د. العودة: القول بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة دعوة لإلغاء النظام الإسلامي بكامله
د. العودة: القول بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة دعوة لإلغاء النظام الإسلامي بكامله
الإسلام اليوم/ أيمن بريك

أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أن الذين يقولون بضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث سيكونون مضطرين إلى أن يلغوا النظام الإسلامي كاملًا، مشيرًا إلى أن أي عملية إصلاح تقوم على هدم الأسس الإيمانية التي قامت عليها المجتمعات الإسلامية لن يُكتب له النجاح أو الخلود.

وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "إرث" ـ: إنه إذا فرضت المساواة في الميراث، فإن ذلك سيلغي نظام الإنفاق وسيلغي المهر، وهذا سيُعتبر إلغاءً للدستور والنظام الإسلامي.

وأوضح الدكتور العودة أن نظام الميراث في الإسلام هو جزء من منظومة إسلامية متكاملة يجب أن نأخذها بكلها وليس بجزئية من جزئياتها، وهذا عدل الله -سبحانه وتعالى-، والله –عز وجل - يقول: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا)(البقرة: من الآية229)، وأنه بالنسبة للمؤمن، يقول تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(الأحزاب: من الآية36).

وتابع فضيلته أن هذا أمر قطعي محكم في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وعليه إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-، وإجماع الأئمة والعلماء، وعمل به المسلمون عبر التاريخ، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما قام عبد الكريم قاسم في العراق بإلغاء نظام الإرث وفرض قانونًا، فإن هذا القانون لم يستمر سوى ثلاث سنوات، ولم يتم العمل به، لأن الناس كلهم رفضوه، إذ هو مخالف لدينهم وقناعتهم وفطرتهم.

ميراث المرأة

وذكر الشيخ سلمان أن القول بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث كان مثار شبهات منذ القدم، وبالذات في مرحلة الاستشراق الكبرى وإلى يومنا هذا، وعلى سبيل المثال، فإن سقوط الخلافة العثمانية في تركيا تزامن مع عروض فكرية وثقافية لمفكرين أتراك تقوم بنقد فكرة أن للأنثى نصف حظ الذكر، أو للذكر مثل حظ الأنثيين، مشيرًا إلى أن المستشرقين كلامهم معروف في هذا، كما أنه يوجد في عالمنا العربي والإسلامي عدد من المفكرين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، والذين يتكلمون عما يسمونه بالنظرية التاريخية، والذين يعتبرون القرآن كتابًا تاريخيًا، وأنه يعبر عن واقع المجتمع آنذاك، ولكن ليس له طبيعة الخلود والاستمرار والتعايش مع متغيرات الزمن، أو أنه صالح للحياة البشرية في كل ظروفها، فيعتبرون أن هذا التشريع خاص بالبيئة العربية، وفي عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم.

وأضاف فضيلته أن مثل ذلك تجده حتى من أغرب الأسماء، وعلى سبيل المثال، فإنني سبق أن اطلعت على كلام لباحثة اسمها "سناء الطاهر بن عاشور"، وهي ابنة الشيخ الإمام المجدد الطاهر بن عاشور، حيث حاولت أن تنتصر لقضية المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث بأكثر من خمسة وعشرين وجهًا، وكتبت مقالًا طويلًا في الصحف التونسية، كما أن هناك في تونس ومصر، وتركيا، وفي عدد من البلاد العربية والإسلامية، يتم طرح قضية المساواة بين الذكر والأنثى في فترة من الفترات.

ولفت الدكتور العودة الانتباه إلى أن هناك كثيرًا من المؤسسات التغريبية التي تتحدث باسم التنمية أو لجان الحقوق أو غير ذلك، أو حتى حقوق المرأة على وجه الخصوص، وتعتبر هذا نوعًا من الإجحاف في حق المرأة، ولذلك فإنه لابد من التأكيد على أن مجاهدة مثل هذا الفكر التغريبي المنحرف هو في واقع الأمر نوع من الجهاد الفكري، ولا تتطلب مجرد الشتم والسب لهؤلاء، ولكن يتطلب:

أولًا: بيان أن هذه قضية قطعية، وأنها من الشريعة الربانية المحكمة، التي هي محل إجماع لا يختلف عليه علماء المسلمين خلفًا عن سلف، وأنها قضية محل إجماع وإطباق واتفاق.

