربما تجالسه وتجده شخصاً متديناً مثقفاً مطلعاً ؛ ولذلك يقول الله -سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)

 

وللإعلام دور

وفيما يتعلق بدور الإعلام في التشجيع على القراءة من خلال تنظيم مسابقات لأفضل قارئ، قال الشيخ سلمان : إن هذا جزءٌ من الحملات التي يمكن أن نقوم بها، لكن الإعلام بحاجة إلى أن يلتفت إلى قضية الثقافة، فالعلاقة بين الثقافة والإعلام لاشك أنها علاقة متوترة، فالإعلام في الغرب ربما منحازٌ في الغالب إلى المتعة المحضة، لكن الإعلام في الشرق ليس له خيار أن يشارك في عملية التنمية والنهضة والبناء، وأن يكون حاضرا في المشاريع الإيجابية، ومن هنا فأن يتحوّل الإعلام إلى مجرد متعة فهذا ليس صحيحاً، ولكن ينبغي أن يشارك الإعلام في عملية بناء الحضارة وبناء النهوض وبناء العقول وبناء الثقافة .

 

تجربة كل كتاب

 وفيما يتعلق بمبدأ "تجربة كل كتاب"، وما نقل عن العقاد أنه طلب ذات يوم كتاباً من أحد الباعة، فتعجب البائع وقال: كاتبنا الكبير يقرأ مثل هذا الكتاب التافه ؟ فقال له: قد حكم الناس على تفاهته من منظورهم فدعني أحكم عليه من منظوري، قال الشيخ سلمان: هو يرفض أن يقلد الناس في أحكامهم على الأشياء، ولكن يريد أن يحكم عليه من منظوره الخاص، كما أنه لا أحد أكبر من أن يستفيد، ولا أحد أقل من أن يُفيد، فأحياناً قد تجد الفائدة في غير محلها وفي غير ما تتوقع أن تكون فيه .

 

متعة القراءة

وتعقيبا على مداخلة تقول: إن الشعور بأن القراءة هي متعة حياة لا تأتي بين يوم وليلة، وإنما تأتي بممارسة وضغوط وبقسر النفس على عادة القراءة، وهذا قد يكون فيه تعب في أول المرحلة، قال الشيخ سلمان : أكيد، ولكن على الإنسان أن يختار الكتاب الصغير حتى يتدرب، كذلك يختار الكتاب الممتع والجذاب، كذلك من الممكن أن يستفيد الإنسان من طريقة "كتابة الفوائد" ويسجل على طُرَّةِ الكتاب أو في الصفحات الأولى الفارغة من أول الكتاب ومن آخره كل الفوائد التي ظفر بها، فإذا رجع إلى الكتاب قرأ ما كتبه فكأنه قرأ الكتاب مرة أخرى .

 

التحريم لا يعد طلاقا

وردًّا على سؤال حول : ما حكم مَنْ طلقها زوجها ثلاث طلقات، واحدة منها لم يصرح بلفظ الطلاق، وإنما قال : "تحرمين علي"، قال الشيخ سلمان :الراجح في هذا أنه لا يُعَدُّ طلاقاً وإنما يُعَدُّ يميناً، ودليل ذلك في القرآن الكريم قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) (التحريم: من الآية1) ثم قال الله -سبحانه وتعالى- (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)(التحريم: من الآية2) فأَخَذَ من هذا من أخذ أن لفظ التحريم لا يُعَدُّ طلاقاً، والمسألة فيها خلاف عريض، لكن الأقرب أن لفظ التحريم لا يُعَدُّ طلاقاً، وإنما يُعَدُّ يميناً مُكَفِّرَةً، فيُطعم عشرة مساكين .

 

مطعم في نهار رمضان

وردا على سؤال، يقول : عندي مطعم في بلد أجنبي، وأضطر إلى فتحه في نهار رمضان، قال الشيخ سلمان : مادام الذين يشترون منك هم من غير المسلمين أظن أنه لا حرج عليك في ذلك، ولا بأس وأنت صائم والحمد لله .

 

وقفة قرآنية

ثم انتقل الشيخ سلمان، إلى وقفة قرآنية مع قوله تعالى (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) سورة الجمعة، حيث فيها التسبيح لله بلفظ الفعل المضارع (يُسَبِّحُ) مما يدل على ديمومة هذا التسبيح واستمراره ودوامه، وأن ما في السماوات وما في الأرض يسبحون الله تعالى ثم قال : (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)، (الْمَلِكِ) : الذي له كل شيء.. يملك كل شيء. ثم قال : (الْقُدُّوسِ) المتنزه عن النقص، وفيه إشارة إلى أن من شأن المُلك أحياناً أن يُفْضِي بأصحابه إلى نوع من الخطأ أو التجاوز أو الظلم، فالله تعالى نزّه نفسه عن ذلك، وأثبت له كمال الملك، وكمال القدسية والعظمة .

 ثم قال : (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، فالعزيز: الذي عزّ وغلب سبحانه، وقرن ذلك بالحكيم، فعزته سبحانه مقرونة بالحكمة، حيث إن كثيرًا من الناس إذا عزّوا في الدنيا ربما تهوروا أو اندفعوا أو فقدوا الحكمة، أما الله -عز وجل- فقرن عزته مع الحكمة، فكل ما يصدر عن عزته فهو مُتَّصِفٌ بالحكمة، ثم قال سبحانه : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ)(الجمعة: من الآية2) وسماهم بـ(الْأُمِّيِّينَ) ؛ لأنهم كانوا لا يقرؤون ولا يكتبون كما ولدتهم أمهاتهم، والنبي -عليه والسلام- قال ذلك « إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ »، لكن هنا قال (فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(الجمعة: من الآية2)، فذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم الكتاب، فيتحولون من أُمِّيِّين إلى علماء، وإلى قادة للشعوب والأمم، وإلى زعماء للحضارة، كما حصل في التاريخ، وبناةٍ للمجد .

