دعا فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة -المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم"- إلى ضرورة عدم استغلال بعض الأطراف لمحاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف، لإقصاء الطرف الآخر، مشيرا إلى أن عملية الاستغلال ليست عملية إيجابية، مؤكدا على ضرورة أن يعالج الحدث بذاته بشكل واضح وسافر وبيّن .
وقال الشيخ سلمان - في حلقة أمس الأربعاء من برنامج "حجر الزاوية "، والذي يبث على فضائية mbc -إنه في مثل هذه الأزمات التي تضرب المجتمعات يجب على كل الأطراف و التيارات المتنافرة أن لا تسعى إلى استغلال الحدث أو الأزمة وتحويلها إلى نوع من التجاذب، وأن يحاول كل طرف استثماره لإقصاء الطرف الآخر .
الصَّوْتُ الوَسَطِيُّ..مَسْمُوعٌ
وأضاف فضيلته أن مثل هذا الاستغلال هو نوع من عدم الإيمان بمصداقية الحدث والتعامل معه بشكل واقعي، موضحًا أن الصوت الوسطي لا يحتكره أحدٌ.
جاء ذلك تعقيبًا على مداخلة من أحد المشاركين في البرنامج تقول: أشكرُ الشيخ سلمان أن أظهَرَ الصوت الإسلامي الوسطي خلال الحادثة التي وقعت قبل أيام، في حين أن هناك أصواتًا خرجت تقول صراحة: نعم للفكر التغريبي بدلًا من الفكر التكفيري، فهل يُعقَل أن تخرج مثل هذه الأصوات في هذه الأزمة؟!
وتعقيبًا على مداخلة أخرى تقول: إن الإعلام وخاصة الصحافة السعودية هي صوت أحاديٌّ فقط، حيث لم نجد الأصوات الإسلامية يُفتح لها المجال لكي تخرج وتقول صوتها وتندد وتستنكر ما حدث، قال الشيخ سلمان: لقد تصفحت الصحف ومنها جريدة "المدينة" على سبيل المثال، فوجدت أن هناك عشرات المقالات لمشايخ وعلماء ودعاة وأدباء وصحفيين وأساتذة جامعات ومثقفين وغير ذلك؛ فالصوت الذي يرفض هذا العمل مسموعٌ، سواء كان يرفضه من منطلق شرعي أو منطلقٍ وطنيٍّ.
مدرسة الخسران
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور العودة أن المدرسة التي تعلم فيها الشاب تفجير نفسه في مجلس الأمير محمد بن نايف، نائب وزير الداخلية السعودي، لم يتعلم منها الرشد وإنما تعلّم منها خسارة الدنيا والآخرة.
وقال فضيلته : لقد شاهدنا البارحة وسمعنا المكالمة ما بين الأمير محمد بن نايف وما بين الشاب الذي انتحر بتفجير نفسه، مشيرا إلى أن اللافت للنظر أن هذا الشاب كان إماماً في مسجد وكان يوزع أشياء مما يتعلق بإفطار الصائم على الناس في الأماكن المختلفة، كما أنه في مقتبل العمر، و هو لا شك دخل مدرسة وتعلّم منها، لكن لم يتعلم منها الرشد وإنما تعلّم خسارة الدنيا والآخرة .
شهادة لله
وأضاف الشيخ سلمان : أنه حينما أقول هذا أشعر بدافع أن الكثير من شبابنا في مثل هذا السن، وأنهم بحاجة إلى أن يسمعوا مثل هذا الكلام، يقال لهم على الأشهاد وعلى الملأ، ويُشهد عليه الله، مؤكدا أن هذا الكلام من دافع الإيمان بالحقيقة، والخوف على الأجيال، وليس محاباة لأحد ولا غير ذلك ، مؤكدا أن التعليم عندما يكون تعليماً رشيداً يأخذ بالإنسان إلى الصواب .
وتابع : لقد كان الشاب يتحدث عن أن رمضان فرصة لنقلة، وبناء على الحدث تبيّن أن هذه الكلمات كانت ملغومة، فقد كان يتحدث عن رمضان وقدسية الشهر الكريم، بينما الصوت الآخر كان يتحدث عن الاهتمام بالمرأة والأسرة وبالوالدين ولا شك أنه في النهاية هذه أمور الكل يلاحظها .
مَفْهُومُ التَّعَلُّمِ
وعلى جانبٍ آخر، قال الشيخ سلمان -في هذه الحلقة من البرنامج، والتي خُصِّصت للحديث عن "التعلم": إن التعلُّم هو عملية تغيير، وكثيرًا ما يعبرِّون عن التعلم على أساس أنه تعلم داخل المدرسة، أو داخل مدرسة الحياة، فالتعلُّم يُحدِث التغييرَ المطلوب في نفس الإنسان والانتقال بدءًا من الطفل الذي يتعلَّم كيف يقول كلمة "بابا أو ماما" إلى الطفل الذي يتعلَّم كيف يكتب هذه الكلمة، إلى الشاب في الجامعة الذي يتعلَّم مهارة، إلى الرجل في ميدان الحياة الذي يتعلَّم الخبرة والتجربة، يقول تعالى: " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ".