ثانيًا: أن مجاهدة مثل هذا إنما يكون ببيان وجه الحق، وإقامة السبيل، والدفاع عن الشريعة بالمنطق وبالفهم السليم، وبالمقارنة أيضًا، وعلى سبيل المثال، فإن الدستور والنظام اليهودي يقوم على أساس أن المرأة لا ترث مطلقًا مع وجود الابن، حتى لو وجد ابن واحد، ولكن كونهم لم يطبقوه فإن هذا شيء آخر، وكذلك المسيحية لم يوجد فيها نصوص تتعلق بالميراث، مع أنها تقدّم نظرة سلبية عن المرأة، ولذلك فإن المسيحيين عملوا بما هو موجود في كتب اليهود في العهد القديم، وعملوا به كشريعة.

لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ

وأكد الشيخ سلمان أن الإسلام جاء ليُعدّل هذا، فالعرب كانوا لا يُورّثون المرأة، بل كانت المرأة عندهم تورث كما يورث المتاع، فلا ترث، خاصة مع وجود الأبناء، مشيرًا إلى أن الدساتير العالمية والقوانين والأنظمة اليوم طبعًا منها ما يساوي بين الرجل والمرأة، كما أن فيها أنظمة تفضّل الرجل، وفيها أنظمة تفضّل المولود الأول البكر، ولكن معظم هذه الأنظمة أو كلها تسمح للرجل أن يتصرف في تركته لغير أولاده ولغير أسرته، حيث من الممكن أن يهديها أو يوصي بها لكلبه أو لقطته أو لأي أحد كان، فهناك في هذا قصص وطرائف، فربما يصادف رجلًا امرأة بالطريق ويوصي لها بماله كله.

واستطرد فضيلته أن الإسلام جاء بنظام محدد في الميراث، مشيرًا إلى أن قاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ليست قاعدة مطلقة في الميراث، ولكنها جاءت فقط في حالتين:

الأولى: في حالة ميراث الأبناء والبنات إذا ورثوا بالتعصيب، فيكون للذكر ضعف حظ الأنثى، يقول تعالى: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)(النساء: من الآية11)، مشيرًا إلى أن هذا فيه تكريس لحظ الأنثى، لأنه جعل حظ الأنثى كأنه هو المعيار وهو الأصل، وحظ الذكر يُقاس عليه فيُعطى ضعفها، وهذا رد على الذين يحرمون الأنثى من الميراث، والذي هو موجود اليوم في بيئاتنا العربية في قبائل في سيناء وفي السعودية والأردن والعراق وأفغانستان وإفريقيا، حيث لا تزال هناك قبائل وأسر ومجموعات تحرم الأنثى، كما أنه لازال هناك أناس ضعفاء الإيمان والنفوس يبتزون المرأة، ويرون أنها ضعيفة ولا تستطيع أن تصل إلى حقها.. إلى آخره، فيأخذون حقها!.

الثانية: في حق ميراث الإخوة والأخوات، يقول تعالى: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)(النساء: من الآية176)، فالإخوة والأخوات أيضًا إذا ورثوا بالتعصيب.

وأوضح الشيخ سلمان أن هذا يشير إلى أن هناك حالتين فقط يكون للرجل فيهما مثل حظ الأنثيين، لكن أحصى العلماء والفقهاء خمسًا وعشرين حالة ترث فيها المرأة أكثر مما يرث الرجل، قد يكون ضعفه أو أكثر منه، وهذه حالات معروف تفصيلها في الكتب المتخصصة، كما أن هناك حالات كثيرة جدًا ترث فيها المرأة مثلما يرث الرجل، ومنها على سبيل المثال، "الإخوة لأم"، يقول العلماء والفقهاء: "ذكرهم وأنثاهم سواء"، فهم متساوون في الميراث؛ يرث الذكر كما ترث الأنثى، لافتًا إلى أن هذا يؤكد أن كون فكرة أن هذا نظام عام في الإسلام، وأن الذكر يرث ضعف الأنثى.. ليست فكرة صحيحة، وإنما هذا خاص بحالتين؛ وهي حالة الأبناء والبنات، أو حالة الإخوة والأخوات، في الميراث بالتعصيب.

