أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة- المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم"- أن التقنية الحديثة هي جزء من الحياة البشرية لا يمكن الاستغناء عنه، وبالتالي لابد من التدبر والتعاطي معها بشكل إيجابي، معبراً عن طموحه في أن يكون التنوير التقني هماً بالنسبة للجميع حتى سياسياً وحكومياً.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة الأحد من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "عالم تقني" : لقد اخترعت اسم "التنوير التقني" حتى للكبار من الآباء والأمهات، وذلك بدلاً من أن ينظروا إلى التقنية على أنها شيء معجز، مشيرًا إلى أن فضيلته قرر أن يأخذ خلوة أو عزلة لمدة أسبوع كامل بعد رمضان، وذلك للتعرف على أسرار التقنية التي أحتاجها فيما يتعلق بجهاز جوال جديد، مؤكدًا أن الإنسان لابد أن يكون عنده قدرة على مواكبة الجديد والاستفادة من هذه التقنيات، وأن لا يلهم نفسه أن هذه الأشياء تجاوزته أو أن هذه أشياء لا يستطيع أن يستوعبها أو هي لجيل آخر.
وأكد فضيلته أن الإنسان يمكن أن يوسع ويمدد ما يتعلق بالجانب المعرفي، مشيرًا إلى أن المرونة من أهم عوامل التغيير الإيجابي، كما أنها من أهم عوامل القدرة على مواكبة المستجدات، بحيث لا يفرض الإنسان على نفسه أن هذا لا سبيل إليه، بل هناك إمكانية كبيرة، وبالعكس بدلاً من أن يتعلم الإنسان على مدى خمس وعشرين سنة، فإنه يمكن لإنسان بلغ الأربعين أن يتعلم أيضاً.
تنوير تقني
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن كثيرا من المشايخ والدعاة أخذوا بمبدأ التنوير التقني من خلال مواقع الإنترنت، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، ولكن نحن نستفيد قليلا من هذه التقنية، والذي أطمح إليه أوسع من ذلك، وهو أن يكون التنوير التقني هماً بالنسبة للجميع حتى سياسياً وحكومياً، وعلى سبيل المثال، فإنه إلى وقت قريب كان هناك فتاوى يتم تداولها حول الجوال المحتوى على كاميرا وأنه حرام وإلى آخره، وقبلها دخول الجوال إلى المسجد نفسه كان فيه نوع من الكلام والقيل والقال.
وأضاف فضيلته أن تغيرات اليوم لا ترحم، ولا تعطي الإنسان فرصة أن يموت قبل أن تحدث متغيرات جديدة يحاسب عليها، فالكلام الذي قلته أمس قد تجد اليوم أو غداً أن هناك مستجدات تتعلق به، ولذلك فإنه من المهم أن يكون هناك تنوير فيما يتعلق بمتغيرات التقنية ومستجداتها بل وحتى مستقبلياتها، سواء فيما يتعلق بالآباء أو أصحاب الخطاب الديني.
القابلية للاستعمار أم التغيير؟
وقال الشيخ سلمان: إنه بدلاً من مصطلح القابلية للاستعمار، والذي طرحه الأستاذ مالك بن نبي، فإننا نطرح مصطلح القابلية للتحديث والتغيير والذي يجب أن ندندن حوله لنزيل أوهام ما يعبر عنه بأنه لا سبيل أو "لا فائدة" من التغيير، ولكن يجب أن نؤكد أن ثمّ فائدة من التغيير، وأنه بقدر قابلية الإنسان للأشياء السلبية فإن قابليته للأشياء الإيجابية قائمة وموجودة أيضاً.
وأوضح الشيخ سلمان أن التقنية تدخلت في كل التفاصيل والجزئيات، وذلك عندما ننظر إلى بداية ظهور الثورة الصناعة في بريطانيا، وما أحدثته من تغيير، سواء فيما يتعلق برخص اليد العاملة، أو تقسيم المجتمع إلى أرباب العمل والبرجوازيين كما يسمونهم وإلى الكادحين والبسطاء والضعفاء، وكيف كانت سبباً في الاستعمار واحتدام المنافسة الاستعمارية على المواد الخام أو على الأسواق العالمية، وكيف أثرت في جوانب إيجابية فيما يتعلق بقضايا حقوق العمال.. وإلى آخره، وكذلك كيف أثرت على الأسرة.
وضرب فضيلته مثالاً آخر، قائلًا: علينا أن نتخيل ما يحدثه جهاز الجوال من تأثير على الصحة، وعلى لغة الإنسان وطريقة تعاطيه في الكلام اللغوي، وعلى التواصل الكوني الهائل، وعلى تركيز الإنسان، حيث تجد الإنسان -أحياناً- يكلمك وعينه على الجوال يكتب رسالة أو يرد أو ينظر من الذي يتصل عليه، فهذا يشتت الانتباه، إضافة إلى القلق والتوتر الذي يصب الإنسان بسبب التعاطي معه، كذلك له تأثيره على العلاقة الأسرية، فكم من المشاكل بين أفراد الأسرة بسبب الجوال؟ وبسبب بعض الرسائل أو الأرقام المجهولة، فضلاً عن تأثيره من الناحية الاقتصادية.
تقنيات لها جيل
وأردف الدكتور العودة أن الأمر كذلك فيما يتعلق بالسيارات، حيث تجد الناس أصبحوا يتعاطون في قضايا القروض من أجل السيارات، وبالتالي أصبح لهذا تأثير على الشوارع، والإسفلت، والبناء، والتواصل، وطبيعة العلاقات بين الأسر والمجموعات، والاستقرار، وثقافة الخبرة، حيث أصبح الشاب الصغير يعلم والده في خصوصيات السيارة وتقنياتها ومميزاتها.
وذكر الشيخ سلمان أن الأمر كذلك فيما يتعلق بالتلفاز، ونوعية ما يشاهد وما يُسمع للأطفال وللمرأة، فضلاً عن طبيعة الإعلام والعادات والتقاليد الموجودة، والعلاقات التي تحكم المجتمع، مشيرًا إلى أننا عندما نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن تراكم هائل يبني يوماً بعد يوم ويؤثر في عقل الإنسان وقلبه وعلاقات الناس وعلاقات الأسر ويدخل في كل التفاصيل، فيدخل على الخطيب وهو على منبره، وعلى الإمام وهو في محرابه، وعلى الزوجين في غرفة النوم، وعلى الأطفال في مخادعهم، وعلى الفقراء حتى يصيبهم نصيب من ذلك، ولكن الغالب أنه نصيب سلبي.
واستطرد فضيلته: تجد الفقراء يعشون في بيوت من الصفيح ولكن يندر أن تجد بيتاً من دون أن يكون فيه جهاز لاقط أو ثلاجة أو غسالة أو أدوات ترفيه، مشيرًا إلى أن الجهاز اللاقط الذي أصبح في كل مكان يؤكد كيف أن ثقافة التقنية ثقافة صلبة.