وأضاف فضيلته أن التغيير سنةُ الله تعالى في هذا الكون، والإنسان يتغيَّر سواء شعر بذلك أو لا، فعادةُ الإنسان أنه يُراقب تغيُّر الآخرين، ولكنه لا يتفطَّن إلى تغيُّرِه هو.
وضرب فضيلته مثالًا لعدم شعور الإنسان بما يحدث له من تغيير بذلك الطفل الذي كان يقول: إذا كَبرَ أولاد الحارة فمع مَن سوف ألعب؟! فهو يتخيَّل أن الناس يكبرون لكن هو في حاله.
تَغيِيرٌ مُسْتَمِرٌّ
وأوضحَ الدكتور العودة أن التعلُّم لا يعني التغيير فقط، ولكنه تغيير مستمر، فعملية التغيير ليست مؤقتةً، وإنما هي عملية مستمرة دائمة بديمومة الحياة كلها كما يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ"، فهي عملية مستمرَّة في هذه الحياة، فالإنسان كلَّ يوم ينشأُ له عقل، كما قال العقاد:
فَفِي كُلِّ يَوْمٍ يُولَدُ الْمَرْءُ ذُو الْحُجَى *** وَفِي كُلِّ يَوْمٍ ذُو الْجَهَالَةِ يُلْحِدُ
وكلَّ يومٍ يكتسب الإنسان أخلاقًا، وعاداتٍ، ومهاراتٍ، وأنماطَ تفكيرٍ، وتجارب في الحياة بشكل دائم ومستمر حتى عند الموت، وكان الإمام أحمد يقول: "مع المحبرة إلى المقبرة "، كما أن الطبري -رحمه الله- عندما كان في مرض الموت وذُكر له حديث أمر بالورق والكاغد وكتب هذا الحديث، قالوا: في هذا الوقت؟! قال: نعم، العلم في كل وقت، أو ليس له وقت.
الْمُحَاضَرَةُ الْأَخِيرَةُ
وذكر الشيخ سلمان أن هناك العديد من القصائد الشعرية قيلت على فراش الموت وتعتبر من غُرر ودُرر الشعر، مثل: عبد يغوث الحارثي في الجاهلية، ومالك بن الريب، ومصطفى السباعي وغيرهم، مشيرًا إلى أنه يوجد في الغرب ما يسمى بـ" المحاضرة الأخيرة" حيث يأتون لشخص يعيش في آخر أيام عمره ويعملون له محاضرة، لافتًا إلى أن "راندي بوتش" وهو عالم أمريكي أقاموا له محاضرةً في جامعة كارنيجي وكانت مصوَّرة، وكتب كتابًا عن سيرته الذاتية، والمحاضرة موجودةٌ صوتًا وصورة مع الكتاب في سي دي، لافتًا إلى أنه في مثل هذه الحالات يشعر الإنسان بالدهشة والعجب أن رجلًا عنده مثلًا ثلاثة أطفال وعنده زوجة وهو يعيش لحظاته الأخيرة كيف يتكلَّم عن الحياة، وكيف يتماسك، بل كيف يبدو مرحًا خلال هذا العمل وخلال هذا الإنجاز.
وأكَّد فضيلته أن التعلم عملية تتميز بالاستمرارية، فلا يتوقف الإنسان بسبب أنه بلغ مكانة علمية معينة، أو بلغ مرحلة سنِّيَّة متقدمة، أو كما يقولون: "شَابَ قرناها"، أو أن يشعر الإنسان أنه بلغ مرحلةَ الكمال، وأنه لم يَعُدْ بحاجة إلى أحد أو لم يعد بحاجة إلى شيء، مشيرًا إلى أن التعلُّم هو عملية تغيُّر أو تغيير، وهذا التغيير مستمرٌّ، وهو أيضًا سلوكيٌّ في سلوك الكائن أو في سلوك الإنسان، فيكون التغيير في سلوكه أيضًا، سواء أكان:
1ـ تغييرًا معرفيًّا : من خلال تعلمه أن يكتب أو تعلُّم مهارات التفكير.
2ـ تغييرًا مهاريًّا: من خلال المهارات والإبداعات والأعمال الحركية التي يتقنها هذا الإنسان.
3 ـ تغييرًا وجدانيًّا: أو تغييرًا يتعلَّق بالميل والوجدان، مثل كون الإنسان أصبح يميل إلى شيء أو يميل إلى ضدِّه، وهذا شيء يمكن اكتسابه، مثل أن تعتادَ أذن الإنسان على صوت جميل، أو على لفظ جميل، وكلما اعتادت عليه كلما أصبحت أكثر ذوقًا وأكثر قابليةً له؛ ولذلك فإن السلف -رحمهم الله- كانوا يخلطون ما بين المعرفة والسلوك، وكان الحسن البصري يقول: "إن الرجل ليطلب العلم فما يزال حتى يُرى العلم في سلوكه وسمعه وبصره وتَخَشُّعِه وعمله".