وتابع فضيلته: زد على ذلك أن النظام الإسلامي يعطي المرأة المهر إذا تزوجت، فهي تُعطى المهر،كما يأمر الزوج بالإنفاق عليها النفقة الكاملة، ولا يلزم المرأة أي تبعة من التبعات الأخرى، فإذا كان هناك ولد وبنت مثلًا ورثا من أبيهما وأخذ هذا -مثلًا- مائة ألف وأخذت البنت خمسين ألفًا، فإن هذا الولد سوف يعطي زوجته مهرًا من هذا المبلغ وسوف ينفق عليها، أما البنت فهي تحتفظ بهذا المال، وبإمكانها أن تستثمره، وفي الوقت ذاته هي إذا تزوجت سوف تأخذ مهرًا وتضيفه إلى ما عندها، ومن حقها أيضًا أن تحصل على النفقة بكامل تفاصيلها من زوجها.

الميراث في الإسلام

وردًّا على سؤال يقول: ماذا عن الميراث في تشريعنا الإسلامي؟ قال الشيخ سلمان: إن الميراث، أو ما يسمونه بعلم الفرائض، هو توريث التركة للأبناء وللزوجة وللأحفاد وللآباء ولمن يكون وراء الميت ممن يكون لهم نصيب بالفرض أو بالتعصيب من الميراث، يقول تعالى في سورة النساء: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)(النساء: من الآية11)، وفي آخر السورة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)(النساء: من الآية176)، وفي مواضع عديدة، وفي السنة النبوية أحاديث متعددة، وهناك صحابة كانوا متخصصين مثل زيد: "أفرضكم زيد"، وكان متخصصًا في علم المواريث، وكذلك ابن عباس، وعمر بن خطاب، ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهم- وغيرهم من أئمة الصحابة والفقهاء والعلماء.

وأضاف فضيلته أن هذا يشير إلى أن هناك نظامًا إسلاميًّا في الميراث، مشيرًا إلى أنه وإن كانت هناك خلافات داخل المذاهب وبين الصحابة حتى في جزئيات من هذا العلم، إلا أن أصل العلم هو العلم المتفق عليه من حيث المبدأ، كما أن هناك قطعية في هذا العلم، وأنه جزء من الشريعة الربانية المحكمة المنزلة على النبي، صلى الله عليه وسلم.

ولفت الدكتور العودة إلى أن هذا النظام يدل دلالة قطعية على التملك الفردي أو الملكية الفردية، وأن من حق الإنسان أن يملك؛ وذلك لأنه لو لم يكن للإنسان أن يملك ما كان له أن يُورّث، كما أننا يجب أن ندرك أنه حتى الابن يملك مع وجود الأب، مشيرًا إلى أن بعض الناس يأخذون أو يتسامعون بحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ»، ويظنون أن معناه أن الأب له حق أن يسطو على مال ابنه أو يجتاحه أو يأخذه، أو بنته، بأن يأخذ مرتبها وحقوقها أو يصادر مالها، ويقول أنا والدك، ويستدلون بحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ».

وأردف فضيلته: لقد سبق أن عملت بحثًا في هذا الحديث، وخلصت منه إلى أنه ليس بقوي الإسناد، وحتى على فرض صحته فمن المقطوع به أنه ليس على ظاهره، بمعنى أن مال الابن لوالده، ولكن الابن يجب عليه أن ينفق على والده إذا كان الوالد فقيرًا والابن غنيًا، كما يجب على الابن الزكاة والحقوق المالية في المال، ولو كان المال لوالده وهو لا يملكه ما وجبت عليه هذه الحقوق، مؤكدًا أن نظام الإرث في الإسلام هو نظام محكم ومنضبط، كما أنه جزء من الشريعة التي أمر الله -سبحانه وتعالى- بتنفيذها وتطبيقها، وجعلها ميزة وخاصية لهذه الأمة، وجاءت فيها آيات قرآنية محكمة وصريحة.

