88- نعم أتغيَّر! (1/2)

 

حين أنطلق من منصتي الأولى نحو التأثير على الآخرين سأكون تلميذاً يختبر معلوماته التي تلقَّنها في البيت، والحلقة، والمدرسة، والمحضن الحركي أو التربوي، وهي تحوي الكثير من الأساسيات الجوهرية التي لا أبغي عنها حِوَلاً!

تحوي الجذور الراسخة؛ التي تربط الشجرة بتربتها وترسِّخ انتماءها؛ كأركان الإيمان والإسلام، ومبادئ الأخلاق، وأصول الأحكام.

وضمنها الإجماعات المعتبرة الثابتة؛ التي تحمي سياج الشريعة المحكمة، وتوفر على السالكين عناء إنتاج البحث من جديد في مسائل لا حاجة تدعو إلى النظر فيها.

ومن وراء هذا القدر الثابت تقع دائرة الفروع التي جرى الخُلف فيها والتنازع حولها عبر القرون، ابتداءً من الصدر الأول وعهود السلف ثم الأئمة وأتباعهم.

وفي كل مجتمع تتوفر مقررات خاصة يتداولها الناس، ويأخذونها غالباً مأخذ التسليم.

وهذه تشمل خيارات فقهية من المذهب السائد وهو المذهب الحنبلي.

وخيارات أخص من الكتب المتداولة، وخاصة زاد المستقنع وشروحه، وهذه وتلك يتم فهمها وتطبيقها ضمن نظام البيئة المحلية؛ التي لا تنفك عن المؤثِّر البشري، وتختلف بين مجتمع وآخر.

وثمَّ نمط ثالث من الخيارات الفقهية التي تقبَّلها الناس كجزء من الثقافة الشرعية؛ لأنها اختيارات الإمام ابن تيمية وابن القيم، وعادة ما يختم الباحث تطوافه بين الأقوال بترجيح رأي الشيخين.

وهنا لا يتم التدقيق إن كان القول موافقاً للجمهور أو غريباً، ففي كل الأحوال هو دليل على عظمة هؤلاء الأئمة وعمق اختيارهم، وعند التأمُّل يظهر رجحان أقوالهم من مجموع الأدلة ولو خالف المشهور والسائد التاريخي!

وإذا تعزَّز هذا القول بترجيح الشيوخ الأجلاء؛ كابن باز، وابن عثيمين.. لم يكد يجرؤ أحد على خلافه علانية.

ومن هذا الباب سادت أقوال قَصْر الصلاة للمسافر وإن طال سفره؛ خلافاً لقول الأئمة الأربعة، ومثله الفطر في رمضان، ومسألة وقوع الطلاق الثلاث واحدة إذا كان بلفظ واحد، أو في مجلس واحد، وعدم طلاق الحائض، وعدم جريان الربا في الذهب المصنوع كحلي؛ خلافاً لمشهور الأئمة الأربعة.

ومن الطريف أن ابن تيمية -رحمه الله- سئل عن هذه المسالة في فترة مبكرة من حياته، فأفتى بالتحريم ووجوب رد السلعة إن كانت قائمة، وحكاه اتفاقاً لأهل العلم، ثم رجع عن ذلك وقرر الجواز بنَفَسٍ طويل فيما يقارب مائة وخمسين صفحة في كتابه (تفسير آيات أشكلت)، ونقض قوله الأول، ووافقه ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين)،

وفي رسالته عن الأسماء الشرعية عدل عن أقواله السابقة التي قررها في شرح العمدة، وبعض فتاويه، وكتبه المتقدمة في مسائل يطول سردها، بما يصح معه أن نقول إن ابن تيمية انتقل من منهج اتباع المذهب إلى منهج اتباع ما يعضده الدليل النقلي والعقلي حسب اجتهاده، واقتضى هذا أن يتجاوز أقواله السابقة دون حرج، ولم تكن تلك الأقوال القديمة التي هجرها مما قاله من قِبَل نفسه بل هي آراء فقهية قال بها أئمة، وربما اعتذر لهم ابن تيمية.

كما أن غالب أقواله الجديدة كانت نتيجة اطلاع على كتب ومذاهب وآراء خارج مألوف المدرسة التي تربَّى فيها، إذ من الواضح أنه انتقل إلى قراءة فقه الصحابة والتابعين والسلف، ودرس مدونات واسعة؛ كمصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، واعتنى بـ(المحلى) لابن حزم، ونقده في مسائل، واقتبس منه كثيراً في مسائل عظيمة.