الحيوان يتعلّم أيضا !!
وأردف الدكتور العودة أن هذا التغيير المستمر ليس في سلوك الإنسان فقط، ولكن أيضا في سلوك الحيوان، فالحيوان يتعلّم أيضا، فالله -سبحانه وتعالى- ذكر الكلاب )تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) والنبي -صلى الله عليه وسلم- فرّق بين الكلب المعلّم والكلب غير المعلّم، كما أن كل الحيوانات لها قدرة على أن تتعلّم الشيء الكثير.
لكن الإنسان يختلف من حيث كمّ المعلومات التي يستطيع الحصول عليها من حيث كيف المعلومات أيضاً، ومهارات التفكير العليا التي يتميّز بها هذا الإنسان، ودوافع التعلّم، فدوافع الحيوان للتعلّم هي دوافع بيولوجية أو فسيولوجية تتعلّق بجانب فطري، قد يكون المحافظة على الحياة مثلاً ؛ ولذلك نظرية "بافلوف" المعروفة في التعلّم الشرطي. لكن الإنسان يتعلّم بدوافع إيمانية، وعقلية، واجتماعية فهو أوسع مدى.
وسائل..وتجربة
وأوضح فضيلته أن التعلّم الذي يتعلّمه الكائن الحيّ، الإنسان أو الحيوان، يكون من خلال عدة وسائل :
1 ـ خبرة أو تجربة : وعلى سبيل المثال: الإنسان إذا لسعته النار يعرف أن النار حارّة وتلسع، وهنا تأتي قصة موسى -صلى الله عليه وسلم- بحضرة فرعون وما يتعلق بالحبسة التي في لسانه، إضافة إلى الخبر.
2 ـ الممارسة : وهي خبرة أيضاً، ولكنها منظمة نوعاً ما، مثل: أن يمارس الإنسان الكتابة أو الإلقاء أو الإدارة حتى يتعوّد عليها .
3 ـ التدريب: مثل حضور دورات تدريبية في التدريب على الحاسوب مثلاً أو على جوانب إدارية فيحصل الإنسان على خبرة كاملة، وهذه تقريباً هي خلاصة مفهوم التعلّم .
وتعقيباً على مداخلة، تقول: إن التعلم عبارة عن تجربة كبرى قد نخفق فيها وقد ننجح، قال الشيخ سلمان: لا شك أن التعلم مبناه على الاكتشاف، و المحاولة، والتأكد، بحيث أن الإنسان ربما يكرر التجربة حتى يتأكد من مصداقيتها أو من فشلها ؛ ولذلك يقولون دائماً بالنسبة للتجربة ليس الفشل هو أن الإنسان يُخفق ولا يصل إلى نتيجة؛ لكن الفشل هو أن يتوقف الإنسان عن التجربة و المحاولة .
عملية تبادلية
وفيما يتعلق بالربط لابد بين التعلم ومدى قدرة البيئة المحيطة على التعليم، قال الشيخ سلمان: إن عملية التعلم والتعليم فيها جانب تبادلي بين الطرفين، فالطالب يتعلم والمعلم أو المدرس يقوم بالتعليم، ولكن التعلّم يختلف عن التعليم:
1 ـ التعلّم مهمة ذاتية:
أو عملية ذاتية تعتمد على كفاءة الإنسان وعلى قدرته واستثارته لدوافعه الخاصة وفاعليته؛ ولذلك يقولون مثلاً: إن الطفل أحياناً إذا أردنا أن نعلّمه كيف يستخدم هذا الجهاز وكنا بقربه ربما يرتبك ولا يستطيع أن يتقن التعليم، لماذا؟ لأننا نستعجله أن يتعلّم ولذلك نملي عليه بعض الخطوات، بينما لو تركناه يتعلّم بذاته يمكن يكون أسرع لأنه يحاول بالراحة ولا يشعر بأن أحداً يراقبه فيترتب على ذلك أنه يتعلّم بشكل جيد .
2 ـ التعلّم هو الحياة:
فهو ليس مرتبطاً فقط بالمدرسة، ولكن التعلّم هو الحياة، مشيرا إلى كتاب للأستاذ مصطفى السباعي اسمه " هكذا علمتني الحياة "، فالتعلّم مدرسة نتعلم فيها الحلم، والصبر، والخير، والأخلاق، والمهارات، و الأفكار، و التجارب البشرية .