ثقافة سلبية.. ولكن
ولفت الشيخ سلمان إلى أن هناك جزءاً من هذه الثقافة السلبية يمكن تلافيه وتداركه، لكن هناك جزء آخر من لغة التقنية وأدواتها لا يمكن التخلي عنه، وقد كان الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- كثيراً ما يدندن حول هذا الأمر ويتحدث بلغة ثقافية راقية عن ثقافة التقنية وأنها تنتمي إلى مجتمعات أخرى.
وتابع فضيلته: ولذلك فإن غالب هذه الثقافة قد يكون فيها جانب إضرار بمجتمعاتنا.
ثقافة.. وعولمة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الثقافة التقنية الهائلة الموجودة الآن هي سنة كونية من سنن التغير، وأن التماشي معها إيجاباً هو الأصل وليس التغني بزمن جميل، قال الشيخ سلمان: كذلك لابد من الاعتدال في الرؤية، خاصة فيما يتعلق بالجانب السلبي، مشيرًا إلى أن هذه التقنية نقلت ثقافة أمريكية وثقافة غربية في كثير من الأحوال نقلة كبيرة، ولنا أن نتخيل حجم ما يشاهد اليوم في القنوات من أفلام ومسلسلات هي في الغالب غربية.
وأضاف فضيلته: كذلك عولمة الجريمة من خلال التقنية ومواقع الإنترنت والتواصل مع كثير من عصابات الإجرام أو المافيا أو غيرها، والتي أصبحت في أزهي عصورها، فضلاً عن القطيعة الاجتماعية، بحيث أصبح الأب يعمل في المصنع والأم تعمل في مكان آخر والأولاد بعيدين عن أهلهم، وحتى وهم في البيت تجد كل واحد منهم عاكفاً على جهازه أو على شاشته.
عنصر محايد
وأوضح الدكتور العودة أن هناك جوانب سلبية، وعادةً الناس دائماً يحنون إلى الوراء، ولكن من الخطأ مجرد الحديث عن الجانب السلبي وكأننا أمام حتمية قدرية دائمة وهي أننا نركض إلى الأمام ونحن ندرك أنه أسوأ، وأن هذا ليس بلازم، فليس صحيحاً أن التقنية دائماً هي مقصلة للأخلاق، ولكن التقنية هي عنصر محايد في الغالب، وعلى الرغم من أن القوي يستفيد منها أكثر من الضعيف ولكن من ميزات التقنية أنها أعطت فرصة حتى للضعيف اليوم أن يسمع صوته، وأن ينشئ موقعاً إلكترونياً أو قناة فضائية أو يقدم برنامجاً أو يتواصل مع الآخرين.
وتابع فضيلته أن التقنية اليوم أصبح فيها جانب كبير من التسهيلات، والخدمات، وراحة الإنسان في منزله، والتكييف، والتنقل، والسفر، كذلك فيما يتعلق بالجوانب الصحية، والعلاج، لافتًا إلى أن عام 1900 كان معدل عمر الرجل في أمريكا 48 سنة، ومعدل عمر المرأة 46 سنة، ولكن الآن معدل عمر الرجل والمرأة قفز إلى 79 سنة بسبب الرعاية الصحية، والاهتمام، وحالة الشعور بالرضا ونوع من الاستقرار النفسي وزوال كثير من حالات التوتر والقلق.
رعاية.. وشفاء
وذكر الشيخ سلمان أن الرعاية الصحية والشفاء هما مما امتن الله به على عباده -، يقول سبحانه وتعالى-: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ)(الجاثـية: من الآية13)، كما يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: « مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ »، مشيرًا إلى أن الإنسان عند قراءة هذا الحديث وأصله في البخاري، يفهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كأنه يحفزنا إلى البحث.
ولفت فضيلته إلى أن هذا ليس خبراً عادياً عندما يقول: « مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً »، وقد كان الشافعي -رحمه الله- يقول عن الطب: علم غلبنا عليه أهل الكتاب، ولا زال الأمر إلى اليوم، مشيرًا إلى أن ملاحظة الشافعي كان فيها قدر من النقد والتوجع فسماه علماً (عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) والجهل به جهل.
وأكد الدكتور العودة أن هذه التقنية مما أنعم الله تعالى به على عباده ومما يستفيد الناس منه، متسائلاً: ونحن في ليلة نرجو أن تكون ليلة القدر وفي أيام العشر، لماذا لا نبكي على هذه التقنية المفقودة؟ ولكنني لا أقصد بالبكاء مجرد الدموع، ولكن أن يوجد عندنا حرقة داخلية متصلة بإيماننا بالله العظيم الذي خلق هذا الكون ووضع فيه النواميس وخلق الإنسان وملّكه العقل وأقدره على الاكتشاف.
وأشار فضيلته إلى أنه ليس صدفة أن تكون الحضارة عند الإنسان الغربي ثم تنتقل إلى الصين وتقفزنا أو أن ينظر واحد منهم من طيارته إلى صحرائنا فيجدنا نرعى الغنم ويكتشف النفط من تحتنا وتأتي الشركات العالمية من أمريكا واليابان وإلى آخره بينما يظل المسلمون يراوحون في مكانهم، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).
توجيه شرعي
وتساءل الدكتور العودة: لماذا يكون الغالب أن العالم أو الفقيه أو رجل الفكر عنده تردد ولا يحب أن يتحمل بعض المسؤوليات، فهو يفضل ويؤثر أن يسكت حتى تفرض هذه الأمور نفسها في الميدان وحينئذ يتكلم عنها أو قد لا يحتاج إلى كلام لأن الواقع حسم الجدل حول هذه القضية، في حين أن الفقيه تاريخياً كان أمام الناس، ويقودهم وليس وراء الناس يتبعهم إذا استقرت عندهم القضايا.
وأوضح فضيلته: إنني لا أريد أن أقول إن الفقيه يجب أن يقود الناس، ولكن هو جزء من القيادة، كما أنه جزء من الرعاية الشرعية والضبط الشرعي، وبالتالي فهو يؤدي دوراً فيما يتعلق بالتوجيه الشرعي وإيجاد قدر من الانضباط في التعاطي مع مثل هذه الأشياء، مؤكدًا على أن وجود قدر من الوعي والمبادرة عند الفقيه أو العالم أو قائد الفكر أصبحت ضرورة لا مناص منها.