الميراث.. والوصية

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن بعض الناس يرى أن هناك إشكالًا أو تعارضًا فيما يتعلق بالإرث والوصية، وأنه أحيانًا قد يجور المورِّث في الوصية على الوارث، قال الشيخ سلمان: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، والإرث نفسه يلغي عند كثير من الفقهاء الوصية للوارثين، لأن الله تعالى جعل لهم أنصباءهم وحقوقهم، مشيرًا إلى أن الوصية هي التي تكون بعد الموت، ويجوز للإنسان أن يوصي بالثلث فأقل، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»، فيجوز للإنسان أن يوصي بعد موته بالثلث فأقل من المال، أما في حال الحياة فله أن يخرج ما شاء، ويتصدق بما شاء.

وأضاف فضيلته: كما أن الإنسان له أن يوقف من الأموال الوقف المنجز في حال حياته ما لا يضر به هو، وما لا يكون المقصود به الإضرار، مشيرًا إلى أن البعض ربما يعملون وقفًا في العاجل في الدنيا ولا يؤجرون عليه، وذلك لأنهم لم يقصدوا القربى إلى الله، أو نفع المجتمع، وإنما قصدوا حرمان الورثة، كما أن بعض الآباء يقولون أحيانا: "هؤلاء ما نفعوني، أو هؤلاء الأبناء لم يوافقوني، أو لم يعملوا معي.."، أو ما أشبه ذلك، فيتعمد أن يضرّ بهم أو أن يحرمهم، موضحًا أن هذا بدون شك نوع من الجور والعدوان الذي قد لا يؤجر الإنسان فيه، بل قد يأثم بحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم، ولكن من تصدّق وقصدُه وجه الله -سبحانه وتعالى- أو قصده فعل المعروف والإحسان وفعل الخير للمجتمعات والأفراد والمتعلمين والفقراء والمساكين، فهذا لا شك أنه معنى نبيل وعظيم.

اجتهاد أم عبث ؟

وفيما يتعلق بأن هنالك من يثير أيضًا مسألة: لماذا لا يُطرح نظام الميراث للاجتهاد؟ قال الشيخ سلمان: "لا اجتهاد مع النص"، مشيرًا إلى أن اجتهاد الفقهاء والعلماء والمخلصين في نظام الميراث يمكن أن يكون في مسائل وقع فيها الخُلف قديمًا عند العلماء أو الفقهاء، لافتًا إلى أن جزءًا من نظام الميراث اختلف الصحابة والأئمة فيه، حيث نجد أن النظام الشافعي غير النظام الحنبلي -مثلًا-، وبالتالي يمكن الاجتهاد وترجيح قول من الأقوال الفقهية السابقة، إذا تبيّن أنه أقوى دليلًا وأصلح للمجتمع، وأن الناس أساؤوا استخدام بعض الأشياء، فهذا هو نظام الاجتهاد.

وأضاف فضيلته أما أن يكون الاجتهاد عودًا على أصول الشريعة بالتهديم، وأن يهجم على هذا الأمر غير المختصين، فهذا في الواقع لا يسمى اجتهادًا، وإنما يعتبر نوعًا من العبث بالشريعة.

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن هناك من يتحدث عن إشكالية توزيع المواريث في ظل الأنظمة التي لا تعتمد على تطبيق الشريعة الإسلامية، قال الشيخ سلمان: إنه يجب على المسلم أن يلتزم بالشريعة الإسلامية في نظام المواريث.

وأضاف فضيلته أنه فيما يتعلق بالأقليات المسلمة في أوروبا أو أمريكا أو غيرها أو المجموعات الإسلامية في الصين أو الهند، فإنهم يجب أن يكون عندهم محاكم أو علماء وأئمة يرجعون إليهم في توزيع التركة وفق ما جاء به القرآن الكريم وسنة النبي، صلى الله عليه وسلم.

خصومات الميراث؟!!

وردًّا على سؤال يقول: هل تعتقد فضيلتكم أن هناك تعقيدًا في الإجراءات الرسمية، أو حتى بيانها للناس، جعل من الميراث شبحًا لا يفهمه الناس ببساطة؟، قال الشيخ سلمان: أعتقد أن هناك خلافًا بين الناس، وذلك بسبب ضعف النفوس ووجود انشقاق بين الأبناء، خاصة مع وجود الشح والطمع، كما أن الأبناء أحيانًا يكونون غير متفقين، فالأب لا يُقدّم تربية جيدة للأبناء، فربما يكون الأبناء من أكثر من أم وبينهم خلافات وبعضهم ينتظر متى يرحل الأب حتى يظفر بالشيء، حيث يكون الأبناء الكبار لهم طريقة والصغار لهم طريقة أخرى، أو أن الكبار من أم والصغار من أم ثانية، ولذلك تأتي مشكلة الوكالة، ومن يوكلونه؟ وتصبح هناك خصومات.