التعلم الذاتي..وقطاع غزة
وتعقيباً على مداخلة، تقول : إنه إذا عجزت أدوات التعليم لظرف ما قد يكون ظرفاً طارئاً تبرز هنا قيمة التعلم الذاتية، هو ما يحدث الآن في بعض الأماكن مثل قطاع غزة نتيجة الحصار الظالم المفروض عليه ، قال الشيخ سلمان: إن أحد أهم الأسباب التي تدعونا للحديث عن التعلّم وأهميته،"التعلم الذاتي" سواء كان تعلم الفرد أو تعلم المجموعة أو حتى تعلم المجتمع هو ضعف التعليم في عالمنا العربي والإسلامي، مشيراً إلى أنه وإذا كان أطفال غزة بسبب ظروف الحصار والحروب الغشوم الظالمة عليهم وصلوا إلى هذا ومع ذلك أثبتوا قدراً من التعلّم وقامت حتى بعض القنوات الفضائية بتعليم أطفال غزة وتعويضهم عن غياب المدرسة ونصبوا الخيام.
مؤكداً أن الخوف إذا كان أكبر من قدرة الإنسان وأكبر من تحمله تحول إلى هروب، لكن إذا كان هذا الإنسان جديراً وخليقاً فإنه يقبل التحدي وينجح في الميدان. وهذا ما حصل مع أهل غزة.
التعلم..في القرآن الكريم
وفيما يتعلق بالحث على التعلم في القرآن الكريم، قال الشيخ سلمان: إن هناك الكثير من الآيات التي تحدث على التعلم، بل يكاد أن يكون القرآن كله حديثاً عن هذا، ومثال ذلك : قصة آدم عليه السلام (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) فالله تعالى منح آدم حين خلقه القدرة على التعلّم و الاكتشاف ، لافتاً إلى أنه ليس المقصود بالاكتشاف هنا التقنية والاختراع.
كذلك فيما يتعلّق بقصة أصحاب الكهف الله I يقول : (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، وفي الآية إشارة إلى أن فيما يخلقه الله تعالى وفيما يبدعه مما يوحي للناس أو يجعلهم يتعلمون ويقتبسون ويكتشفون بأنفسهم وبحقائقهم (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا).
موسى والخضر
وأشار فضيلته إلى قصة موسى والخضر وقال: إن فيها الكثير من العجائب، فموسى عليه السلام عندما سئل في البداية من هو أعلم أهل الأرض ؟ قال : أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يتواضع وأن يظل طالباً للعلم، فلا يزال الإنسان عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل، ثم قال الله له: إن عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، فذهب موسى لطلب العلم، وهذا أيضاً من التواضع والسفر لطلب العلم، وعندما لقي موسى العبد الصالح، (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ) فهنا يتعلم الإنسان الأدب في العرض.
ثم قال: (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ)، وهنا تتضح الفاعلية والرغبة الموجودة عند موسى r وهو يقول : (أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ) ، فالعلم واسع وليس له نهاية، كما أنه بحر ليس له ساحل، ولم يقل : (أَنْ تُعَلِّمَنِ ما عُلِّمْتَ) وإنما (مِمَّا)، أي بعض ما عُلمت، ولهذا كان الخضر يقول لموسى : (يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِى وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ) ثم يقول : (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) وهذا يدل على أن التعلم يمكن أن يكون إيجابياً ، كما قد يكون سلبياً، فموسى r يطلب الرشد أي العلم الإيجابي وإلا قد يتعلّم الإنسان الشر والفساد .
فروق فردية
وأوضح فضيلته أن قصة موسى والخضر، تؤكد على ما يسميه علماء النفس بـ"الفروق الفردية"، فقد كان الخضر يقول لموسى أنا على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك إياه لا أعلمه أنا، وعلى ذلك فإن التعلّم يؤكد على:
1 ـ أهمية ما يسمى بـ"الفروق الفردية" بين المتعلمين.
2 ـ الصبر: يقول تعالى (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) ، فعندما يتعلم الإنسان الأشياء، ويكتشف دوافعها وحقائقها فيكون أصبر من أن يكون الأمر مجرد تلقين له .
سليمان والهدهد
ثم انتقل الدكتور العودة إلى قصة سيدنا سليمان r ، والهدهد، وما فيها من تعلم لإنسان من الطير، والحيوان، بل حتى من الجاهل، قد يتعلّم الإنسان منه .
وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلاً: إن أحد السياسيين أعلن عن موعد لخطبة خطاب سياسي، وجلس ينتظر فلم يأتِ إلا واحدٌ فقط، فانتظر وما جاء أحد، فشاور هذا الرجل وقال له : ما رأيك ؟ نلغي الموعد أو نلقي الخطاب؟ فقال له الرجل : أنا فلاح لا أعرف في السياسة شيئًا، ولكن أنا في الزراعة إذا أحضرت العلف وما حضر إلا بقرة واحدة أطعمها، فقام هذا السياسي وخطب، وارتجل، وتكلّم ساعة ونصف الساعة، وعندما انتهى جلس عند هذا الفلاح وقال له : كيف رأيت الخطاب ؟ قال الرجل : أنا فلاح، لا أعرف في السياسة شيئًا، ولكني علمت في الزارعة أنه إذا أحضرت العلف وما جاء إلا بقرة واحدة فإني لا أطعمها كل العلف الذي معي! فهنا نقل الخبرة والتخصص من جهة إلى جهة، وكذلك التعلّم من الطيور ومن الحيوانات..! وهذه فيها كتب، مثل كتاب " كليلة ودمنة "، وهو كتاب معروف في هذا الجانب.