ومن الواضح أن الفترة العمرية التي وصل إليها ذات تأثير، كما أن الاتصال بالناس، وتلمس حاجاتهم ومشكلاتهم، ومعرفة أوضاعهم الاجتماعية، وظروفهم الشخصية.. طبعت شخصية ابن تيمية بطابع أقرب إلى الواقعية، وإدراك مبدأ المصلحة الشرعية، ومبدأ العدل على ضوء متغيرات الأحوال ومستجداتها.

كان ابن تيمية أكثر موضوعية من ابن حزم، ولذا يغلب عليه عرض الأقوال وأدلتها والتخيُّر منها، وطالما رجَّح قولاً لأبي حنيفة في المعاملات، أو لمالك في الطهارات، أو للشافعي.. مع حفظ مقامات الأئمة وبيان مأخذهم في الاستدلال.

ابن حزم فقيه أصيل، ومجتهد جليل، لكنه شديد الحمل على خصومه، وقلَّما يعتذر لهم، وهو شديد التمسك بقوله ولو كان غريباً أو شاذاً.

ولا يُعرف لابن حزم أقوال تخالف ما قرره في (المحلى) بشكل حاسم، كما حدث لابن تيمية، ولكن لا أحد يَعُدّ هذه منقبة لابن حزم.

ولا مناص من الإشارة إلى أن أئمة كباراً من المدرسة ذاتها، بل من تلاميذ ابن تيمية وخاصته، لم يواصلوا معه المسير إلى النهاية، واستوحشوا من آرائه، ولم تعجبهم جرأته على انتحال الأقوال وترجيحها وإشاعتها، ومن أشهرهم الإمام ابن رجب الحنبلي المُحدِّث الأصولي الفقيه؛ الذي ثبت عنه رجوعه عن الإفتاء بأقوال ابن تيمية، كما ذكر الحافظ ابن حجر في (إنباء الغمر بأبناء العمر)،

وبسبب ذلك جفاه بعض تلاميذ ابن تيمية ومحبيه، وقد رجع ابن رجب إلى اعتماد المذهب، وصنَّف رسالة مطبوعة في تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، ورسالة أخرى في وقوع الطلاق بالثلاث؛ خلافاً لرأي ابن تيمية.

كما نسب بعضهم للذهبي رسالة في (بيان زغل العلم) شنَّع فيها على ابن تيمية ولامه، ويُشكك بعض الباحثين في صحتها، وإذا صحَّت فهي -والله أعلم- حالة عابرة وجد فيها الذهبي على الشيخ بسبب موقف أو وشاية أو أمر عارض؛ لأن الذهبي أثنى على الشيخ بعد ذلك، ورثاه بعد موته.

عشت البارحة ساعات متنقلاً بين مواقع تنتمي للشيخ ابن تيمية، وأخرى تنتمي لخصومه، ودار رأسي من أوار معارك تتجدد بعد مئات السنين، ولغة يغلب عليها التعصُّب والإقصاء وسوء الظن، وأدركت جيداً معنى أن الأخلاق تبين عند الاختلاف.

أحسست أن الهدوء ونشدان الحق والحياد هي مما يظن الكثيرون أنه ديدنهم، وأن خصومهم على الضد من ذلك، وهي قصة سهلة لمتعصب جاهل يرمي خصمه بالنقائص ، ويلتمس لنفسه المعاذير.

راقتني كلمة نقلها ابن رجب عن ابن تيمية أنه حين سجن في القلعة في آخر حياته ندم!

(ندمت على تضييع أوقاتي في غير معاني القرآن) ذيل طبقات الحنابلة (٢/٤٠٢).

هذه المرحلة الأخيرة في تجربته وحياته  وهي خلاصة جهاد طويل، وأنا أتعمَّد أن أُسميها "تجربة"؛ لأنها كانت فعلاً بشرياً يستلهم الوحي، ويخلص في فهمه واتباعه، ويجدد أدواته وآراءه ومواقفه كلما عبر قسطاً من حياته؛ لأنه لم يعتقد لنفسه الكمال يوماً، ولا ظنَّ العصمة لرأيه، ولأنه لازال حيَّاً تتسع معارفه وتتراكم خبراته، ولأنه مخلص للحقيقة ينشدها ويتحراها ويقدمها على معتاده ومألوفه.