وأضاف فضيلته أن بعض قضايا الإرث قد تستمر لسنين طويلة جدًا، وعادة ما تجلس أرض -مثلًا- عشرات السنين، يمر الناس عليها، وهذه الأرض غير مبنية، إضافة إلى أنها أرض قيمة جدًا، ويمكن أن تدرّ عليهم الذهب، وعندما تسأل: لماذا هذه الأرض غير مبنية وهي في هذا المكان الاستراتيجي؟ تجد من يقول لك: هذه أرض ورثة! مما يشير إلى أن عندهم مشكلات حالت بينهم.

ولفت الدكتور العودة إلى أن الناس في الغالب ليس عندهم وعي بكيفية حل المشكلات أو وجود وسطاء، حيث تكون المحاكم هي المحل الأمثل لفض الخصومات، حيث يسود الاعتقاد لدى كل طرف أنه سوف ينتصر على خصمه بالمحكمة، فنفاجأ بأن بعض القضايا قد تستمر في المحاكم ربما لعشر سنوات أو عشرين سنة وتنتقل من قاضٍ إلى آخر ومن محكمة التمييز إلى محكمة عليا.. إلى آخره، وما أشبه ذلك، ولا يحصل الإنسان على ما يريد.

وأردف فضيلته: ولذلك دائمًا فإنني أنادي الناس الذين عندهم مشكلات، سواء كانت مشكلات إرث أو غيرها، أن يسعوا إلى عملية الصلح، حتى لو ترتب عليه ضياع جزء من حقك فيما تعتقد، إلا أنه على الأقل فيه جانب المبادرة، والمال ربما أخذته أنت اليوم ووظفته فكسبت فيه مبالغ طائلة، بدلًا من أن يبقى لعشرات السنين دون أن يستفيد منه أحد، لمجرد النكاية بالآخرين أو الانتقام منهم أو اعتقاد الإنسان اعتقادًا مطلقًا بأن الحق معه وأن الحق له.

توريث المرأة هل هو توريث للغرباء؟!

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن هناك من يعتقد أن إعطاء المرأة حقها من الإرث إنما هو توزيع لمال العائلة الخاص لرجال غرباء، قال الشيخ سلمان: إن الكثير من الناس لا يورِّثون المرأة بإنصاف، وفي أحيان أخرى لا يقولون نحن لا نورث المرأة؛ لكنهم يماطلون وربما يكون بعض الأبناء قبل أن يموت الأب قد نقلوا بعض الأموال أو الممتلكات باسمهم، حيث ربما يكون الأب قد عاش بضع سنوات وهو في غيبوبة  فتحكموا ونقلوا بعض المال إلى أسمائهم، حيث تكون هناك عملية احتيال.

وأضاف فضيلته أن هذه العقلية قد وقفت عليها بنفسي، حيث تجد أن بعضهم يرى أن البنت هذه عندها زوج أجنبي، وأولادها هم أبناء لهذا الزوج، فنحن حينما نعطيها مال الأسرة ومال العائلة كأننا نقلنا مال العائلة إلى عائلة أخرى، وهذه نظرة جاهلية غير إسلامية، والله -سبحانه وتعالى- لن يبارك في مال أُخذ بغير حق من مستحقيه.

وفيما يتعلق بأن هناك من يرى أن هذا يرجع إلى الموروث الاجتماعي الخاطئ بحق المرأة ككيان أصلًا، قال الشيخ سلمان: إن الأمر ليس متعلقًا بالمال فقط بالنسبة للمرأة، ولكن هناك موروث جاهلي، مشيرًا إلى أنه في الجاهلية كان وأد البنات موجودًا في بعض قبائل العرب، (وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ) (التكوير:8)، فلم يكن نظامًا عربيًا في كل قبائل العرب كما يُعتقد، وإنما كان موجودًا عند بعض القبائل العربية، وله حالات، لافتًا إلى عدم صحة القصة التي تذكر عن عمر -رضي الله عنه- أنه وأد ابنته وكانت تمسح لحيته، مؤكدًا أنها قصة مكذوبة كما صرّح بذلك المؤرخون مثل الذهبي وغيره.