النبي يتعلّم
وقال الشيخ سلمان إن النبي r تعلّم أيضا :
1ـ من موسى : في قصة الإسراء والمعراج .
2ـ من ورقة بن نوفل : في أول الإسلام، وذلك عندما قال له ورقة : (إذ يُخْرِجُك قومك) .
3ـ من خديجة، فبعضنا يقول لا يمكن أن أتعلم من زوجتي، ويرى أن المرأة أقلُّ من أن يتعلّم منها، ولكن هذا إحساس عنصري فاسد .
4ـ من بعض أصحابه .
5ـ من أعدائه ، من فارس والروم، وما ورد في قصة (هممتُ أن أنهى عن الغيل) .
كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ربط التعلّم بالإيمان، فمن أعجب الأشياء التي تشد الإنسان في السيرة النبوية قول النبي r : « لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ » ، فالمؤمن عنده قدرة على الاستفادة من تجاربه، فلا يكرر الخطأ مرة أخرى، كما أنه في هذا الحديث ربط بين فاعلية العقل، وفاعلية الروح .
معوقات..ولكن ؟!!
وتعقيبا على مداخلة، تقول: إذا مُزِجَ عندنا الروح بالعقل، وأفرزت صبغة تعلّم جيدة، فإن مشكلتنا الكبرى داخل مجتمعنا أن هناك عوائق تحول دون تفعيل هذا التعلّم، قال الشيخ سلمان: إن كثيرًا من المجتمعات تُرَبِّي على التعلم، ولكن هناك مجتمعات أخرى تربي على التقليد والتلقين، وهذا جانب واضح جداً في الفرق بين المجتمعات الغربية والمجتمعات الشرقية، فالمجتمع الشديد التماسك- أسريا وعائليا- إلا أنه بحاجة إلى جرعات من تربية الناس على أن يكون عندهم قدرة على التعلّم بأنفسهم، وأن يتجاوزوا كثيراً من العوائق، ومنها:
1 ـ الكِبْرُ والحياء: وقد كان مجاهد يقول كما في صحيح البخاري : (لاَ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْىٍ وَلاَ مُسْتَكْبِرٌ) .
2 ـ العَجَلَة: وهذا يُقَاوم بالصبر، كما في قصة موسى عليه السلام .
3 ـ البرمجة السلبية: ومن ذلك أن نُبرمج أنفسنا برمجة سلبية، ونتكئ على ما يسمى بـ"الحظ"، مؤكدا أن هذا المعنى ينبغي أن نحاربه ونطارده.
وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلا: إن إحدى الفتيات أرسلت رسالة تقول فيها : إن حظي كحذائي، وأن والدها ذهب بها ولم يجد حذاءً يتناسب مع مقاسها، وأصبحت هذه مشكلة، وكانت تقول لوالدها: إن حظها كحذائها.. وتقول : قرأت في عينيه أنه يوافقني على هذا المعنى .
كذلك الآخر الذي يقول :
إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريحٍ: اجمعوه!!
ما الحـظ؟
وأضاف الدكتور العودة: لكن السؤال الذي يطرح نفسه :ما هو الحظ ؟ إنه:
أ ـ الكلمة الطيبة: فبدلاً من أن تقول: حظي كذا وكذا، نقول: حظي قائم، وحظي عامر، وأنا مُوَفَّق، حتى لو جاءت الإنسانَ مصيبة، فعليه أن يقول: هذه نعمة ومِنْحَةٌ من الله، لكنها جاءتني مُتَنَكِّرة .
ب ـ التفاؤل الإيجابي: كما كان النبي r يُعْجِبه الفأل ويكره التشاؤم .
ج ـ ضد معاتبة وظلم النفس: فبدلًا من أن يعاتب الإنسان نفسه ويظلمها، عليه أن يقول: هذا اليوم عملت شيئًا طيبًا، هذا اليوم أديت الصلاة في المسجد، هذا اليوم قمت بخدمة لوالدي، هذا اليوم قرأت من القرآن ما تيسر، هذا اليوم أطعمت مسكينًا، ولا بأس أن يقول الإنسان هذا لنفسه وبصوت مرتفع، فمن شأن ذلك أن يعطي معنى إيجابيًا في الإحساس، والإيجابية والتفاعل مع الأشياء التي من حولنا .
وأردف فضيلته : علينا أن نتعلّم حتى من الأعداء، فهناك الآن الكثير من الكتب المترجمة من العالم الغربي، وهذه الكتب فيها جوانب التنمية الذاتية، وفيها كتب تقوية الاعتماد بعد الله على النفس، مُشِيرًا إلى أنه ينبغي أن نتعلم من هذه الأشياء، وأن نستفيد منها .