يُروى عن أرسطو أنه قال: "أستاذي أفلاطون عزيز عليَّ، ولكن الحق أعز"!

ويُروى عن الذهبي أنه قال: "شيخ الإسلام عزيز والحق أعز"!

ولعل هذا مما تلقَّاه الذهبي من مشكاة ابن تيمية؛ الذي كان لا يكفّ عن التعديل المستمر لنموذجه، حتى انتهى به المطاف إلى(الندم) على (ضياع) وقته في غير معاني القرآن.

تعديل طفيف يجريه ابن تيمية أو انتقال جزئي يُحدث فرقاً، وآخرون ينتقلون من طرف إلى طرف، أو يختفون في الزحام، ولا أحد يسأل عنهم!

والحديث موصول.

|1|2|


لمتابعة جديد الشيخ سلمان العودة:

twitter: @salman_alodah

facebook.com/SalmanAlodah

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- طارق
    12:49:00 2012/05/23 صباحاً

    جميل ماتخطه يادكتور بارك الله فيك ،،،، ولكن لعلك تلاحظ أنك لم تعد تسرد ذكرياتك أو مواقف حياتك بل كأنك هنا انتقلت للمقال وتقرير مايشغل ذهنك خلال الشهر .. وفي كلا الحالين مستمتع ومستفيد ..

  2. 2- ابو نايف
    12:59:00 2012/05/23 صباحاً

    لله درك ياشيخ ويعلم الله انني احبك فيه استمر ولاتعر العثرات على الطريق قيمه فأنت كالسراج تنير لنا الطريق ولخصومك ايظا لعلهم يتبينون طريقهم نحو هذا الكم الهائل من الحب داخل قلبك .

  3. 3- مؤمنة المصرية
    01:03:00 2012/05/23 صباحاً

    دائما الحديث موصول ان شاء الله..فى الحقيقة مقال اكثر من خطير واتمنى من الجميع الاطلاع عليه لانه تأصيل جميل وهادىء لمسألة الخلاف الفقهى بين العلماء ..اتسأل لماذا اباح الاسلام الاجتهاد؟؟وان كان الاجتهاد فى المسأل الفقهيه مباح؟؟فلماذا الاحتقان..ألا يدل الاجتهاد على عظمة الاسلام وسماحته وتطوره مع تطور الحياة ومرونته بحيث يناسب جميع البشر فى كل الاوقات والازمنة..دكتور سلمان أقول لك ان هذا الجانب مهم جدا فى حياتك بل هو اهم جانب ويستحق ان تفرد له مقالات فى طفولة قلب..تعلمت الكثير من هذا المقال وصبرك الطويل وهدوءك وعدم تسرعك فى الرد..الرد الهادىء بالحكمة والموعظة الحسنة لكن ذلك يحتاج لسنوات من المراس والتجربة حتى نصل الى ما وصلت اليه..شكرا استاذنا على هذا المقال الطيب

  4. 4- محمد- بريطانيا
    04:21:00 2012/05/23 صباحاً

    نحبك بالله و نسمع ونستفيد ونستمتع في ماتلقيه من محاضرات وما تكتب من مقالات ... دعواتك لنا ياشيخ بتوفيق بدراسه و دنيا والاخره . واوعدك انه سوف يكون الدعاء متبادل ... محبك محمد العبدالرحمن

  5. 5- الأخلاق تبين عند الاختلاف
    05:58:00 2012/05/23 صباحاً

    نحن لم نكسب الاخلاق عند اول احتكاك او اختلاف مع الاخرولكننا عشنا بافكار واراء جمدناها في عقولنا وقدسناها في نفوسنا وانتجت البغضاء والاحقاد....الفرق بيننا وبين الغرب ان لدينا مرجعا يوحدنا ورغم ذلك نرميه على جنب وننظر في الاجتهادات البشرية فنؤلهها وننتصر لانانية انفسنا من خلالها .....لو كنا فعلا نتفكر لعوضنا الغضب والحقد والتصنيف الى خلايا بحثية جماعية تبحث في المسائل ونقبل بكل الاراء مادام صح الاستدلال ولم يخالف قرانا ولا سنة ....الغرب كسر حاجز (التأليه) البشري وجعل الفرصة للجميع متساوية للادلاء بدلوهم ونحن كسرنا بعضنا بعض حتى اصبح النفس يخرج ملوثا لا يجد في صلاته وصيامه اخلاق المؤمن الصابر المحتسب المنفتح على الحقيقة ومن اجل الحقيقة وحدها راجيا وجهه تعالى ....جهلنا معنى الحق فجهلنا بذلك مفهوم التنوع واصبحنا كحجارة صماء لا تسمع لا ترى او كببغاوات نتكلم باسماء من سبقونا ونلوي كلماتهم بامزجتنا وفي الاخير نقول نحن الاصلح ومتبعو السلف الاحقاء ومن بعدنا الطوفان...أغرقنا مجتمعاتنا بالفرقات وكان الاولى ان يستغل علمنا في بناء الصرح العلمي والمنهجية الاسلامية والارتياح في طرح المسالة والحل دون خوف....بعدنا عن عمل بحثي مجموعاتي سهل فرقتنا وكرس تشبثنا او قصر مفهوم الدين على الطقوس دون تثبيت الطريق الاصلح للحياة مع الحق جعل من تخلفنا تخلفا عن ركب القرآن الذي طار به الغرب في جميع المجالات والمساحات التي خلقها الله ولولا بعدهم عن ادراك اهمية الروح لرأيتهم قبلنا في جنات الخلد ....هم اضاعوا الروح وابقوا على المادة ونحن اضعنا المادة واضعنا الروح واضعنا العقل وابقينا على اصنام فكرية جاهلية تحركنا دون الاتعاظ او الاستيعاد بلم الشمل ليس حول فكر واحد ولكن حول التنوع الفكري والديني والمنهجي ...حول الطريقة او المثولوجيا وكل فيه خير وبركة فما احوجنا للابداع الديني فليس ابن تيمية ابن الاسلام الذي يحيلك على كل مساحات التفكر واعمال العقل ونحن في هذا العصر لا نجد تلك الامكانات وقد اصبح كل شيء بين ايدينا ....د. العودة لا تخطئ حين تقول ان الازمة اخلاقية بالدرجة الاولى والا لما كان هذا حالنا وليس القصد الاتفاق ولكن العمل وترك الكل يعملون فنصلح ما امكن ونبقي على ما اختلفنا فيه دون أن يفسد للود قضية.....الاحقاد والضغائن والسب والشتم صنيعة الجهلة والوحوش الذين لم يعرفوا معنى التمدن في نفوسهم فالتمدن يعلمك معنى التعاون ومعنى الاصغاء ومعنى الرد ومعنى النقد ومعنى السكوت ومعنى ترك مساحة الحرية للاخر في ان يبقي على ما وصل اليه على حاله دون ان يختنق ....لا أدري ارى هذه الملهاة لن تحلها الا خلايا بحثية في كل الجامعات وارساء روح الحوار والتنافس من اجل الوصول الى الحقيقة مع التمسك بحقيقة "النسبية" في كل عمل وبحث انساني.....يؤلمني ويتعبني ويؤرقني هذا الحال ولكن هكذا هم بنو البشر ....لعلني اذكر بقوله تعالى (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) حتى يخفف الانسان وطأة ما يحدث ويهدئ الروح شكرا (لين )

  6. 6- الاسباط
    06:39:00 2012/05/23 صباحاً

    نعم شيخ الإسلام عزيز والحق أعز

  7. 7- متابع
    01:40:00 2012/05/25 صباحاً

    "حين أنطلق من منصتي الأولى نحو التأثير على الآخرين سأكون تلميذاً يختبر معلوماته..." فرضا اذا قبلنا انك تلميذ; فبدون شك ستكون ذالك التلميذ الذي تسبب في حيرة الاستاذ.... الموضوع, هو دعوة لاعادة النظر في منهج البحث و الدراسة بالنسبة للعالم و المتعلم; هذا المنهج بامكانه ان يحيلنا على الموضوعية لحل قضايانا و محاولة لفهم هذا الزخم الهائل من تراثنا الفكري من اجل النهوض الحضاري. تمنياتي لكم دائما بالتوفيق والنجاح.

  8. 8- سعاد احمد
    09:25:00 2012/05/28 مساءً

    مؤمنة مصر صدقتي