وأضاف فضيلته: لكن البيئة الجاهلية لا شك أنها كانت تزدري المرأة، مشيرًا إلى أن ذلك لم يكن قصرًا على البيئة الجاهلية العربية، بل الجاهلية العالمية كلها، فإلى وقت قريب كان هناك ازدراء للمرأة، وعلى سبيل المثال، فإنهم في أوروبا كانوا يبحثون: هل للمرأة روح؟ وهل هي إنسان؟ ويصفونها بالرجس والنجس، فتهميش المرأة ومصادرتها ليس شيئًا خاصًا بالعرب، ولكنه موجود في الصعيد العالمي في الفترة الماضية.

وأوضح الدكتور العودة أن المجتمعات العربية لا زالت ترث نوعًا من الثقافة الجاهلية تجاه المرأة، مشيرًا إلى أنه ليس أدل على ذلك من موقف الرجل من نوع المولود الذي يولد له، وعلى سبيل المثال، فإن البنت تفرح بأنها حملت بعد خمس أو ست سنوات، فيئست ثم بُشرت بأنها حامل، ولا يهمها أن يكون الحمل ذكرًا أو أنثى، لكن إذا أخبرها الطبيب بعد ستة أشهر أن الحمل أنثى، فإن الزوجة لا يكون عندها مشكلة، لأن المرأة أنثى والحمل أنثى أيضًا، فهناك تجانس، والمرأة إذا حملت بأنثى تشعر أن هذه الأنثى تعبر عنها، لأنها تحمل نفس مواصفاتها، وسوف تحيض مثلها وتحمل مثلها وذات المشاعر وذات الأحاسيس؛ ولذلك فإنه من المشاهد حنوّ البنت على أمها أكثر من حنوّ الأبناء، ولكن الآخرين إذا سمعوا أن الحمل أنثى، تغيّرت النبرة، وتغيّرت ملامح الوجه، وبعضهم قالوا: إن شاء الله المولود الثاني يكون ذكرًا!

وأردف فضيلته: كما نجد أن الزوج محبط ويائس عندما يعرف أن المولود أنثى، وأحيانًا يسمي ابنته "ختام"، أو "كفاية" أو "نهاية"، بقصد أنه لا يريد غير هذه، يقول تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل:58)، ولذلك فقد كان الإمام أحمد يقول: إن "الأنبياء كانوا آباء بنات"، فكثير من نسلهم بنات، وكانوا يحتفلون بالأنثى ويفرحون بها، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحتفي بابنته فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها-، وإذا جاءت قام وجلس إلى جنبها، ويأتي في الليل ويزورها في بيتها، بل إن حبه لأبناء فاطمة فيه قصص طويلة وكبيرة جدًا، وكذلك هناك قصص كثيرة عن حفاوة الأنبياء بالبنات.

وذكر الشيخ سلمان أن الكثير من الناس يعتقدون أن كل ذكر هو أفضل من كل أنثى، وهذا اعتقاد عندهم راسخ، وينسون قصة امرأة فرعون، وكيف أن الله -سبحانه وتعالى- زكّاها في القرآن الكريم في مقابل فرعون الذي (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (هود:98)، كذلك الكثير منهم يعتقدون بتمييز الرجل عن المرأة في كل شيء، فيفرطون في التمييز إفراطًا شديدًا جدًا، وكأن المرأة ليست مخلوقة من جنس الرجل.

ولفت فضيلته إلى أن بعض الناس يعبرون عن الأب أو الزوج بالكفيل، وإذا تزوجت البنت يقولون: "نقلت كفالتها من الأب إلى كفيل جديد!"، في حين أن هذا تعبير غير إنساني، مشيرًا إلى أننا يجب أن ننظر إلى المرأة على أساس أنها مخلوق معزز مكرم، بل يكفي أن الله -سبحانه وتعالى- كلّف هذه المرأة وقال: (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)(آل عمران: من الآية195).

المرأة.. والإيمان بالذات

وأكد الدكتور العودة أن المرأة نفسها يجب أن تؤمن بذاتها، مشيرًا إلى أن المشكلة أن المرأة تعيش حالة اغتراب في كثير من المجتمعات، حيث نجد أن المرأة بسبب الضغوط التي تواجهها والتهميش والعدوان أحيانًا وتحميلها مسئولية أشياء هي ليست مسئولة عنها، حتى الولادة، فإذا ولدت أنثى يحمّلها الزوج المسئولية، وكأنها هي المسئولة عن ذلك، مثل قصة أبي حمزة، وما أكثر آباء حمزة في مجتمعاتنا اليوم!

ما لأبي حَمزةَ لا يَأتينا.....يَظلّ في البيتِ الّذي يَلينا

غَضبان أَن لا نلد البَنينا.....تَاللَّه ما ذلكَ في أَيدينا

فالمقصود بالاغتراب أن المرأة لا تشعر بالانتماء إلى المجتمع ولا إلى الأسرة ولا إلى الحياة ذاتها، وإنما تشعر أنها مجرد موظف يقوم بعمل معين من دون قناعة أو إحساس أو انتماء، حتى تشعر بالاغتراب عن نفسها وعن ذاتها.

وأشار فضيلته إلى أن تغيير هذه الثقافة عن المرأة لا تكون بمجرد الأوامر أو النواهي؛ وإنما تكون بتغيير العقلية التي نتعامل بها نحن مع بناتنا وزوجاتنا وأمهاتنا، بل ومع النساء من حولنا، مؤكدًا على ضرورة ألا يُنظر إلى المرأة على أنها مجرد فتنة ضاربة أو إغراء جنسي يمشي على وجه الأرض، وإنما المرأة إلى جوار ذلك فيها جانب الفتنة الذي هو أحيانًا نوع من الكمال والجمال، وفيها جانب التكليف الشرعي، بل يكفي أن الأصل في الشريعة أن الأوامر والنواهي والتكليفات يتساوى فيها الرجل والمرأة، فالأصل ليس هو التمييز، وإنما الأصل هو التساوي، وإنما يميز الرجل بأشياء أو تميز المرأة بأشياء بحسب ما جاءت به الشريعة.

العنف العاطفي

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إنه يجب على المرأة أن يكون لديها قناعة أن ما يصمها به البعض من النقص المتمثل في العاطفة هو مصدر تميزها، وأنها مصدر إشعاع لذاتها وقوة لها، قال الشيخ سلمان: إن الحديث عن العاطفة الموجودة عند المرأة يدفعنا إلى الحديث عن العنف الذي يمارس ضدها، مشيرًا إلى أن الأمر لدى البنت يختلف عن الولد، فالأخ وأخوه من الممكن أن يختلفا، ويضرب أحدهما الآخر على وجهه، بسبب حالة خصومة، وتنتهي الأمور، لكن البنت إذا تعرضت لكف مستحيل أن تنساه، لأنها لن ترد في الغالب، فمن طبيعة المرأة وكينونتها أنها لن تدافع في الغالب، وسوف تتحمل هذا على مضض، ولكن يبقى الموقف عصيًّا على النسيان، مع أني أوصي البنات دائمًا أن تنظر إلى الأمام، وتحاول أن تنسى الماضي، حتى لا تعيش عقدة أو مشكلة معينة.

وأضاف فضيلته: العنف بين الأقارب، والتحرش، والعدوان الجنسي من الأخوال أو الأعمام، أو من أبناء الخال، من الناس الذين يكونون داخل الأسرة في حالات مخيفة وموحشة ومقلقة، يمكن أن نسميه بـ"العنف العاطفي"، مشيرًا إلى أنه إذا كان العنف الجسدي في حالات خاصة ويمكن أن يعالج، فإن العنف العاطفي ربما هو الوضع الغالب، فكثير من النساء ربما تحس بفقر وجفاف عاطفي، خاصة مع غياب كلمات الحب والسؤال والتأنيس، سواء من الزوج أو الأب أو الأخ، فنحن ربما نستحي أن نقولها في كثير من الحالات، ولا نحب أن نقول هذا الكلام، فربما نقوله للصغار أو نحضنهم ونبوسهم ونقبّلهم.. إلى آخره، لكن إذا كبروا بدأنا نشعر بأنه من العيب أن نعبر لهم عن الحب أو عن الاشتياق إذا غابوا أو أن نراسلهم رسائل بالجوال أو بالبلاك بيري أو بأي طريقة من الطرق، لنعطيهم فيها مشاعر وأحاسيس، ونشعرهم بأننا نشتاق إليهم، ونحب أن نراهم، لافتًا إلى أن هذه المعاني تشكل العاطفة الرابطة داخل أفراد الأسرة، مؤكدًا على ضرورة أن لا نسمح لجفاف الصحراء أن يخطف منا هذا المعنى أو يجمده.