وأضاف فضيلته: ولكن أيضًا ثمة وَضْعٌ دولي فيما يتعلق بثورة المعلومات الهائلة في العالم، والتي قد يبدو من الصعب جدًا أن نستطيع مواكبتها، وهي تستدعي أن يكون هناك تحفيز للآخرين على أن يُفعِّلوا عقولهم، ويقوموا بعملية التعلم الذاتي، فضلًا عن أن عملية التعلم الذاتي هي عبارة عن تربية مستمرة، فهي ليست خاصة بالطلاب الصغار وإنما عامة، كما كان يقول أبو الدرداء t وهو من حكماء الصحابة : " إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحلم بالتحلّم، ومن يتَحَرَّ الخير يُعْطَه، ومن يَتَوَقَّ الشر يُوقَه "، وكذلك النبي r يقول : (ومَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه الله)
لا للخوف!
4 ـ الخوف:
وتابع الشيخ سلمان: أن من معوقات التعلم أيضا: الخوف ، فهو شر ما يعوق الإنسان عن التعلم، مُشِيرًا إلى أن عقل أو مخ الإنسان مكون من مستويات وذكر منها:
1 ـ المخ الأعلى : وهو المتعلّق بالإنسانية والإبداع والإنجاز والعمل .
2 ـ المخ الأوسط: وهو المسؤول عن حماية الإنسان، فإذا كان الإنسان في حالة خوف مثلًا وهجم عليه أسد، فإن المخ الأوسط هو الذي يتحرك، لافتًا إلى أن الشيء الغريب والمدهش أن الله تعالى زوّد هذا المخ الأوسط بالقدرة على فصل التيار عن جميع جوانب المخ، والاشتغال وحده، فهو يلغي التفكير، حتى لا يكون عند الإنسان تشتت، بحيث إذا هاجمه عدو اندفع بقوة .
فالمخ الأوسط يعمل عند الخوف، فيتحوّل إما إلى مهاجم وإما إلى هارب، ومن هنا أحيانًا نتحوّل نحن إلى أن نحوّل الحياة إلى ميدان معركة، مُوَضِّحًا أن هذا خطأ كبير جدًا بسبب شدة الخوف من الأشياء، ولكن على الإنسان أن يُعوّد نفسه على الأشياء، وأن يقبل التحدي في مثل هذه الأمور، وأن نتعلم من النقد الصبر، والتسامح مع الآخرين، وأن تجعل هذا النقد في وضعه الطبيعي، ولا تعطيه أكبر من حجمه، بل أن تبني منه جسرًا، مثلما يقال في قصة البغل الذي سقط في البئر، وأراد الفلاح أن يردمه، فكلما أهال عليه التراب انتفض وركب على هذا التراب.. حتى وصل إلى الأعلى!.
تجربة فذة
وتعقيبا على مداخلة، تقول : إن المدارس عينها على الميدان، وأن هناك تجربة إلغاء السن، خاصة في المرحلة الجامعية، فنجد أن هناك طبيبا أو مهندسا يمارس عمله وهو في الثامنة عشرة من العمر! قال الشيخ سلمان : لابد أن تكون تجربة فذة، ولكن هذا لا يعني أن تُعَمَّم التجربة لكل الطلاب، لكن لابد أن يكون هذا النمط من التجارب موجودًا، وأن لا يكون الناس كلهم سواسيةً كأسنان المشط -كما يقال- وهذه التجربة فعلًا تجربة ثرية ومتميزة، وينبغي نشرها في أكثر من بلد وأكثر من تجربة، بل ينبغي تطوير التجربة ذاتها .
وأضاف فضيلته: هذه التجربة من شأنها أن تخرّج أناسًا يحققون أو يستجيبون لمتطلبات سوق العمل في مجالات الحياة المختلفة، بل أكثر من سوق العمل، وإنما سوق الحاجة إلى النهوض والنمو؛ لأن الأمة ليست مشكلتها فقط في البطالة، وإنما مشكلة التخلّف تتطلب مثل هذا العمل، لافتًا إلى أنه لا بد أن يكون هناك ما يُسَمَّى بـ"التسريع في المدارس العادية"، فأحيانًا يكون هناك مدارس هي ذاتها مدارس تسريع، فهذا ممكن، بل إنه مطلوب .
تعليم تعاوني
وفيما يتعلق بمهارات أو أنماط تعليم الأطفال، قال الشيخ سلمان: هناك العديد من مهارات تعليم الأطفال، منها:
1 ـ التعلم بالمحاولة والخطأ : ولكن خمسة آلاف تجربة كلها لا تؤدي إلى المطلوب، فهذا ليس فشلًا وليس ضياعًا .
2ـ التعلم باللعب: عند الأطفال الصغار، مثل الفك والتركيب والمحاولة هذه تربي الأطفال على أن يكونوا فريقًا واحدًا، كما تربيهم على التفكير واحترام نظام أو قانون اللعبة، والخيال الواسع، وذلك بدلًا من أن نكتفي بمجرد تلقين الأطفال في محاضننا التعليمية النظامية الكلام .