 

العلم والمعرفة

 فهنا تلاوة الآيات القرآنية، والتزكية؛ لأن العلم والمعرفة والقراءة المقصود منها في النهاية هو صياغة الحياة وجمالية الحياة، بحيث تكون الحياة جميلة بالمشاعر الصادقة في الداخل، وبالأقوال الجميلة على اللسان، وبالأفعال الطيبة أيضًا في واقع الحياة، وبالعلاقات الرطبة ما بين البشر بعضهم وبعض، قريبهم وبعيدهم، فهنا قال : (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) الكتابة، العلم، المعرفة، القرآن، القراءة، (وَالْحِكْمَةَ) والحكمة: أبعد من الكتاب، وأبعد من الكتابة، فالحكمة هي البصيرة والمعرفة والتجربة (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(الجمعة: من الآية2).

 ثم قال سبحانه : (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الجمعة:3) فهؤلاء الذين صحبوا النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصحابة لهم هذه المنزلة والمقام العظيم الرفيع، واختيار الله تعالى لهم، فهم خير القرون وأفضلها، لكن قال الله تعالى : (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : إما آخرون من العرب، وإما آخرون من الشعوب الأخرى، مثلما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد وضع يده على سلمان الفارسي : « لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاَءِ » فيشير هذا النص إلى أن أجيالاً وأجيالاً من العرب القادمين ومن غير العرب منهم أمم العالم وشعوبه سوف يلحقون بهم؛ لأنه قال : ( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ )، و (لَمَّا) في اللغة العربية تدل على أن الشيء لم يحصل ولكنه سيحصل قريباً، وأنه على وشك الحصول، فقال (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي : سوف يلحقون بهم .

وأردف فضيلته: ومن هنا نلاحظ أن هؤلاء الناس الذين وُصفوا بأنهم أميّون، أصبحوا مهيئين ومرشحين لقيادة شعوب العالم، وآخرين من شعوب العالم لم تلحق بهم، لكنها سوف تلحق بهم عما قريب في الاستقامة والالتزام. وهذه السورة ذكرت (الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) (الجمعة: من الآية5) فوصفهم الله تعالى بمنظر تمثيلي، وهو منظر الحمار وهو يحمل الكتب :

زَوامِلُ لِلأسْفَارِ لا عِلمَ عِندَهُم *** بِجَيِّدِها إِلّا كَعِلمِ الأَباعِرِ

لَعَمرُكَ ما يَدري البَعيرُ إِذا غَدا *** بِأَحْمَالِهِ أَو راحَ ما في الغَرائِرِ

فإذا كان الإنسان لديه العلم و المعرفة ولكن هذا العلم لم يتحوّل إلى توظيف إيجابي، وإلى استثمار في قول أو فعل أو خلق أو سلوك أو نبل أو مجد .. فهنا لا يكون منتفعاً أو مستفيداً من هذا العلم، بل يكون هذا العلم حجةً عليه وليس حجةً له .

 

 

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
1- بن علي زهير   |  
ًصباحا 01:04:00 2009/09/03
بارك الله للشيخ علي هذا الموضوع الهام و يا حبذا لو أسعار الكتب تنخفض

2- عهود   |  
ًصباحا 08:31:00 2009/09/03
القراءة.. من أجمل ما قد يمارسه المرء في يومه.. جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل..

3- زغرير   |  
مساءً 11:07:00 2009/09/04
الله أكبر

4- فاتن   |  
ًصباحا 04:36:00 2009/09/05
الله يفتح عليك سعادة د. سلمان .. والله رجعت لي الحماس للقراءة من جديد والتي تركتها منذ عدة سنوات رغم اني كنت منذ الطفولة شغوفه بها ولدي مكتبه تعج بالكتب المتنوعه ولكني تركتها لمشاغل الحياه وتغيراتها!! سأعود لها الآن بإذن الله تعالى وادعوا لذلك من حولي وجزاكم الله تعالى خيراً

5- يحي   |  
ًصباحا 12:32:00 2009/10/02
نشكركم على الموضوع

6- جمال   |  
ًصباحا 12:42:00 2009/10/02
الشكر الجزيل

7- محمد ؟؟؟   |  
ًصباحا 08:42:00 2011/08/18
الله يبارك لك في نفسك الله يبارك لك في عملك الله يبارك لك في جهدك الله يبارك لك في وقتك الله يبارك لك في علمك الله يبارك لك في صحتك الله ييارك لك في ابنائك الله يبارك لك في في طاعة الله ورسول الله يجزاك الف خير يافضيلة الشيخ انا من المعجبين بك وبي اسلوبك الجميل وراقي وانا والله احبك في الله ..............

8- محمد ؟؟؟   |  
ًصباحا 08:46:00 2011/08/18
الله يبارك لك في نفسك الله يبارك لك في عملك الله يبارك لك في جهدك الله يبارك لك في وقتك الله يبارك لك في علمك الله يبارك لك في صحتك الله ييارك لك في ابنائك الله يبارك لك في في طاعة الله ورسول الله يجزاك الف خير يافضيلة الشيخ انا من المعجبين بك وبي اسلوبك الجميل وراقي وانا والله احبك في الله ..............

الصفحة 1 من 1

الشروط الخاصة بالتعليق
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- الهجوم على أشخاص أو هيئات.
2- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
3- لايناقش فكرة المقال تحديداً.
4- إذا كان جهازك لا يدعم العربية اضغط هنا
اضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم