أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ على أهمية أن يكون العقل الإسلامي عقلاً إيمانياً لا يُشكك في الغيبيات والمحكمات، ولكن ليس عقلاً خرافياً كما نجده اليوم في كثير من بلاد العالم الإسلامي، مشيراً إلى أن الغالب على العوام من المسلمين بل حتى على بعض طلبة العلم أنهم يميلون إلى تصديق القصص والأساطير. ، مشيراً إلى أن بعض الشباب أصبحوا يرددون أن أيّ متديّن يُفكّر فإنه يصل إلى الإلحاد ، وضربوا المثل بالدكتور عبد الله القصيمي.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الخميس من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "التفكر" ـ هناك فرق بين أن يكون العقل الإسلامي عقلاً أسطورياً وبين أن يكون العقل الإسلامي عقلاً إيمانياً، لافتاً إلى أن الإيمان لا يعني تصديق الأساطير، فالمسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والجزاء والحساب ويؤمن بالأنبياء لأن النصوص وردت بذلك، موضحاً أن هذه الأشياء تغطي جوانب في العقل لا يستطيع العقل الوصول إليها.
عقل يتشرب الخرافة
وأضاف فضيلته: لكن هذا لا يعني أن يتحوّل العقل الإسلامي إلى عقل أسطوري يتشرّب الخرافة ويتقبّل القصص التي من هذا القبيل، والتي ربما لو سمع من يشكك فيها لشك في إيمانه أحياناً، مشيراً إلى قصة التي يتناقلها البعض عن بنت التي ركلت المصحف فتحولت إلى كائن غريب، وقال العودة: إن جرم هذه الفتاة وإثمها عند الله إذا كانت تعرف أنه مصحف وهي بعقلها، وعملت هذا العمل هذا العمل الذي يُخرج الإنسان من دائرة الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- والدين، وعقابها عند الله -سبحانه وتعالى- في الدار الآخرة إذا لم تتب إليه وتنيب شيء عظيم، لكن لا يلزم أن يعاقب الناس في الدنيا.
وأوضح الدكتور العودة : أنه حتى الكفار الذين كفروا بالله - سبحانه وتعالى -، الله تعالى أمهلهم وأنظرهم ودعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه، يقول ربنا : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)، مؤكداً أن هؤلاء عملوا ما هو أشد من ذلك ليس فقط ركلوا المصحف وإنما أوقدوا النيران وجاءوا بالنساء المؤمنات وبالأطفال المؤمنين وبالرجال المؤمنين ورموهم في النار وهم أحياء وجعلوا النار تشوي أجسادهم، وهذا عمل في غاية السوء والبؤس والفساد والانحطاط، ومع ذلك الله -سبحانه وتعالى- يقول : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)، يفتح لهم باب التوبة والإنابة، وأنه يمكن أن يتوبوا إلى الله -سبحانه وتعالى-.
عقلٌ إيمانيّ
وأردف فضيلته : إن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه-، هو الصدِّيق لكثرة تصديقه وما تردد في شيء قط، ومع ذلك عندما جاءته قريش وقالوا له : إن محمداً يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء ورجع إلى فراشه وفراشه لم يبرد خلال فترة وجيزة !، قال أبو بكر : لئن كان قاله لقد صدق.
وأوضح الشيخ سلمان أن أبا بكر لم يصدقهم تلقائياً، ولكن قال لئن كان قاله، فربط الأمر بثبوت الخبر، وهذا يؤكد على أهمية أن يكون العقل الإسلامي عقلاً إيمانياً لا يُشكك في الغيبيات والمحكمات ولكن ليس عقلاً خرافياً.
وتابع : مرة واحد من الشباب ذكر لنا قصة وقال إن أحد الأشخاص مات، ودفنوه ثم تبيّن لهم أنهم نسوا مفاتيح في قبره أو أنها سقطت، وذهبوا وحفروا فوجدوا أن وجهه قد صرف عن القبلة، وسألوا فقيل لهم أنه كان يدخّن أو كان يفرّط في صلاته، مشيراً إلى أنه قال للراوي : هذه القصة مشكوك فيها، ومسألة الصرف عن القبلة هذه الله تعالى أعلم بها، والعقاب ورد العذاب بعد الموت والعذاب في الآخرة بشكل صحيح، ولكن هذا فيه نظر، ثم هذه القصة أيضاً نحتاج إلى أن نتثبت من أسانيدها، فتبيّن فيما بعد أن راوي هذه القصة هو شاب عيّار وهو أيضاً مدخن ولكنه ربما يقصد أن يثير الناس أو يلفت نظرهم لرواية مثل هذه القصص والأخبار.
النزعة عند البسطاء
وقال الشيخ سلمان : إنه ما من أمة في الأرض كلها، إلا وتجد في كثير من جمهور العوام البسطاء فيها عندهم مثل هذه النزعة، مشيراً إلى أنه يوجد الآن في أوروبا في أمريكا العديد من المواقع الإلكترونية التي تتحدث عن التنجيم أو النبوءات أو التنبؤات أو أشياء من هذا القبيل، حيث تجد الناس ينكبون عليها بشكل هائل جداً، ويصدقون بمثل هذه الأشياء، مشيراً إلى أن هذا جزء من طبيعة العقل البشري البسيط البعيد عن المعرفة.
وأضاف فضيلته : ولكن المصيبة تكمن في أن هذا اللون من التفكير كأنه هو المهيمن أو هو المسيطر على الواقع الإسلامي في أحيان كثيرة جداً، موضحا أنه ليس بمستغرب أن يكون بسطاء الناس أحياناً ربما يشكون في كثير من الأمور، ولكن ماذا بشأن المؤمن الذي قال فيه الرسول« لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ».
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، بقصة الشيخ أحمد حامل مفاتيح الكعبة، والتي تحدث الناس عنها أكثر من مليون مرة، وفي كل مرة نقول : هذه أسطورة، وهي تتردد منذ عام1280، كما تكلّم عنها السابقون أمثال رشيد رضا وتكلّم عنها الشيخ ابن باز وأُلّف فيها كتباً حتى أننا نقول ما الداعي لمثل هذا ؟ وإلى هذا العام في رمضان جاءت أسئلة تتعلق بالشيخ أحمد حامل مفاتيح الكعبة، مما يشير إلى أن بسطاء الناس أحياناً يقع عندهم نوع من التصديق.
وأضاف فضيلته : هناك بعض الناس الذين يتصلون بالتليفون من إفريقيا أو غيرها، ويقول أنا أحبك في الله وأنت صديقي وعندي معلومات ثم يحاول أن يقول لك أنك مسحور وأنه سوف يساعدك في حل السحر وطبعاً اللعبة هذه نفس الشيء مرات ومرات وقع فيها الناس.
وتساءل الدكتور العودة : أين دور العلماء؟ أين دور الخطباء؟ أين دور وسائل الإعلام؟ بحيث تطارد مثل هذه الخرافات والأساطير، وتطاردها بنور الوحي وبنور الإيمان ؛ لأن البعض ربما أيضاً يتكلمون عن هذه الأشياء وقد يخلطون معها بعض الحقائق الدينية، فهذا يكون سبباً في أن الناس لا يتقبلون منهم.
لسنا بحاجة إلى ذلك!
وتعقيباً على مداخلة، تتحدث عن انتشار الرسائل التي تأتي عبر الإميل أو عبر الجوال، تقول.."أنظر إلى هذه الصورة المعبرة وقل سبحان الله، إنها صورة نخلة ساجدة على أعضائها السبعة، أو منظر يجبرك على تسبيح الخالق نحلة تنطق الشهادتين، أو الصورة التي أدهشت الغرب رأس طفل مكتوب عليه محمد، و أسد يقول الله، و جمل يسجد مع صاحبه، قال الشيخ سلمان: لقد وقفت على عدد من هذه الأشياء، مثل الأسد هذا الذي ينطق وبـ (الله)، ولكن عندما تسمع الصوت، قد يكون صوتاً عادياً لكن الرسالة أو الإيميل حاولت أن تلهمك أن تسمعه بصوت مختلف.
وأكد الشيخ سلمان العودة على أننا لسنا بحاجة لأسد ينطق بلسانه ويقول الله ؛ لأن كل ذرة في هذا الأسد تنطق بالله -سبحانه وتعالى- وتسبح بحمده، كما أننا لسنا بحاجة إلى أن نرى أن هذه الزهرة مكتوب عليها لفظ الله باللغة العربية، لأننا نعرف أن هذه الزهرة تسبح الله -سبحانه وتعالى- (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، كما أن هذه الزهرة هي بمحتوياتها وبمضامينها وبأجزائها تعبّر عن وجود الله وعن عظمة الله وعن إبداع الخالق -جل وعز-.
إبداع الله
وأوضح الدكتور العودة أن إبداع الله -سبحانه وتعالى- يتجلى في المجرات الهائلة والأفلاك مثلما ترى إبداعه في أصغر الكائنات والمخلوقات حتى في الذرة ذاتها؛ ولذلك لا ينبغي أن يكون إيمان الناس مربوطاً بهذه المعاني المشكوك فيها أو ببعض القضايا الأسطورية، نعم هناك حقائق تحدث للكون، والكون وإن كان قائماً على نظام وعلى ناموس و قوانين إلهية؛ إلا أن الله -سبحانه وتعالى- لا يعجزه أن يخرق هذه الأنظمة لرسله أو لأنبيائه أو لمن شاء من عباده.
العقلانية ليست عاراً
وفيما يتعلق بدور الإعلام في نشر خطاب إسلامي توعوي دعوي راشد يحترم العقل ويُبين للناس كيف يمزجون بين العقل والروح الإيمانية والتعبدية، قال الشيخ سلمان : إن الخطاب الإسلامي أحياناً يشعر بجفاء، مشيراً إلى أن لفظ "عقلاني" أصبح يطلق ويراد به من يستبعد جانب الوحي والإيمان، وذلك من الخطأ الكبير.
مؤكداً على ضرورة أن تكون العقلانية مديحة لا أن تكون مذمة، حيث ينبغي أن ننقلها من كونها مذمة لتيار على أن تكون مديحة لإنسان يفكرّ ويؤمن بالله، فالله تعالى يقول "لقوم يعقلون".
وأكد الدكتور العودة على أهمية ضبط التوازن في جانب العقل وإدراك أن الله تعالى يحيل إلى العقل، وأنه عز وجل يحتج بالعقل في محكم التنزيل (أَفَلا تَعْقِلُونَ)، (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، وأن العقل هو مناط التكليف، فغير العاقل غير مكلّف بطبيعة الحال، كما أن العقل هو الغريزة التي بموجبها يتميز الإنسان ويتفوق على غيره من الحيوانات التي تعمل بموجب غرائزها البهيمية البحتة، فالعقل هنا هو مصدر التميز بين الناس، وبقدر سعة عقول الناس ومنهم العلماء تتسع معارفهم ويقوى استنباطهم.
معنى يحتاجه الجميع
وأكد الدكتور العودة في الحلقة التي خصصت للحديث عن عبادة " التفكّر" أن التفكر معنى يحتاجه الجميع ، حتى الإنسان البسيط الأميّ الذي ليس لديه أي معرفة ولا ثقافة يتعجّب من هذه الأشياء ، لكن العالم الخبير الذي يعرف دواخل الجسد ويعرف الأجهزة الهضمية والعصبية وغيرها وكيف يتم الإبصار والسمع والتفكير ويعرف كثيراً من هذه الخلايا وغيرها ، فهو أحياناً يكون في حالة إخبات وفي حالة خشوع تام ، ولذلك -سبحان الله- تجد أن كثيراً من الأطباء عندهم قدر أكبر من الإيمان..
وضرب فضيلته مثالا لذلك ، قائلاً: إن إحدى الصحف الأمريكية ، أجرت مقابلة مع عالم من علماء الفضاء ، أمضى سبعين عاماً في المختبرات ، يشاهد الأجرام والنجوم والأفلاك والمجرات وغيرها فيقول : " الآن اهتديت إلى الله I " ، وهذا يقتضي أن يكون بعد هذه المرحلة الإيمان بالله I والإيمان برسالاته حتى يعبده حق عبادته .
وأضاف الشيخ سلمان : بينما قد يوجد أحياناً قدر من الشك أو ضعف الإيمان عند الذين يُغرقون في الدراسات النظرية البحتة التي لا تتكئ على مخلوقات الله I ، مشيراً إلى أن بعض الشباب أصبحوا يرددون أن أيّ متديّن يُفكّر فإنه يصل إلى الإلحاد ، وضربوا المثل بالدكتور عبد الله القصيمي ، مشيراً إلى أن هذه ضلالة فكرية وعقلية كبيرة جداً ، أن نعتقد أن التفكر السليم يقود إلى الإلحاد ، فالتفكر السليم هو الذي يقود إلى الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- .
آثار التفكر
وأوضح الدكتور العودة أن من أعظم آثار وميزات التفكر، أنه يقودنا إلى الإيمان بالله إيماناً حقيقياً ، وليس إيماناً موروثاً ، أو إيماناً تقليدياً ، أو إيماناً هشاً ضعيفاً يمكن أن يتأثر بأي طارئ من الطوارئ ، كما أن الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- ثمرة الخشوع لله -عز وجل- ، بحيث يكون العبد متصلاً بربه إن صلّى كما قال ابن عباس : "ركعتان مقتصدتان في تفكّر" ، أو دعاء استحضر عظمة من يدعوه .
وذكر فضيلته أن من آثار التفكر وثماره أنه ينفعنا في هذه الحياة الدنيا ، في تعرّفنا على أنفسنا ، فعندما يعرف الإنسان أنه من خلق الله -سبحانه وتعالى- ، وأن الله أحسن خلقه ، وأن الله تعالى هو الذي صنع الكون ووضعه بحكمته -عز وجل- ، فمن شأن هذا أن ششأن شششهذا يقضي على حالة من أشد الحالات بؤساً وهي بناتنا وأولادنا الذين يأخذهم الاكتئاب ، مضيفاً : أتمنى من بناتنا وأولادنا ألا يستسلموا للمشاعر السلبية والمحبطة التي يجدونها أحياناً تجاه أنفسهم ، لافتاً إلى أن المجتمع أو الأسرة تساهم أحياناً في صياغتها ، فلا نظلم أنفسنا.
التفكّر..والعلم الحديث
وتعقيباً على مداخلة ، تقول : إن التفكر هو أساس من أساسيات العلم التجريبي الحديث، فالعلم الحديث والاكتشافات ما أتت إلا بعد تفكّر، فهل من الممكن أن نأخذه أصلاً كمصداق أو كشاهد عموماً وتطبيق حياتي لأن الله -عز وجل- يقول (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، قال الشيخ سلمان :هذه الآية الكريمة تعزز المعني المعرفي ، ففي الأساطير اليونانية نجد أن المعرفة اختطفت اختطافاً على رغم أنف الآلهة المدعاة عندهم ، لكن في الإسلام نجد أن الله تعالى هو الذي خلق الكون وهو الذي أنزل الوحي وهو الذي أبدع العقول وسلّط الإنسان وأمره بأن يفكر وأن يبتكر وأن يكتشف وأن يخترع وأن يولّد هذه المعارف ، وهذا معنى مهم جداً.
التدين..والتفكر
وفيما يتعلق بأن أي شاب متدين عندما يبدأ تدينه يتلقى نصوصًا معينة دعوتها: لا تُعْمِل عقلك فوق اللازم، قال الشيخ سلمان : إن المحاضن المدرسية والتربوية أخفقت في هذا الجانب، سواء كنا نتحدث عن المدارس النظامية، أو عن المجموعات الحركية، أو عن الحلقات العلمية في كثير من الأحيان، وذلك بسبب أنها تجنح إلى التلقين، والذي بدوره يخاطب جانب الذاكرة والحفظ عند الإنسان؛ ولذلك ربما يستطيع إنسان أن يقرأ عليك هذا الكتاب مثلًا، لكنه لم يستوعب مضامينه، ولم يحوّل هذه المضامين إلى سلوك عملي.
وأضاف فضيلته : ومن هنا تأتي الدعوة الدائمة والمتكررة في القرآن الكريم، إلى التفكّر والتدبر؛ حتى تثمر المعرفة، مشيرا إلى أن المعرفة عندما تكون معرفةً نظريةً أكاديميةً قد لا تنفع الإنسان، بل في القرآن ما يدل على ذم ذلك، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) (الأعراف)، كما كان -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من علم لا ينفع، مما يؤكد على أن التفكر هو الانتفاع بالعلم، فالفَلَّاح ينظر إلى البذرة كيف تنبت و تكبر ؟ وكيف تتفتح ؟ ويدرك هنا عظمة الخالق سبحانه، وأنه هو الذي منح الحياة لهذه الأشياء من حولنا.
ضجيج الحياة والتفكر
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : كيف يحدث التفكر الآن، وكل الجو صاخب، ونجد التقنية عكرت الجو والمزاج وكل الحياة؟! قال الشيخ سلمان : إن ضجيج الحياة ليس عذرًا لنا، ولكن هذا الضجيج من شأنه أن يجعلنا قادرين على أن نستفيد مما حولنا من الحياة من العلوم الحديثة، وألّا نُغْلِقَ عقولنا وقلوبنا ومعارفنا ضدها، فالمعرفة ليس لها لون أو جنسية أو مذهب خاص، ولكن المعرفة متاحة للبشر، فيجب علينا أن نكون منفتحين على هذه المعاني، وعلى الشعوب، وثقافتها المفيدة النافعة، « الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا »، ونكون أيضًا منفتحين على نطاقنا القريب في الحياة العقلية التأملية، وعلى ما حولنا من الأشياء البسيطة.
وأضاف فضيلته: يُذكر أن طفلًا كان يسأل أحد العلماء، وأراد أن يسأله سؤالًا محرجًا فقال له: متى يجد النائم لذة النوم ؟ فتحيّر هذا العالم؛ لأنه إذا قيل : يجد لذة النوم إذا نام، فالنائم لا يعي، وإن قال يجدها قبل أن ينام، فهو صاحٍ لم تصل إليه اللذة بعد!!
مشيرا إلى أن الإنسان عندما يأوي إلى فراشه، فإن هذه من أكثر الحالات سكينة وهدوءًا، كون الإنسان هنا يستعد لاستقبال النوم، النوم يداعب أجفانه فيستشعر هذا المعنى العظيم كيف ينام الإنسان ؟ هو لا يعرف كيف ينام، وأعتقد أن العلم لا يزال عاجزًا عن تحليل بعض الإشارات التي تتم من خلال المخ؛ لأنها في منطقة لا زالت عصيّة على العلم، وعلى التحليل، وعلى المختبرات.
فكون الإنسان يستشعر هذا المعنى، ثم يدرك كيف أنه يصحو فيجد جسده قد امتلأ بالحيوية والحياة وتجدد النشاط كما يقول ربنا سبحانه: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)، فهنا النوم أو النعاس يكون أمنة، ربما إنسان يكون متعبًا أو حتى بعد حادث معين، أو وضع صعب، أو معركة، فينام فينسى كل شيء.
العلم والتفكّر
وقال الشيخ سلمان: لقد ترددنا هذا الأسبوع بين شعارين: شعار (ساعة تفكر) وشعار (زدني علماً)، وهذا الاختلاف له ما يسوغه، موضحاً أن شيوخنا كانوا يلقنوننا في الصبا المناظرة بين العقل والعلم يقول:
علم العليم وعقل العاقل اختـلفا *** أي الذي منهما قد أدرك الشرفا
فالعلم قال أنا أحـــرزت غايته *** والعـقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصـاحاً وقال لـه *** بــأيِّنـا الله في قرآنه اتصـفا
فأيقن العقــل أن العـلم قائده *** وقبّل العقـل رأس العلم وانصرفا
وأضاف فضيلته أن شعار (ساعة تفكّر) ليس حديثاً كما يظن البعض وإن كان الإمام أبو حامد الغزالي أورده في كتابه (إحياء علوم الدين)، مشيراً إلى أن هذا الكتاب يوجد به قسم التفكر، والذي طُبع مستقلاً أيضاً في كتاب عنوانه (التفكّر في خلق الله) وهو من أفضل الكتب في مجال التفكّر.
وأردف الدكتور العودة أن من الكتب المهمة في مجال التفكر، كتاب (التفكر من المشاهدة إلى الشهود) للأستاذ مالك بدري، وهو أحد رواد علم النفس الإسلامي الذين يستحقون بجدارة هذا اللقب، لافتاً إلى أن مقولة (تفكّر ساعة خير من عبادة سنة) ليست بحديث وإنما هي من قول الحسن البصري، حيث ورد عنه أنه كان يقول: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة"، وكذلك ابن عباس t كان يقول نحواً من هذا: " ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة بلا قلب "، وأم الدرداء عندما سئلت عن عبادة أبي الدرداء t ماذا كانت عبادته؟ قالت: كانت أكثر عبادته التفكّر.
وتابع الشيخ سلمان إن قولنا ( تفكّر ساعة) ، أو (تفكر لحظة) هو من تفعيل العقل وتحريكه، كما أنه من بعث المعرفة أيضاً، لأن العقل والعلم مرتبطان، فعندما تقول (رب زدني علماً)، فالعلم هنا لا يحدث إلا بتفكر وتأمل، كما أن هذا العلم إذا تفكّرنا فيه يتوالد ويزاد كما هي نظرية أبي حامد الغزالي وهي نظرية "كانت" وغيره من الفلاسفة العصريين.
مفهوم التفكر
وفيما يتعلق بمفهوم التفكّر، قال الشيخ سلمان: إن التفكّر هو النظر في الأشياء باعتبار وتدبّر، وعلى ذلك فإننا نلاحظ في تعريف التفكر أن هناك أشياء موجودة، مثل: السماء، الأرض، الإنسان، الأجرام، ولأشياء المادية، الأشياء الحسيّة، كذلك النظر فيها من إعمال الحواس: العين أو الأذن فيها أو اليد، وهذا أحياناً يكون مدخلاً إلى التفكّر ثم الانتقال من ذلك إلى نتيجة أخرى تنعكس على باطن الإنسان.
وأضاف فضيلته إن التفكّر هو النظر في الأشياء على جهة الاعتبار سواء كانت تفكّراً فيما خلق الله، أو تفكّراً في الحياة الدنيا مثلما يُنقل، ويروي عبد الله بن المبارك أن راهباً كان جالساً عند المقبرة وإلى جواره مزبلة، فمرّ به رجل وقال له يعظه : يا راهب إنك بين كنزين من كنوز الله -عز وجل- في هذه الدنيا ولك فيهما معتبر، هذا كنز الرجال وهذا كنز الأموات.
وعلى ذلك فإن التفكّر هو ذلك العقل الحيّ الشفاف الحساس الذي يلتقط الأشياء والعبر ويوظفها في مكانها الصحيح.
التفكير..والتفكر
وتعقيباً على مداخلة، تقول : ما علاقة مرادفات مثل التفكير، التأمل، التدبر، بالتفكّر ؟، قال الشيخ سلمان: إن أقرب شيء من التفكر هو التفكير، حتى أن البعض يخلطون بين التفكّر والتفكير، وربما يكون للخلط ما يسوغه لأن أصل المادة واحدة وهي (الفاء، والكاف، والراء)، وعلى ذلك فإن الفِكر والتفكّر والتفكير متقاربة في الاشتقاق، لكن بينها بعض الفروق أيضاً ، منها:
1 ـ أن التفكّر هو عملية وجدانية: أما التفكير فهو عملية عقلية : فالقلب له علاقة بالتفكّر والمردود ينعكس على القلب والإحساس و الإيمان و المشاعر.
2ـ التفكّر ينطلق من شيء موجود: بينما التفكير هو بمثابة البحث عن شيء غير موجود، فالإنسان الذي يتفكر ينظر في أشياء موجودة وربما يبني عليها، لكن الذي يفكر ربما أنه يستنبط أو يستخرج أشياء ليست موجودة ويُولّد توليداً.
3 ـ التفكّر فيه نوع من التدرج: كما يدل عليه اللفظ، أما التفكير فهو عملية متكاملة.
تأمل وتدبر
وفيما يتعلق بـ"التأمل"، قال الشيخ سلمان: إن لفظ التأمل هو لفظ جديد، ولكن يوُجد في القرآن الكريم "الأمل"، يقول تعالى (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ)، إنما التدبر موجود في القرآن الكريم في أربعة مواضع وكلها مرتبطة بالقرآن الكريم، وبناءً عليه قد نقول : إن التدبّر لفظ خاص بالقرآن الكريم وبالقول : (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ)، أي: تدبّر الأقوال والحِكَم التي يسمعها الإنسان والفوائد والنصوص، وهو لفظ مأخوذ من دبر الشيء، وكأنك بعدما تستدبر هذا النص تكون سمعته أو قرأته لابد أن تسأل نفسك مردود هذا النص عليك ونفعه لك.
التفكر في القرآن الكريم
وأوضح الشيخ سلمان أن التفكّر ورد في ثماني عشرة أو سبع عشرة مرة في القرآن الكريم , لافتا إلى أنه من أعجب الأشياء والسور والمواقف التي ينبغي الوقوف عندها، قول الله I : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)(سـبأ: من الآية46)، فالله عز وجل عبّر عن التفكير بأنه وعظ، وأن الله تعالى يعظهم به، فعادة الناس يعتقدون أن الوعظ دائماً هو تخدير للعقل، وإغفال للعقل، وإشغال للعقل بأساطير أو أوهام أو أشياء بعيدة عن المعرفية، بينما في القرآن الكريم يؤكد على أن من صفات الموعظة التفكّر ومخاطبة العقل، لم يرد بلفظ العقل في القرآن الكريم لكن ورد تصريفات (يعقلون، وتعقلون) أكثر من خمسين مرة، ووردت مرادفاته أيضاً مثل (لأولي الألباب، لأولي النهى) مما يوحي بأن القرآن الكريم هنا يُحفّز على العقل ويقول للناس تفكّروا وأن هذه هي أعظم موعظة يعظ الله تعالى بها العباد.
موعظة واحدة
وقال الدكتور العودة : إنه من المعلوم عند اللغويين أن (إِنَّمَا) هي أداة حصر وقصر لشيء واحدة، ومع ذلك يقول عز وجل : (أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ) مما يؤكد على أننا إذا أردنا أن نعظكم بموعظة واحدة فقط لا غير فهي التفكّر، وهذا دليل على أن التفكّر هو أصل، وهو ما أشار إليه ابن القيم، حيث ذكر أن التفكّر هو أصل الخير كله، وأصل الخير كله أن يتفكّر الإنسان تفكراً حسنا، فيأمر الله I بهذا التفكّر.
ثم يقول ما هذا الوعظ : (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)(سـبأ: من الآية46) (مَثْنَى وَفُرَادَى) إما واحداً واحداً أو اثنين اثنين، أما واحداً واحداً فلا شك أن الإنسان عندما يكون في خلوة يكون عنده استرخاء يبتعد عن ضجيج الناس، بل يبتعد حتى عن ضجيج النفس الداخلي وضجيج الأفكار والمشاكل والمواقف، ويكون عنده نوع من الاستعداد والتهيؤ والملأ والتفريغ الذي من شأنه أن يوصل الإنسان إلى الفكرة الصحيحة، ولذلك شُرع للإنسان العزلة والخلوة كما في حالة الاعتكاف، واعتزل النبي r ، فكثيراً ما يكون وجود الناس من حول الإنسان صارفاً له.
بعيداً عن الضجيج
وأضاف فضيلته أن السادة والمتبوعين كثيراً ما إذا كثر الناس حولهم وغمروهم بالمشاعر والإيجابيات والثناء والشكر والتمجيد والتثبيت ربما أنهم صرفوهم عن التفكير في الخطأ والصواب، وكأنهم يضطرونهم إلى أن يسيروا في طريق واحد، بينما الإنسان إذا خلا بنفسه يكون أبعد عن ضغوط المجتمع أو ما يسمى بالعقل الجمعي وأقدر على أنه يُوظّف طاقته الذاتية وتفكيره الذاتي ويُخاطب عقله ونفسه، هذا إذا كان واحداً. لكن إذا كانوا اثنين (تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى) فإنه غالباً أي إنسان في الوجود عنده صديق خاص على الأقل وهذا الصديق الخاص إذا خلا به كأنه بنفسه يخلو، فتجده أحياناً يُفكّر معه تفكيراً مسموعاً ويبوح له حتى بالخواطر.
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، قائلاً: ربما أحدهم سمع الرسالة المحمدية وعنده نوع من التردد فهو أمام الناس يخطب خطباً يُثبّت فيها الناس (أن امشوا واصبروا على آلهتكم)، لكن إذا جلس بمفرده ومعه صديقه يمكن قال له: ما رأيك يا أخي أنا أشوف محمد رجل طيب الأخلاق صدوق ما عهدنا عليه من سوء.. إلى آخره، فيُبادله صديقه أنه والله أنا ألاحظ مثلما تلاحظ. فأحياناً عندما يكون واحداً آخراً معك وهو مخالط لك مثل جزء من روحك يكون الإنسان كأنه وحده.
ثم قال عز وجل: (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)، و أن يكون التفكّر في مثل هذا الجو بعيداً عن التفكّر في جو الصخب والضجيج وتأثير المجموعة وتأثير الجماعة وتأثير المنظمة.
أنواع التفكر
وفيما يتعلق بضروب وأنواع التفكر، قال الشيخ سلمان : هناك أنواع كثيرة، 1 ـ التفكير في القرآن : أي أن الأمر بالتفكير ورد في القرآن الكريم، ومن ذلك:
أ ـ التفكّر في خلق السماوات والأرض: كما في قوله I : (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
ب ـ التفكّر فيما في السماء، وفي الأرض، في الأفلاك، في الأملاك، في النجوم، وفي الأرض في النفس والنبات و الحيوانات أيضاً مثلما ذكر الله تعالى في النحل : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون) إلى قوله I : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، هذا التفكّر في خلق السماوات والأرض.
ج ـ التفكر في آلاء الله ونعمه: كما كان ابن عباس يقول : " تفكّروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله "، فهذا التفكّر يولّد عند الإنسان الإيمان والعرفان لله -عز وجل- ولهذا سورة النحل تسمى " سورة النِعَم " وقريباً منها سورة لقمان والتي يطلق عليها " سورة النِعَم الصغرى " لأن فيها الحديث مستفيضاً عن نِعَم الله I ، وهذا لون من التفكّر يُقوّي الإيمان.
2 ـ التفكير في القرآن الكريم ذاته: يقول تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وهو أن يتدبر الإنسان أو يتأمل ويفكر في القرآن الكريم.
أمثال..وكلام
3ـ التفكّر في الأمثال : وهو في القرآن الكريم أيضا، يقول تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الحشر: من الآية21) سواء كانت هذه الأمثال قصصًا سابقة، أو أمثالًا مثلما ضرب الله المثل للحياة الدنيا (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24)، فالمثل هنا أصله موجود؛ حيث ضُرب المثل بالمطر، وهو موجود ومعروف، وإنما تقتبس وتنتقل من هذا إلى فكرة موجودة، وهي أن تقيس الحياة الدنيا على الزرع الذي يخضر ثم يَيْبَس بعد ذلك، فالتفكير في الأمثال أيضًا وارد في القرآن الكريم.
4 ـ التفكير في الكلام: الذي يقوله الإنسان، خاصةً إذا كان كلامًا سلبيًا، وليكن هذا الكلام ضد الآخرين أو ضد نفسه أيضًا، كما ذكر الله تعالى عن هؤلاء الذين اتهموا النبي r بالجنون، فالله تعالى وعظهم بأن يقوموا لله مثنى وفرادي ثم يتفكّروا؛ لأن العادة أن الإنسان يُطلق هذه الصيحات وهذه الألقاب في الجو الجماعي، والبعض يُشجِّعُ بعضًا على الاتهام وعلى القيل والقال، بينما إذا خلا الإنسان بنفسه ربما يكون أكثر مصداقية، فهنا الدعوة للتفكر في المواقف والقرارات، والكلام الذي يقوله الإنسان.
5 ـ التفكّر في المصالح والمفاسد: يقول الله I : (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:219)، فالخمر والميسر مصلحة أو مفسدة، فالقرآن يُحفّز على التفكير في المصالح والمفاسد؛ لأنها تُدْرَكُ بالنظر والمثال والقياس والتجربة.
الشك..والتفكر
وأشار الدكتور العودة إلى أن الشباب الذين لديهم شكوك في الإلوهية، يُفكّرون في الشك، والشبهات، والمشكلات الموجودة في الكون، وفي الناس المعذَّبين والمضطهدين، وفي المعوقين، فيكبر عندهم الشك ويضعف عندهم الإيمان، لكن لو أنهم فكروا وركزوا تفكيرهم على التفكير في الحقائق، والتفكير فيما يقود إلى الله I : (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ)(سـبأ: من الآية46)، لَضَعُفَ عندهم جانب الشك والشبهات، وتصبح الإجابة عليها ممكنة ومعقولة.
وأضاف فضيلته: هناك في مختلف الثقافات وجودٌ للتفكر، يعني مثلًا عندك " اليوجا " عند الفئة البوذية، أو حتى في الكنيسة عمومًا يُحيون عبادة التفكّر بالنسبة لها، لكنها تقودهم دائمًا في النهاية إلى اضطراب معين، وذلك لأن الإنسان إذا فكّر دون أن يكون عنده مبدأ أساسي ربما يتوه؛ لأنه غير قادر على الوصول إلى المعرفة بذاته، على الرغم من أنه ربما يصل إلى الإيمان بوجود الله، لكنه لا يستطيع أن يصل إلى كثير من التفاصيل، ولا إلى كيفية التعرّف إلى الله I ولا إلى عبادته -عز وجل-.
هل من نماذج؟!
وتعقيبًا على مداخلة تقول : هل من شأن هذا التفكر أن يقود ويُحَوِّل، وهل من نموذج لذلك؟ قال الشيخ سلمان: نعم، وهناك أكثر من نموذج، فقبل شهور كنا في جدة، وقابلنا صديقنا جميل فارسي، وكان يتحدث عن رجل أوربي مقيم هنا تعرّف على المسلمين، وأُعجب بأشياء كثيرة وهو لا يزال في الطريق، ولكنه لا زال لديه بعض الأسئلة فهذا مثال.
وأضاف فضيلته: في إحدى المرات كنا في القاهرة، وركبنا في التاكسي مع أحد الأصدقاء، فبمجرد ركوبه سأل الأخ صاحب التاكسي قال له : ما اسمك ؟ فقال : جوزيف أو كذا، قال : ديانتك مسيحي( هكذا مباشرة). قال :" أيوه". كان قبطيًا، فقال له : "حقيقة أنا جايب لك هدية من الرياض"، هذا الرجل كاد أن يصدم بنا؛ لأنه توقع أن هناك هدية له، والتفت، فبعد قليل قال له هذا الأخ: هدية أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فكأن الرجل تراجع قليلًا ولم تعجبه الطريقة، وقال : أنا لي أصدقائي في العمل الكثير منهم مسلمون، فمصر بلد إسلامي، وبالتالي ليس جديدًا عليه أن يسمع هذه الكلمة، وليست بمفاجأة له، إنما كان هناك حاجَةٌ إلى مداخل لطيفة.
الشهود الصحيح
وأردف الدكتور العودة: إذا كان التعلّم تغيُّرًا، فإن التفكّر هو الانتقال من الأشياء الحسيّة المشهودة من خلال التذوق والإحساس بجمالها وجمال الكون من حولها وإدراك ذلك، ثم ننتقل إلى الإيمان بالله والخشوع له، ثم ننتقل ليتحوّل هذا الإحساس عندنا إلى حالة من البصيرة أو حالة من الشهود، كما يسميها ابن تيمية وابن القيم، الشهود الصحيح الذي يجعل من العادة عند الإنسان أنه كلما رأى هذه الأشياء سبّح الله تعالى وحمده وشكره.
وتابع فضيلته : أن الناس الذين يُعتدّ بإيمانهم ويعتدّون هم بعقولهم، قد يسلكون طريقًا طويلًا، وعلى سبيل المثال : فقد وجد "جفري لانغ" صعوبةً في عملية السجود، وطَلَبِ النجدة والغوث من الله I وكان يعتذر إلى ربه ويقول : أنا قادم من مكان بعيد، ولا زال أمامي طريق طويل !
وأوضح الشيخ سلمان أنه يجب علينا أن ندرك أن الإسلام دين يستوعب العالمين، كما قال ربنا I ، وما ذلك إلا لأنه دين يُحفّز على العقل وعلى التفكير، فكتابنا المقدّس يأمرنا بأن نفكر، بل ويُحيل على العقل، كما يقول سبحانه : (لقوم يعقلون)، فالعقل الصائب المجرّد لا يخطئ، وإنما يخطئ حينما يلتبس بالهوى، أو يلتبس بالشك، وفي الكتب السماوية السابقة لا يوجد أثر للحديث عن العقل، لكن في قرآننا حديث مطوّل ومُفَصَّل وتحفيز وتحريض على أن يوظف الإنسان عقله، ويستخدمه للوصول إلى النتائج والحقائق.
عبادات طويلة الأمد
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن التفكر يقود الإنسان إلى عبادات طويلة الأمد ذات مقاصد شمولية أعمق، قال الشيخ سلمان: إن التفكر هو أصل الخيرات كلها، فالتفكر يقود إلى عبادة من أعظم العبادات، وهي المعرفة، وهي أول ما أمرنا الله تعالى به، حيث أمرنا بالمعرفة والعلم، يقول تعالى:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1)؛ ولهذا كان أول واجب على المكلفين هو العلم، والتفكر يقود إليه ؛ ولذلك فإن الإنسان كلما تفكّر استطاع أن ينتفع بمعلوماته، بل حتى المشاهدة، فهناك الكثير من القنوات الفضائية التي تتحدث عن الأفلاك والنجوم، مشيرا إلى أنه كان هناك فيلم في أي ماكس، وهو عبارة عن عرض سينمائي لقضايا علمية، حتى إن الفيلم الواحد يُكلّف مئات الملايين من الدولارات.
كما تجد فيلمًا صُوّر في أعماق البحر، يُصور لك أعماق البحار والمحيطات بشكل مذهل جدًا، أو فيلم صُوّر عن الشمس أو عن الكواكب، أو عن أي شيء مما خلق الله I ، كذلك القنوات المتخصصة في الحيوانات وفي الطيور، وكم في هذه من الأسوة و العبرة، هذا إذا لم يكن الإنسان قادرًا على أن يتأمل بنفسه، يقول تعالى (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) (الغاشية).
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ
وتعقيبًا على مداخلة تقول : في المرحلة الثانوية كانت المعلمة ترشدنا وتحثنا على التدبر والتأمل والتفكر في مخلوقات الله الفسيحة والأرض الخضراء والجبال الشاهقة، فرجعت للبيت أفكر في أبي وأمي، قال الشيخ سلمان : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات:21)، فالتفكر يُضفي الحياة حتى على الأشياء العادية، فتفكري بأبيك وأمك، تخيّلي كم واحدة ما عندها أب ولا أم، إما لأنها لا تعرفهما، أو لأنها ماتا وغادرا هذه الحياة الدنيا !
كذلك تفكري في الجانب الجسماني، كيف يسمع الإنسان الصوت ؟ كيف يترجم المخ الصوت ؟ كيف يرى الإنسان الأشياء ؟ كيف يترجمها ؟ يتفكر الإنسان في النعم التي أنعم الله تعالى بها عليه، لو أنه حُرِم من هذه النعمة؛ لأن المؤلم أن الإنسان أحيانًا ربما لا يفكر في هذه الأشياء المألوفة.
وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يذهب الإنسان إلى بلاد خضراء، أي بلد فيها جزيرة خضراء، وكل ما فيها أخضر والمياه في كل مكان، فمع الوقت تصبح هذه الأشياء عادية ومألوفة جدًا لا يفكر فيها، لكن لو أن الإنسان جاء إلى منطقة يابسة، بها شجر يابس جدًا، ثم وجد في وسط هذا الشجر اليابس بِذْرَةً صغيرةً هكذا بحجم القلم، وهي بذرة خضراء مورقة، وتضج بالحياة..فيقف الإنسان هنا ويتعجب !
مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ
وأوضح فضيلته أن المألوف يسيطر على العقل في كثير من الأحيان، في حين أن التفكّر هو عملية إزالة الغبار عن هذا المألوف وتجديد التذوق، و النظر له، والإحساس بجمال الصوت والشكل والإبداع والخلق الإلهي، يقول تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) (الملك)، فـ (الْبَصَرَ) هنا هو البصر المشاهد، وأيضًا هو العقل الشاهد الذي يشاهد هذه الأشياء ويقرأ وراءها حكمة الله،وإبداع الله، وخلق الله، فيطفق يسبح، كون الإنسان كلما رأى شيئًا من هذا القبيل، قال : "سبحان الله، سبحان الله" ويكافح عملية الاعتياد والإلف، بأن يجدد النظر العقلي في مثل هذه الأمور.
التفكر..والسرحان
وتعقيبا على مداخلة، تقول : هل بإمكاننا أن نقول : "تفكّر لتكون أكثر أريحية وأكثر قدرة على الإنتاج" ؟، قال الشيخ سلمان: مؤكد ذلك، فالتفكير يعطي الإنسان هدوءًا في نفسه، ولكن هنا يجب أن نفرق بين حالة السرحان وبين التفكّر، فالسرحان حالة لا إرادية، وهي لا تفيد الإنسان كثيرًا، وربما تكون استدعاء لآلام أحيانًا أو لذكريات مؤلمة، لكن الأمر هنا يتعلق بتفكر مقصود، وتركيز مقصود على التفكر، وخاصة إذا صاحَبَهُ قراءة للقرآن الكريم، أو صاحبته ركعتان على طريقة ابن عباس "ركعتان مقتصدتان في تفكر" تعطي الإنسان كثيرًا من الهدوء و الأريحية والاستقرار، وتنفي كثيرًا من ضجيج المشاكل داخل الإنسان، أو ضجيج الأفكار.
وقفة قرآنية
ثم انتقل الشيخ سلمان إلى وقفة قرآنية مع قوله -سبحانه وتعالى- في سورة تبارك (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )، حيث تستفتح السورة بذكر البركة لله -عز وجل- وأن المُلك له، والمُلك بيده، وهو على كل شيء قدير (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أن يكون خلق الحياة ليبتلى الناس بحسن العمل هذا أمر واضح، لكن الشيء العجيب أنه حتى الموت خلقه الله -سبحانه وتعالى- لنا ليبلونا أينا أحسن عملًا، وعلى ذلك فإن الحياة منافسة، وميدان سباق، وعلينا أن نغتنم منها اللحظات والساعات.
وأضاف فضيلته : ولكن مع الأسف لو فكرنا دائمًا كم يضيع من الوقت، ويطرح كل منا على نفسه سؤالًا: كم مضى من عمره ؟ وكم بقي ؟ هو غيب عند الله -سبحانه وتعالى-، ولكن بحسب مقادير الناس أو الأقارب أبي وجدي وعمي ماتوا مثلًا في الثمانين أو في التسعين معناه -مثلًا- أن الإنسان لا يدري.. هذا غيب الله -سبحانه وتعالى- "وأستار غيب الله دون العواقب"، لكن يفكر الإنسان هنا أن الموت والحياة خُلِقَا من أجل أن نُبتلى أيُّنا أحسن عملًا.
عمل أخروي
وأكد الدكتور العودة أن هذا يطلب من الإنسان الإنجاز الدنيوي، و أن يكون الإنسان عالمًا أو مُعَلِّمًا أو حتى متعلمًا، ولكن لا يكون الرابع فيهلك، لكن هناك أيضًا الإنجاز الأخروي، الإنسان في الدنيا مهما أنجز لا يمكن يصل إلى ما أنجزه اليونان والرومان والأمريكان وإبداعات أمم ربما بأكملها، إنما عندما يتأمل الجانب الآخر البعد الروحاني صلاة ركعتين :
واغتَنِم رَكعَتَينِ زُلفى إِلى اللَهِ *** إِذا كُنتَ فارِغًا مُستَريحا
وَإِذا ما هَمَمتَ بِالقَولِ بالبا *** طِلِ فَاِجعَل مَكانَهُ تَسبيحا
أو يُسبح الله -سبحانه وتعالى- أو يرفع يديه ويبتهل إلى الله؛ حيث لا أحد يراه، ويسأل الله تعالى خير الدنيا والآخرة لنفسه وللقريب وللبعيد ولأصدقائه بل ولأعدائه ولخصومه، هنا يشعر الإنسان بأنه يمكن -فعلًا- يعوض النقص الدنيوي الحاد في مجال العمل، وفي مجال الإنجاز ببعض العمل الأخروي الذي إذا بارك الله تعالى فيه يمكن أن تكون مكافأته فلكًا من الأفلاك يكون مخصصًا لك، أو ما هو أبعد من ذلك، بل أعظم من ذلك: النظر إلى وجه الله الكريم!