وأوضح فضيلته أن هناك أيضًا التعليم بالصحبة، أو ما يسمى بـ"التعليم التعاوني" وقد يكون هذا مستخدمًا في هذه المدرسة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما جاءه مالك بن الحويرث وقال: نحن شَبَبَةٌ متقاربون، فجلسوا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرين، ما بين يوم وليلة، فتعلموا الكثير وهم كانوا فريقًا، وكذلك المرأة التي جاءت للنبي -صلى الله عليه وسلم- تُهْدِي نفسها له فزوجها أحد الصحابة بما معه من القرآن، فنجد هنا علاقة زوجية مبنية على تعلّم وتعليم، يُعَلِّمُها وتُعَلِّمُه، فأعتقد أن هناك وسائل كثيرة جدًا يمكن أن تطور وتوظّف تقنياتها إلى ما يُسَمَّى بـ"التعلم الذاتي " .
التعليم الجيد
وتعقيبا على مداخلة من مشارك، تقول : إنهم في الغرب يركزون على التعليم الجيد، والرُّقِيّ بمستوى المعلم، في حين أننا نتبنى سياسة التكرار والجمود، قال الشيخ سلمان: لا بد من الاهتمام بالتعليم، ووَضْع سياسات للرُّقِيّ بمستوى التعليم في مجتمعاتنا، مُشِيرًا إلى أن وزارات التربية والتعليم تعتبر وزارات سيادية، فهي المسؤولة في الواقع عن حاضر ومستقبل هذه الأمة .
وأضاف فضيلته: إن التعليم ليس بناء مدارس، أو مجرد تخريج مدرسين، أو تكملة عدد، وإنما التعليم رسالة وهدف وفاعلية؛ حيث لا بُدَّ من وضع سياسات تعليمية تُرَبِّي الناس على التفكر، والتعلم، والإبداع، لافتًا إلى أن الاهتمام بالشكل، من الحضور والغياب وغيره، عل حساب المضمون، من شأنه أن يقتل في أبنائنا جوانب الإبداع والتفكر.
وفيما يتعلق بإطلاق مسمى "النشاط المختطف" على النشاط اللاصيفي الذي تقوم به المدارس، قال الشيخ سلمان : لا أحب أن أُعَبِّر بهذا الأسلوب، فالاختطاف يوحي بأن هناك حرمانًا، وهناك أناس سبقوا إلى هذا النشاط، وربما لهم فيه تاريخ طويل وعندهم نوايا طيبة، لكن لا أعتقد أن النشاط محظور على غيرهم، وينبغي أن يكون هناك مشاركة للجميع في النشاط، وألا يُسْتَثْنَى منه أحد، بحيث أن أي مدرس عنده الرغبة يمكن أن يشارك في هذا النشاط ويؤدي واجبه فيه .
المنهج الرباني..والقنوات الهدامة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول: إن تَخَلُّفَنا يرجع إلى بُعْدِنَا عن المنهج الرباني في التعليم، قال الشيخ سلمان : هذا صحيح، لكننا عندما نتحدث عن البعد عن المنهج الرباني هذا في الجوانب السلوكية، والجوانب التعبدية، كذلك التقصير في التفكر، فالله -سبحانه وتعالى- أمرنا أن نتفكر، كذلك التقصير في التعلم كما رأينا وشاهدنا التقصير حتى في الطِّبّ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول (عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ)، فهو علم يتطلب أن يتعلمه الناس، وعلى ذلك فإن ديننا يأمرنا بأن ننجز في هذه الحياة، وأن نتفوق فيها، وأن نقتبس الحكمة ممن جاء بها .
وردًّا على سؤال يقول: ألا ترون أن ما أصاب الجيل المسلم الحالي في فِكْرِه أو معتقده أو مظهره أو قوله أو فعله بسبب أنه تَعَلَّم وأخذ تعليمه من القنوات الهدامة؟ قال الشيخ سلمان : هذا صحيح، فالقنوات الهابطة، وإن كانت تدّعي أنها تعالج الخطأ أو تشرحه، إلا أنها في كثير من الأحيان تُزَيِّنه؛ لأن هناك شرحًا مُفَصَّلًا ومُطَوَّلًا وإغراءً وجذبًا! دون أن يكون هناك توضيح للجوانب الإيجابية، أو ما ننادي به دائمًا وأبدًا: أن يكون الإعلام هادفًا لبناء الشباب، وتهيئتهم للحياة .
شعر شعبي
وأضاف فضيلته : أرسل لي أحد الإخوة عتابًا من إخوان الشعر الشعبي، يقول : يا تاج رءوسنا إحنا ضايقنا اليوم- نحن الشعراء الشعبيين -عدم قراءتك لشعرنا، وأردت أن أرسل لك مقطعين محكيات من إنتاجنا المتواضع، وأرجو أن لا تزيدك جفاءً للشعر المحكي يقول :
الدمع ما هو عيب روح علم اللي *** يقول ما عمره بكى في حياته
الدمع ما يقطع صلاة المصلي *** والضحك مثل إبليس يقطع صلاته
والقصيدة الثانية يقول، ولها علاقة بموضوع التحدي الذي نتكلم عنه :
لا تحطم لو تحطم لك أمل *** واعرف أن الله يحبك وابتسم
فهذه نقولها لكل الناس الذين يشعرون بالإحباط والكآبة،وخاصة من بناتنا اللاتي يَشْعُرْنَ بمثل هذا الإحساس .
لا تقول الحظ عمره ما كمل *** هل أنا حاولت قل أنا حاولت والله ما قسم
ثقافة..وكلمات ساقطة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول: إن الْمُطَالِعَ لموقع البحث "جوجل" يجد أن أغلب كلمات البحث عندنا هي كلمات ساقطة، فأين ثقافة الشعب السعودي والتعلّم الذي نحن وصلنا إليه؟ قال الشيخ سلمان : هناك دراسة دكتوراه لطالبة في البحرين عن هذا الموضوع، تشير إلى أن أكثر ما يقبل عليه الشباب الخليجيون والسعوديون خاصة في مواقع الإنترنت هي المواقع غير الهادفة، كما أن الدراسة توصلت إلى أخبار وأرقام مفجعة ومذهلة!
التعليم عن بعد ..والموهبة
وردا على سؤال حول : ما رأيكم في طرح مشروع جديد للتدريس، عبارة عن أفلام فيديو تكون شرحًا للدروس؛ لكي يحسن التلقين لدى أطفالنا وأبنائنا؟ قال الشيخ سلمان : هو موجود، وهناك التعليم عن بُعْد، وهناك أيضًا وسائل التعليم.
وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن الموهبة نعمة من الله، فعندما تسخر هذه الموهبة في الإفساد للأرض ألا تعدّ من الكفر بالنعمة؟ قال الشيخ سلمان : هذا صحيح، يقول سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الأنعام: من الآية165) ، فالموهبة ابتلاء، وإذا كفرها الإنسان عوقب عليها، وقد يُعَاقَبُ بحرمانه منها.
فرنسا..وصعوبة تعلم العربية
وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن البعض يواجهون صعوبات في تعلم اللغة العربية في فرنسا، قال الشيخ سلمان : لا شك أن هناك صعوبات، ولكن الحمد لله هناك الآن برامج تنظمها بعض المؤسسات، مثل "مؤسسة الوقف الإسلامي"؛ حيث يوجد لديها حقيبة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وهكذا أعتقد في كل بلد فيه محاولات لتسهيل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الصغار ومن غيرهم، فالقرآن الكريم هو الذي نقل لغة العرب إلى العالم، كذلك فإن هناك الكثيرين من الأتراك والهنود وغيرهم يتقنون القرآن، حتى لو لم يكونوا يعرفون اللغة العربية .
تكافل ثقافي ومعرفي
وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن الاستمرار في التعلم يجب أن يتبعه توقف لالتقاط الأنفاس ورؤية ما إذا كان هذا التعلم صحيحًا أو لا؛ لأننا إذا استمررنا في التعلم ولم نُعلّم أو نطبق أو نعمل بما علمنا فلا فائدة من ذلك، قال الشيخ سلمان : هذا صحيح، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول « خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ »، وهنا تلاحظ عملية التبادل، "يتعلم ويُعَلِّمه"، هذا التكافل -إن صح التعبير- تكافل ثقافي، وتكافل معرفي، هو من خير ما يساعد على رُقِيّ المجتمعات ونضوجها.
أجهضت..فهل تصلي وتصوم
وردا على سؤال من إحدى المشاركات في البرنامج، تقول: إنها أجهضت في أول يوم في شهر رمضان وكان عمر الجنين 6 أسابيع، فماذا بشأن الصلاة والصوم ؟ قال الشيخ سلمان: طالما أن مدة الجنين ستة أسابيع، فمعنى ذلك أن هذا الجنين لم يُخْلَق ولم تنفخ فيه الروح بعد، وبناء عليه لا يعد حملًا، ولا يعد نفاسًا، عليك أن تصومي وعليك أن تصلي، ولكن تغتسلين فقط مرة واحدة، ولا يلزمك أن تغتسلي دائمًا، يكفي أن تتوضئي ما دام الدم مستمرًّا معك، حتى لو صليت.
فالقول الراجح أنه لا حرج عليك، وهذا مذهب الإمام مالك: أنّ مَنْ به حَدَثٌ دائم، لا يلزمه أن يتوضأ لكل صلاة، وهذا هو أصح ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن رواية "واغتسلي وتوضئي لكل صلاة" حكم عليها عدد من أهل العلم بأنها رواية شاذة، وبناءً عليه لا يلزم مَنْ به حدث دائم أن يتوضأ لكل صلاة، وإنما يتوضأ إذا تعمّد أن يُحْدِث، وبناءً عليه نقول: إن عليها أن تصوم وأن تُصَلِّي .