وذكر الشيخ سلمان أن التقنية اليوم لا تكاد تستثني أحداً، مشيرًا إلى أنه ربما من سلبيات التقنية أنها أوجدت هوة ما بين الأغنياء والفقراء والشمال والجنوب، وعلى سبيل المثال، فإننا لا نستطيع أن نقول إن التقنية في لاجوس أو في الكاميرون هي التقنية في واشنطن أو باريس ولكن أيضاً حتى البلاد المتخلفة نالها قدر من هذه التقنية، لافتًا إلى أنه من المهم أن يكون عند رجل الفكر أو العلم أو الدعوة أو الفقه قدر من الأسبقية والقيادة والوعي، بل وقدر من التأني أيضاً في إطلاق الأحكام أو في الحكم على الأشياء، حيث لابد أن يكون عنده فهم للذي يحدث، فلا يصلح أبداً أن نفاجأ لأن كل الذي يحدث هو موجود.
وتابع فضيلته أن الحديث عن التقنية كان موجودًا قبل ما يتعلق بالخيال العلمي، حيث كان هناك حديث عن أشهر أنواع التقنيات العسكرية، مثل: القنبلة النووية، كما أن القنبلة النووية كان هناك خيال علمي وروايات تحدثت عنها قبل أن تخلق أو توجد، مما يشير إلى أن الذي يمكن أن يحدث غداً ستجده اليوم وأمس موجوداً ومن السهل توقعه والوصول إليه، بحيث يكون عند الناس الذين يقودون المجتمعات ـ حتى السياسيين ـ وعي بما يمكن أن يحدث.
التوفيق مطلوب
وردًّا على سؤال يقول: هل من الضرورة أن نتخذ موقفاً سلبياً أو إيجابياً من التقنية؟ أم نأخذ المسألة برمتها ويكون لدينا مرونة، قال الشيخ سلمان: إنه لا شك أننا دائماً نقول التوفيق، مشيرًا إلى أنك عندما تسأل أي شخص، فإنه يقول: نأخذ الزين وندع الشين
فمن الناحية النظرية سهل أن تقول: خذ ما صفا ودع ما كدر، ولكن من الناحية العملية والميدانية فإن ذلك محفوف بقدر من الصعوبات، وذلك لأن الناس كلهم لا يتفقون مع الكلام الذي تقوله، فالناس فيهم أنواع وأشكال، كما أن فيهم من يعجبه ويروق له الشيء الذي لا تريده فهو يبحث عنه، ولكن من حيث الجملة فإنه يمكن القول بأن التوفيق فكرة لا مناص منها.
وأضاف فضيلته أن هذه الفكرة تعني أننا مهما كان هناك من التحديات والصعوبات إلا أننا يتوجب علينا في نهاية المطاف أن نقول: إن التعامل مع هذا المنتج التقني اليوم هو تعامل لابد أن يكون مصحوباً بفكرة التوفيق، بمعنى أن الرفض المطلق للتقنية مثلما كان يحدث في أيام مضت أصبح غير مقبول.
قدر من التحفظ
وأوضح الدكتور العودة أنه في الماضي كان هناك رفض مطلق لكل ما هو جديد، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما اخترع إديسون المصباح الكهربائي قامت عليه ثورات ليست من ناس عاديين، ولكن حتى من علماء من النصارى، حيث قالوا: إن هذا نوع من الخداع والهرطقات، ورفضوها وسخروا منها، في حين أن الرفض اليوم لم يعد مجدياً.
وتابع فضيلته أن فكرة القبول المطلق أيضًا لا توجد عند أحد إطلاقاً، فلابد أن لكل أحد قدر من التحفظ، ولذلك يوجد صراع بين تأثيرات التقنية الأخلاقية والاجتماعية وتأثيراتها على التواصل بين الناس، وكذلك تأثيراتها على العادات، مثلما كان علي أو عمر -رضي الله عنهما- يقول: لا تكرهوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.
ضبط الصراع
وأكد الشيخ سلمان على أنه لابد من ضبط الصراع بين هذه التأثيرات التقنية الضخمة والموجودة والقائمة وبين العادات والتقاليد، وأحياناً حتى القيم والمحكمات الشرعية، مشيرًا إلى أننا لابد أن نتقبل الإيجابيات بطبيعة الحال، كما أننا لابد أن نعرف في المقابل أن هناك قدرًا من الثوابت والمحكمات والعادات الحسنة ينبغي علينا أن نقاتل دونها ونصر عليها، ويبقى أن هناك منطقة في الوسط الزمن مؤثر فيها، فربما نرفض بعض الأشياء الآن بسبب شدة الخوف وأننا دائماً يصاحبنا إحساس بالآثار السلبية، ولكن نقبله في وقت آخر.
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، قائلًا: إنني لا زلت أتذكر ما كنا نقوله قبل عشرين عاما في مجالسنا عن مجيء البث الفضائي، ونتساءل: ما الذي سيحدث؟ حيث كان البعض يتوقع أن الأخلاق سوف تنهار بشكل سافر، ولكن تبين مع الوقت أن المجتمعات عندها قدر لا بأس به من الممانعة والمقاومة، مع إقرارها بما في كثير من القنوات من الشر والفساد، كما أن عند كثير الناس شيئًا من التكيف مع هذه الأشياء ومع الوقت ربما يفيئون إلى قيمهم وأخلاقهم، لافتًا إلى أن غالب الناس في المجتمعات، خاصة المحافظين، يبالغون في الخوف من القادم أكثر مما يحدث فعلاً، في مقابل هناك أناس ربما لا يكون عندهم أصلاً اهتمام بقضية التأثير الذي يمكن أن يحدث ومدى ضرره أو سلبيته.
النانومتر
وفيما يتعلق بأن التقنية الحديثة والقادمة بقوة تتعلق بجزئيات متناهية الصغر تصل لأن تكون جزءاً من المليار من المتر تدعى النانومتر، قال الشيخ سلمان: لقد سمعت ذات مرة الملك عبد الله يتحدث عن تقنية النانو وسافرت إلى المغرب فوجدت هذا الكتاب "تكنولوجيا النانو"، وهو من إصدار عالم المعرفة، وهي سلسلة كويتية ممتازة، والمؤلف الأستاذ الدكتور محمد شريف الإسكندراني، حيث قرأت الكتاب فوجدت أن ما يسمونه بتقنية النانو هي شيء مدهش ومذهل، فهي جزء من مليار سواء من الوقت أو من وحدة القياس أو وحدة الطول.
وأضاف فضيلته أن هذه جزيئات صغيرة واستثنائيات يأخذونها كوحدة بناء للقادم، حيث خطر في بالي أنه يمكن في يوم من الأيام أن تصبح هذه الساعة هي جهاز اللابتوب ويكون فيها الكثير من الأشياء، لأنها عبارة عن شرائح رقيقة.
ولفت الدكتور العودة إلى أن هذه التقنية الهائلة الصغيرة ستدخل في كل شيء، سواء فيما يتعلق بجانب الصحة، حيث من الممكن أن يكون في ساعة كل شخص تحليل مختبر كامل، فيحلل الإنسان لنفسه ويعرف الأشياء، كما يمكن أن تكون سبباً في القضاء بإذن الله على أمراض مثل أمراض السرطانات وأمراض السكري وغيرها، بل أشد من ذلك، وهو أن هذه التقنية ستضمن أن يكون هناك تحليل للشخص بذاته ووصف أو تصميم للعلاج، فكل مريض يعطى علاجاً يخصه وليس علاجًا يأخذ من الصيدلية لأي مريض، وإنما لكل مريض وصفة علاجية خاصة به يمكن إنتاجها وفق ظروفه وحاجته وحالته والأمراض الموجودة عنده.
وأردف فضيلته أن الأمر كذلك فيما يتعلق بالجانب العسكري، وأن هذه التقنية من الممكن أن تكون مع الجندي فتتحول -أحياناً- إذا شاء إلى أن تكون خوذة للوقاية أو مختبرًا يرسل إشارات عن وضعه الصحي والنفسي ومكان وجوده، كما أنها من الممكن أن تكون سبباً في إيجاد ألوان من الأغذية جديدة بإذن الله، فتكون سبباً في إطعام الفقراء والجياع، أو في حماية البيئة وتخفيف الاعتماد على النفط أو على الفحم أو على الغاز من خلال تقنية النانو التي لا تؤثر تأثيراً سلبياً على البيئة، كذلك فيما يتعلق بالإلكترونيات فإن هذه التقنية ستكون تحولاً مذهلاً في وجود أجهزة صغيرة ومبثوثة في كل مكان ويمكن الاستفادة منها.
وذكر الشيخ سلمان أن هذه التقنية لها أثرها أيضا في الجانب الاقتصادي والصناعات، مشيرًا إلى أن أول من ابتكرها هو عالم حصل على جائزة نوبل وعمل محاضرة عنوانها "في القاع يوجد هناك متسع"، حيث تقوم فكرته على أن هذه الخلايا الصغيرة أو الذرات يمكن التحكم فيها عن طريق جزيئاتها من خلال عمليات تقديم وتأخير فنحصل على مادة جديدة.
وأشار فضيلته إلى أنه عندما قال هذا الكلام نظر إليه الكثيرون في وقته ـ وهذا قريب، ربما منذ ستين أو سبعين سنة ـ على أن هذا شيء من الخيال العلمي، ولكن اليوم أصبحت هذه التقنية ربما تقنية ضاربة سوف يتم بها الاستغناء عن الكثير من الأشياء وإحداث تحولات ضخمة.
الآي فون.. وحياة أخرى
وفيما يتعلق بأن التقنيات الحديثة مثل "الآي فون" وغيرها يمكن أن تحدث انفصاما بين ذهنية أبنائنا الذين أصبحوا يعيشون في العالم الافتراضي وبين الواقع بتداعياته، قال الشيخ سلمان: إنه حتى في الإنترنت يوجد الآن عالم افتراضي جديد يسمونه "سكند لايف" أو الحياة الأخرى أو الثانية، مشيرًا إلى أن هذا منذ سنوات ولكنه في حالة تطور متسارع، فهذا الجهاز يسمح للإنسان بالدخول في عالم متكامل، فأصبح يعيش عالماً كاملاً، ويدخل مدناً يمكن أن يعيش فيها وسيجد فيها المساجد إن شاء، كما يجد فيها أنماطاً لأداء العبادات وأماكن للتجارة وللبيع والشراء والترفيه ولعب الكرة والرياضة والتسوق والعلاقات والصداقات والبرامج والمحاضرات والحسن والرديء والحق والباطل، فهو عبارة عن عالم متكامل يحاكي العالم الموجود تماماً، وله جمهور ضخم في اليابان والغرب وفي أكثر من مكان.
وأضاف فضيلته أن هذا بدون شك له تأثير، وعلى سبيل المثال، فإن الطفل الصغير قد يغيب عنده الفرق بين الخيال الذي قد يشاهده في فيلم كرتوني وبين الواقع الذي يعيشه، مما قد يؤثر على عقلية الطفل وعلى تعاطيه مع الأشياء وقدرته على الاحتمال.
معالجة.. وتخطيط
وأردف الدكتور العودة أنه لابد من الحد من فكرة أن يقضي الأولاد والبنات طول وقتهم على هذه الأجهزة، فمن الممكن أن يقتصر ذلك على ساعتين أو ثلاث أو أربع ساعات في أوقات إجازة، مشيرًا إلى أن اليونسكو أصدرت تقريراً عن الشباب والبنات العرب، أشار إلى أنهم يقضون أربع عشرة ألف ساعة في المدرسة واثنين وعشرين ألف ساعة أمام الحاسوب والشاشة.
ولفت فضيلته إلى أن فكرة التعليم تعد من الأفكار الإيجابية، حيث يمكن استغلال الوقت الذي يقضيه الأطفال والشباب في استخدام هذه الأجهزة في التعليم ولو باللعب، وذلك لأن الإنسان يستمتع بالأشياء التي يستفيد منها، كما أنه من الرائع أن نحول التعليم إلى متعة، موضحا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يوجد مؤسسات أو أجهزة أو جهات أو هيئات في عالمنا العربي والإسلامي تعالج هذا المستجد وتخطط له وتحاول أن تستدرك مستقبل الجيل من خلال كون هذا الوقت الضخم الذي يبذل هو ثروة هائلة حتى مادياً، فضلاً عن أنه ثروة إنسانية ومعرفية ضخمة لأولادنا وبناتنا تستحق منا لفتة هي أهم؟.
جهات مسئولة
وذكر الشيخ سلمان أنه يوجد في أي بلد نفطي وزارات ومؤسسات وجهات ودراسات وحساب للأسعار وزيادة وانخفاض إلى آخره، ولكن ماذا عن هذه الثروة البشرية التي لا يستهان بها، حيث لابد من جهات عليا مسئولة، وإن كان يوجد عندنا هيئة الاتصالات.
تابع فضيلته: ولكن لابد من تفعيل مثل هذه الأجهزة والأدوات بحيث نوظفها حتى في التعليم نفسه عن طريق اللعب، وكيف نستطيع أن نغرس القيم عن طريق اللعب، وكيف نستطيع أن نضخ الأموال بإنتاج برامج وأدوات منافسة تستطيع أن نتقدم ليس فقط بجيلنا وإنما بثقافتنا، بحيث نستطيع أن نصل إلى آخرين.
ملل.. وتنقل
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الخيط الذي نمسك به الآن لعبة ترافيان من أمم وحروب وعسكر ومفاوضات يجريها أطفالنا ومراهقونا لدرجة أنها أصبحت ظاهرة، قال الشيخ سلمان: لقد كان ابني البراء دائماً يحدثني عن هذه اللعبة لفترة معينة، ولكن أصبح عنده ملل بعد ذلك، مشيرًا إلى أن الملل قد يكون من التقنية بحيث إنه من الممكن أن يتركها وينتقل إلى غيرها.
وأضاف فضيلته: لكن خلال هذا التنقل ينبغي أن نكون قريبين من أبنائنا وأن نشاركهم على الأقل جزءاً من الوقت بحيث نضمن أن يكون اتصالهم بالعالم الواقعي من خلال جلسة الغداء، أو العشاء، أو الفطور، أو السحور، أو ركوب السيارة، أو السفر، أو الاتصال المستمر، حتى لا يخلصوا لهذا العالم الافتراضي.
البلاك بيري
وفيما يتعلق بأن البلاك بيري كان ظاهرة في نشوئه، وتعلق أبناؤنا به وبقرارات الإغلاق، قال الشيخ سلمان: إن البلاك بيري هو عبارة عن جيل جديد من هذه التقنيات المذهلة بالخدمات لا أقول اللانهائية لكن الضخمة والهائلة في سرعتها ورخصها، مشيرًا إلى أننا عندما نتحدث عن هذه التقنيات، فإننا تتحدث عن مخترعين غيروا العالم، كما نتحدث عن أثر الإنترنت في الحياة البشرية وأنه أصبح جزءاً لا يتجزأ منها، حيث يندر أن تجد إنساناً ليس عنده إيميل، فهو مثل من يقول: لا أستطيع أن أكتب الحروف.
وأضاف فضيلته أن الأمر يبدو مرتبطا بالجانب الأمني وصعوبة المراقبة أو وجود أدوات للرقابة، وهذه قضية تثار أمنياً، مشيرًا إلى أنه لا شك أن هناك تحكمًا كبيرًا في معظم هذه التقنيات، بل إنه مثلما تتسارع التقنيات فإن هناك تسارع أيضا في تلك التقنيات التي تراقب التقنيات، وتراقب الناس، وتستطيع أن تحسب عليهم أنفاسهم وتراقب حديثهم واتصالهم وغير ذلك من الأشياء.
استقلال.. ورقابة
وأوضح الدكتور العودة أن جزءًا من ذلك ضروري من أجل ضبط الاستخدام حتى لا يتحول إلى جريمة أو تسلل، ومع ذلك تظل هذه الأدوات لها قدر كبير من الاستقلال والرقابة، مشيرًا إلى أن سقف الرقابة ارتفع وامتد وهذه ميزة من ميزات التقنية، حيث أنها أعطت دوراً للأفراد العاديين، كما أن هامش الحرية ارتفع في جميع بلاد العالم التي شهدت مثل هذه الأشياء، حيث ارتفع في طريقة ما يتحدثون فيه وما يتكلمون عنه ونظرهم للأشياء.
وتابع فضيلته أن الناس كلهم شعروا بهذا، حتى الحكومات أصبحت تدرك فعلاً أنها لم تعد تحاسب الناس على الكلمة أو العبارة مثلما كان الأمر في الماضي، ولكن الأمر أصبح يتعلق بملاحقة الجرائم أو دوائر العنف أو الاستخدام السيئ لمثل هذه الأدوات.
ثقافة مغايرة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن ماسنجر البلاك بيري أحدث ثقافة مغايرة وظاهرة في عالم الشباب والبنات، حيث أنه بعدما كان يستخدم في عالم البزنس غرباً استخدم في عالم الترفيه، قال الشيخ سلمان: كما أنه أنتج لغة جديدة ومركبة، حيث أن الإنسان يجد نفسه أحيانا في حاجة إلى تفكيك بعض رسائل الجوال التي تصله، لأنها تشتمل على كلمات وحروف وعبارات جديدة ولغة جديدة.
وأضاف فضيلته: لقد جمعت قائمة تضم عددا من هذه المصطلحات، وهي عبارة عن قائمة طريفة في الكلمات.
المرأة.. والإنترنت
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن بعض الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من 60% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في السعودية هم من النساء، وأن استخدام المرأة للإنترنت يغلب عليه الجانب الإيجابي وليس للهو كما هو الحال مع كثير من الرجال، قال الشيخ سلمان: هناك العديد من الإحصائيات واستطلاعات الرأي، ولقد جربت الاعتماد على إحصائيات رسمية ودقيقة، كما حصلت على عدد من الإحصائيات تشير إلى جزء من هذا وذكرتها سابقاً، وذلك أنه قبل بضع سنوات ربما أول ما وجد الإنترنت كان استخدامه بطريقة سلبية هو الأغلب باعتباره شيئاً جديداً لم يعتاده الناس.
وأضاف فضيلته: ثم مع الوقت تغيرت الكفة، مثله في ذلك مثل الفضائيات أو أي تقنيات جديدة، ولكن في نهاية المطاف يصبح الناس أكثر اعتدالاً في توظيفها لصالح حياتهم، وعلى سبيل المثال فإن الناس يستخدمون السيارة اليوم بطريقة عادية لمصالحهم وتجاراتهم وأسفارهم وعلاقاتهم وعباداتهم وهذا هو الغالب الأعم، بينما هناك أناس ربما يستخدمونها لإيذاء الآخرين أو يستخدمونها بطريقة سيئة أو في غير مكانها.
جيل أمي؟!!
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن هناك من لديه تخوف من أن الأجيال القادمة ستعاني من الأمية بسبب عدم استخدام القلم أو الكتاب الورقي، والاعتماد على التقنيات الإلكترونية، قال الشيخ سلمان: هذا مستحيل، مشيرًا إلى أن فكرة كون التقنية الجديدة ستلغي كل المنتجات القديمة ويصبح العالم كله يتحدث بهذه اللغة غير ممكنة، لأن هناك أناسًا اليوم لم يعرفوا بهذه التقنيات التي نتحدث عنها كلها لأنهم مشغلون بلقمة العيش، كما أنه يظل عند الناس ممانعة.
وأضاف فضيلته: إنني لا يمكن أن أستغني عن القلم بحال من الأحوال، وحتى الأشياء التي في التقنية أنا أكتبها ثم أنزلها هناك، كما أنني أجد متعة في القلم، فربما هذا بسبب أني تعودت عليه، لكن الحياة البشرية هي هكذا، وحتى هذه التقنية التي يذكرها الأخ عند من وصلت بهم إلى هذا ليس هذا سلبياً في نظري، فاستخدام القلم والكتابة ليس مطلباً لذاته وإنما كون الأستاذ يستخدم سبورة ذكية أو يستخدم اميلات فإن هذا لا بأس فيه.
تهنئة.. وتغيير
وفي مداخلة له مع البرنامج، قال الدكتور عبد العزيز الخضيري ـ وكيل إمارة مكة المكرمة ـ: إنني في البداية أهنيكم على هذا البرنامج العلمي والعملي المتوازن، مشيرًا إلى أنه كما أوضح فضيلة الشيخ سلمان، فإن المطلوب عدم تغيير الثوابت وعدم تثبيت المتغيرات، وهذه هي الرسالة السامية والنبيلة التي نتمنى أن تصل للجميع، لأننا كلنا نسعى للتغيير من أجل التطوير وليس للتغيير من أجل التغيير كما يعتقد البعض، لافتًا إلى أن هذا البرنامج سيحمل الخير الكثير لنا بإذن الله.
وفيما يتعلق بالتغيير في مكة، ذكر الخضيري أن مكة تشهد نقلات نوعية كبيرة، كما أننا كلنا نتابع جهود خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله في دعم كل المشاريع التي تطلبها مكة المكرمة، مشيرًا إلى أن مكة تحظى بشيك مفتوح لكل مشاريعها، وبالتالي فنحن نرى التغير اليومي، لافتًا إلى أن المسعى تطور وغُيّر في أقل من سنتين وأصبحت طاقته الاستيعابية متميزة، إضافة إلى المشاريع الأخرى في المشاعر.
وأوضح الدكتور الخضيري أن العمل في مكة من خلال رؤية تنموية لها محوران أساسيان:
المحور الأول: بناء الإنسان، وهو عبارة عن إستراتيجية أعلنها أمير منطقة مكة المكرمة ، ووضع من خلالها خطة عشرية لتطوير مختلف البرامج والمشاريع في مكة المكرمة، حيث هناك تركيز على برنامجين، حيث تم التركيز في البرنامج التوعوي والارتقاء بإنسان مكة المكرمة ليصل إلى ما نتمناه وهو "القوي الأمين"، من خلال وضع خطة توعوية وبرنامج متكامل من محاور عديدة منها: حملة الحج والعمرة عبادة وسلوك حضاري، فإنه كما نعرف جميعاً أن الحج والعمرة عبادة لكن خلفها سلوك حضاري هام، فالعالم كله اليوم يتابعنا ويرى ما يدور في مكة المكرمة.
وتابع وكيل إمارة مكة: إننا عندما كنا ندرس في أمريكا كنا نحلم أن نسمع كلمة عربية واحدة في القنوات التليفزيونية في أمريكا، ولكن اليوم ولله الحمد نجد أن الصلوات جميعها بما فيها صلاة التراويح والقيام تبث في جميع دول العالم، فالعالم اليوم يراقبنا، ولهذا السبب كان التأكيد في الحملة على أهمية السلوك الحضاري، وكيف نبرز سلوكياتنا الحضارية.
وذكر الدكتور الخضيري أنه يندرج تحت هذا المحور أيضا برنامج مراكز الأحياء والذي يعمل على تفعيل دور السكان المحليين المقيمين في مكة المكرمة من السكان السعوديين وغير السعوديين في إبراز شعائر وخصائص البلد الحرام، كما أن هناك مشروع تعظيم البلد الحرام ومشروع مكة بلا جريمة، لافتًا إلى أن كل هذه البرامج حقيقة تركز على الاهتمام بالإنسان وبنائه البناء السليم، فضلا عن برامج أخرى عديدة.
المحور الثاني: تنمية المكان: حيث نرى جميعاً الجهود المباركة لخادم الحرمين الشريفين ومتابعته الشخصية للعديد من البرامج والمشاريع اليوم، فمكة تعيش اليوم مرحلة تنموية أو ما يمكن أن نسميه بـ"الطفرة التنموية"، سواء فيما يتعلق بمشاريع البنية التحتية والطرق وبرامج النقل والإسكان، أو ما تقوم به الحكومة أو ما يقوم به القطاع الخاص، لافتًا إلى أن هناك محورًا أساسيًا في إستراتجية المنطقة ركز على الشراكة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص وأنه لن نستطيع أن ننجح إذا ما تضافرت الجهود مع بعضها البعض وعملنا كروح الفريق الواحد.
وأشار الدكتور الخضيري أنه فيما يتعلق بالتنوير التقني الذي أشار إليه الشيخ سلمان، فإن هناك برنامجًا نعمل من خلاله على جعل مدينة مكة المكرمة بإذن الله -سبحانه وتعالى- من أذكى مدن العالم لخدمة ضيوف الرحمن، حيث سيتم التركيز على الاتصالات والتواصل والنقل واستخدام ما يسمى بالسوار الذكية، حيث يكون لكل حاج ومعتمر معلومات متكاملة موجودة يستطيع رجل الأمن أن يقرأ المعلومة ويساعد أي شخص، وأين موقع سكنه؟، أو غيره من المعلومات التي نحتاجها، سواءً لخدمة ضيوف الرحمن أو لخدمة مختلف القطاعات العاملة.
مكة.. مدينة بلا تدخين
وفيما يتعلق بالدعوة إلى أن تكون مكة المكرمة مدينة بلا تدخين، قال الدكتور الخضيري: لقد كان هنالك توجيه من خادم الحرمين الشريفين لجعل مكة المكرمة والمدينة المنورة خالية من التدخين، حيث هناك برامج كبيرة تعمل عليها إمارة المنطقة مع عدد من الجمعيات الخيرية، فمكة المكرمة مثلها مثل أي مدينة في العالم فيها السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية، ولكن في تعاملنا مع الإخوان حاولنا أن نستخدم المنع بعيدا عن صورة صدام، ولكن من خلال رسالة من شباب دربوا للإيحاء بأن قدسية هذا المكان تتطلب احترام المكان وضيوفه.
وأضاف: لقد بدأنا بالتواصل مع المدخنين من خلال إهدائهم سواكًا، أو بعض الرائحة الطيبة مثل العود وماء الورد وغيرها، حيث وجدنا أن هناك تجاوبًا كبيرًا من الكثير من المدخنين في استيعاب هذه الرسالة، كما أبرزنا الخصائص الأساسية لمكة المكرمة وجعلناها مثل الكتيب في يد زملائنا الذين يوضحون وينبهون على هذه الأمر.
وأردف الدكتور الخضيري أن الجميع اليوم في قمة سعادتهم، وأنا أنقل صورة من الميدان بين العاملين، حيث أطمئنكم على أن جميع العاملين ومختلف رجال الأمن والعاملين في الميدان يشعرون بسعادة كبيرة، ومع ما يعيشونه من مشقة الصيام والحر والازدحام إلا أنهم يشعرون بفرحة عظيمة لخدمة ضيوف الرحمن، فضلا عن إحساسهم بعظم المسئولية وأنهم مساءلون أمام الله -سبحانه وتعالى- ثم أمام قيادة هذا البلد الغالي، وأنهم مطالبون بتقديم أفضل الخدمات.
شرف.. واحتساب
وتعقيبًا على هذه المداخلة، قال الشيخ سلمان: إن ما ذكره الدكتور الخضيري يحتاج إلى حلقة كاملة، مشيرًا إلى أن لمسئولية والصبر على الناس وتحملهم وهم ضيوف الله عز وجل، ذلك شرف قبل أن يكون وظيفة، مشيرًا إلى أن الوظائف التي يكون فيها مسئولية كبيرة غالبا ما يكون الراتب لا يتناسب مع قدر الجهد المبذول في هذه الوظيفة، وتكون الوظيفة في هذه الحالة ليست مرتبطة بدوام معين بل تستمر طوال اليوم، وربما تكون مصدر تعب وقلق له في كل الوقت.
وأضاف فضيلته: إنه يجب التأكيد في هذه الحالة على فكرة الاحتساب، وأن يشعر الإنسان بأنه يتعامل مع الله -سبحانه وتعالى- في أي وظيفة، حتى لو كان في أقصى الأرض، لكن أن يكون في مكة ومثلما ذكر الدكتور أيضاً كلمة الأمير خالد أن يتعامل ويكون في خدمة ضيوف الله -سبحانه وتعالى-، فإن هذا المعنى الروحاني والإيماني ينبغي أن نوصله إلى الناس، والتأكيد على أن هذه العمل يعد شرفا لأي شخص.
وفيما يتعلق بحديث الدكتور الخضيري عن بناء الإنسان وتنمية المكان، قال الشيخ سلمان: إنه فيما يتعلق ببناء الإنسان، فإن هناك جانب التوعية، وخاصة أن مكة مجتمع كبير، وفيها أناس ربما جاءوا إلى الحج وبقوا فيها أحياناً بطريقة ربما عشوائية، مشيرًا إلى القدرة على التوعية وجعل موسم الحج والعمرة مناسبة لإظهار سلوك حضاري ونشر القيم، وكما ذكر الدكتور، الخضيري فإن العالم يراقبنا، حيث هناك النقل الحي لمثل هذه المواسم، مما يجعلنا نشعر بمسئولية إضافية، والله -سبحانه وتعالى- يراقبنا باستمرار ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.
وأضاف فضيلته أن هذا معنى إيماني ربما يغيب عن الإنسان، لكن إحساسك بأن الناس يشاهدون التفاصيل والإنجازات وحركة السيارات والبناء وحركة الفرد العادي أمر في غاية الأهمية؛ ولذلك كانت مراكز الأحياء وبرامج "مكة بلا جريمة"، و"مكة بلا تدخين" وعشرات البرامج والمشاريع والتي يجب أن يكون هناك توظيف لمئات الآلاف من الشباب بها.
وفيما يتعلق بحديث الدكتور الخضيري عن تنمية المكان، قال الشيخ سلمان: هناك العديد من عمليات البناء والمشاريع المتسارعة، والتي عبر عنها الدكتور الخضيري، بأنها طفرة وشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص وتحويل مكة إلى مدينة ذكية عالمياً، فضلا عما يتعلق بنقل الحاج والتي تعد أمرا هاما في عملية تنمية المكان، فالكل يشهد بأن مكة تشهد حركة تنموية وأسعار العقار فيها أكبر دليل على ذلك، وكذلك التوسع الضخم، وتوسعة الملك عبد الله للحرم والتوسيعات السابقة، لافتًا إلى أن مكة تشهد حركة معمارية لا أظن أن أي مدينة أخرى في العالم تقارن بها من حيث تسارع هذا البناء، إضافة إلى ضخ عشرات المليارات، خاصةً فيما يتعلق بتثمير الأراضي.
وأضاف فضيلته إن الدكتور عبد العزيز متخصص حسب معرفتي في التخطيط، فهو خريج جامعة هارفارد، وكان يعمل في هذا الجهاز، حيث اطلعت على عدد من مقالاته في صحيفة الاقتصادية، كما أن لديه كتابا مترجما في الاستراتجية والتخطيط، لافتًا إلى أنه لابد أن يكون هناك فكرة تخطيط لمكة بعد عشر سنوات، فإنه لو وجد فكرة لشيء مؤقت فإن عدد الذين يأتون إلى مكة يتزايد كل عام، حيث بلغ هذا العام ثلاثين أو أربعين مليونًا للعمرة، وثلاثة أو أربعة ملايين خلال الحج، وهذا رقم لا يستهان به.
اختيار التوقيت
ولفت الدكتور العودة إلى أن كثيرًا ممن يأتي مرة إلى الحج أو العمرة فإنه قد لا يأتي مرة أخرى، وهذا معناه أنك تتعامل مع ناس جدد لم يسبق لهم التعرف على طبيعة الجغرافيا والبلد والمداخل والمخارج.. إلى آخره ؛ ولذلك أن يكون هناك خطة مؤقتة ولو لسنة فإنه ربما يمر موسم حج وعمرة، ولذلك فإنه يجب مراعاة التوقيت نفسه الذي تتم فيه هذه الأعمال.
وتابع فضيلته أن الأشياء المؤقتة لابد أن يكون فيها قدر من مراعاة أن القادم جديد وأن يكون فهناك مراعاة التسهيل على القادمين إلى مكة المكرمة.
المدينة الأذكى
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إنني أثق في أن مكة ستكون المدينة الأذكى، وأن كل المشاكل التي تعترض الحج والعمرة تحل بحلول تقنية، قال الشيخ سلمان: إنه ربما مما نفع وينفع أن يكون هناك مركزية المسئولية في مكة، حيث تلاحظ أن هناك تداخل مسئوليات تتعلق بجهات ووزارات مختلفة ومسئولين، حيث أصبح اليوم هناك ضرورة لأن يكون هناك على الأقل مركزية.
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، قائلًا: إنه فيما يتعلق ببناء الإنسان وتنمية المكان داخل الحرم فإن المسئولين داخل الحرم يتعاطون مع الحجاج والمعتمرين ورجال ونساء العسكر وغيرهم، كما سمعت من أكثر من شخص أنه أصبح الآن هناك قوة خاصة للحج، وهذه نشر عنها في الصحف ربما عشرات الآلاف من العسكر المخصصين للحج والعمرة، وليسوا فقط يأتون استثناءً وإنما هم موجودون بانتظام مما يورث عندهم خبرة.
رقابة.. ومركزية
وأوضح الدكتور العودة: ولكن هؤلاء الناس الذين هم داخل الحرم قد يكونون مرتبطين أحياناً بشؤون الحرمين أو بجهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلقد رأيت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملت عملاً داخل الحرم جميلاً، حيث وجدت أن الهيئة الآن أصحبت تقوم بتسهيل عملية الدخول أو حجز أماكن معينة من خلال التسهيل للناس وليس فقط المنع.
وتابع فضيلته أن هذا شيء يشكر، فقبل أيام خاطبني إخوة من هيئة الرس عندهم في السوق مكان يستقبلون فيه المتسوقين ويستريحون ويسترخون ويكون عندهم خدمة بدلاً من أن يظن الناس أن مهمتهم هي فقط المنع، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون هناك مراقبة لهؤلاء ومركزية في المسئولية، بحيث تكون جميع الجهات ترتبط بجهة خاصة ومشرفة على كل هذه الأنشطة.
وضع مركزي
ومن جانبه ذكر الأستاذ أحمد الفهيد، والذي يمثل "صدى الجمهور"، أن هناك كثيرًا من القضايا التي أثارتها حلقة الأمس ودار حولها الكثير من النقاش، كان في مقدمتها، ما كتبه الكاتب وائل مرزا في صحيفة العرب القطرية تحت عنوان "مؤسسة الاجتهاد والتجديد.. سلمان العودة مثالاً"، حيث يؤكد أن أي تغيير في المملكة العربية السعودية على الخطاب الديني فإنه سيؤثر قطعاً في العالم كله، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، فالمملكة لها وضع مركزي، مشيرًا إلى أن فضيلته يعترض على أي صورة نمطية عن السعوديين أو عن غيرهم، لافتًا إلى أننا كثيراً ما نقول: المصريون فيهم كذا أو السوريون أو العراقيون، مؤكدًا أن هذا يجب أن يتوقف حتى لا نظلم شعوباً بأكملها.
وأضاف فضيلته: إننا علينا أن نبحث عن علاج لكل الأخطاء والثغرات الموجودة فينا، فضلا عن رعاية الاختصاص في العلوم الاجتماعية: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(النحل: من الآية43)، وألا يقتحم الفقيه أو العالم لتخصصات ربما لا يكون عنده فيها علم أو إلمام، خاصةً في كلام في الحلال أو الحرام أو المنع أو غير ذلك.
اقتتال طائفي
وتعقيبًا على التفجيرات الطائفية الأخيرة التي شهدتْها باكستان والعراق، حَمَّل الشيخ سلمان علماء السُّنَّة والشيعة المسئولية عن الاقتتال الطائفي والفوضى والانهيار الذي يعاني منه العالم الإسلامي خلال الفترة الحالية، مشيرًا إلى أن مسئولية علماء السنة والشيعة تكمُن في رفض القتال وإدانته، وخاصة الاقتتال الطائفي، وتعرية أيّ سند لهؤلاء الذين يقومون بممارسة القتل وإذكائه، وأيضًا رفض السبّ والشتم وإهانة الأشخاص الذين لهم الفضل والمقام والقداسة، وزكّاهم الله تعالى في كتابه وزكّاهم الرسول عليه الصلاة والسلام".
وناشد فضيلته جميع الفقهاء والعلماء "بأنّ يكون هناك صوتٌ واضح في هذا الإطار لا يحتمل التأخير أبدًا"، معربًا عن أسفه لما آلَ إليه وضع الأمة الإسلامية قائلًا: إنني يعتصرني الأسى والألم، وأشعر ببركان يثور بداخلي في هذا العصر الذي ندرك فيه حجم التحدّيات، حيث يسعى أناس من أبنائنا إلى إثارة قضية الصراع والقتال الطائفي؛ فانفجارات في بغداد وكذلك في باكستان، وأحيانًا جهات تعلن مسئوليتها كمجموعة طالبان الباكستانية، التي أعلنت مسئوليتها عن التفجير وقالت: إنه انتقام لمقتل أحد العلماء السُّنَّة".
انضباط مفقود
وتساءل الدكتور العودة: "هل هؤلاء الذين استهدفهم التفجير هم الذين قتلوا هذا العالم؟! أين المحكمة التي تحاكم؟ وأين الجهة المسؤولة؟ هل أصبح في بلاد المسلمين يأخذ الإنسان حقَّه بيده، فأنا لا أستغرب أن يوجد في كل طائفة وفي كل بلد أناس ربما ليس عندهم انضباط بل ولا رؤية خاصة لكيفية تحقيق المقاصد والمرامي بعيدًا عن مصلحة المجتمع كله، وبعيدًا عن معرفة المآلات والعواقب الوخيمة التي يمكن أن تنتظر مجتمعًا يسير نحو الفوضى والانهيار، لكنني أستغرب بالفعل غياب دور العلماء".
وأضاف: إنه في الوقت ذاته جاءني كمّ هائل من الرسائل تتحدث عن جماعة في لندن أقامت موسم سبّ وشتم لأمِّنا الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وإننا ندرك أنهم ليسوا علماء ولا حتى عقلاء، ولكن أين شيوخ هذه الطائفة وأين رموزها وأين مراجعها؟
أين دور العلماء
وتابع الشيخ سلمان: متى نسمع عن دور العلماء كلهم من السنة ومن الشيعة إذا لم نسمَعْه الآن؟ متى نسمع الشجب والاستنكار والرفض من علمائنا لهذا القتل الطائفي والسب والتطاول على الصحابة رضوان الله عليهم.
وأشار الدكتور العودة إلى أن السيدة عائشة هي "عشيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشريكته في حياته لمدة عشر سنوات، وقبض النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في حجرِها وكما تقول "بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي"، وهي التي روت لنا الأحاديث، ولم يكن ربنا سبحانه ليختار لنبيِّه ومصطفاه إلا أفضل النساء.
وأضاف: ومثلما أن لفاطمة قدراً ولخديجة قدرًا فإن لعائشة _رضي الله عنهن- هذا القدر الذي يجمع عليه المسلمون، ونزل به القرآن الكريم بالثناء والبراءة (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) (النور: 11)، فكيف يقام للإفك مخيمات ومؤتمرات ومظاهرات؟ وهنا إذا فعله السفهاء فأين العلماء؟".
التعايش مطلوب
وأكَّد العودة أن "هذه الأمة تعايشت أكثر من عشرة قرون مع بعضها بعضاً في الخليج والعراق وباكستان وفي كل مكان، وإن قتل الأبرياء والقتل الجماعي للناس شيء لا يحبُّه الله ولا يرضاه، خاصةً وأنه في ليالٍ مباركة، يستقبل الناس فيها معنى السلام، (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر:5) فمتى يسلم الناس من اليد التي تقتل، ومتى يسلم الناس من الألسنة التي تشتم؟ وتشتم مَن؟! تشتم الجيل الأول، أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- التي يشهد الله أنها أحب إلينا من أنفسنا ومن أمهاتنا ومن أزواجنا ومن بناتنا وأن حبها إيمان وبُغضها نفاق"!