الإسلام.. والموروث الاجتماعي

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إنه في بعض المجتمعات يحدث أحيانًا تصادم أو تعارض في تقييم السلوك أو اختياره، فيتم تقديم الإرث العرفي على الإرث الديني، أو يتم الاستعانة بإرث آخر، بحجة ما يسمى بالانفتاح ومواكبة العولمة، قال الشيخ سلمان: إن هذا يشير إلى عملية صراع بين الموروث الشرعي والموروث الاجتماعي، أو الصراع بين الموروث المحلي والموروث العالمي في عصر العولمة، وهذه في الواقع قصة صراع الأمة ومشكلاتها الكبيرة، مشيرًا إلى أن هذا يحتاج إلى صبر ومصابرة ونوع من التعليم الطويل.

وأضاف فضيلته أن الناس لا يتركون الأشياء الموروثة عندهم بسهولة، ولا يحتاجون إلى ثورة أو مصادمه، وإنما يحتاجون إلى القدوة الحسنة والتعليم والإقناع، وخاصةً أن هناك تداخلًا في الواقع بين القيم الدينية والموروث الاجتماعي، لافتًا إلى أن الدين عندما نزل كان له موقف من الموروثات الاجتماعية، فمنها:

1 ـ موروثات حاربها الإسلام: ودعا الناس إلى الثورة عليها، كما قال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة:170)، فالله -سبحانه وتعالى- أعلن الحرب على مورثات اجتماعية في بيئات معينة، لأنها ضد الإيمان والتوحيد والحق.

2 ـ موروثات أقرها الإسلام ودعا إليها: وذلك مثل صلة الأرحام والعدل، «لَقَدْ شَهِدْتُ فِى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوِ أُدْعَى بِهِ فِى الإِسْلاَمِ لأَجَبْتُ»، كما أن هناك معاني إيجابية أقرها الإسلام، مثل: إكرام الضيف والصبر والخلق الكريم، يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ»، فهذه موروثات اجتماعية رحب بها الإسلام.

3 ـ موروثات اتخذ الإسلام منها موقفًا محايدًا: وهي الدائرة الأوسع، فهناك موروثات لم يحاربها الإسلام ولم يزكها أو يقرها، ولكن سكت عنها، فهي داخلة في دائرة الموروث العادي؛ وذلك مثل: الكثير من الملابس، وطبيعة النظام الاجتماعي، والبناء، والمعمار، والأطعمة، وكثير من المعاملات العادية الجارية بين الناس، فهذه مسكوت عنها، ومع الوقت يصبح الناس عندهم تداخل؛ ولذلك تجد أن كل مجتمع لديه فهم خاص حتى للدين، على ضوء موروثة الاجتماعي، في بعض الجزئيات، يختلف عن المجتمع الآخر، وهذا يسبب -أحيانًا- صدمة.

وذكر الدكتور العودة أن قدرة الناس على أن يميزوا بين الدين الحق والمحكمات والثوابت القطعية الشرعية الواضحة، وبين موروث اجتماعي ربما زكّاه الدين ولكن ليس من صلب الدين، وموروث اجتماعي مسكوت عنه، وموروث اجتماعي مرفوض.. هذه القدرة هي عملية تتطلب جهادًا وصبرًا طويلًا.

العباءة السوداء؟!!

وتعقيبًا على تقرير الحلقة، والذي حاول أن يستعرض إرثًا اجتماعيًا معينًا، وهو اللون الأسود في لبس العباءة للنساء، قال الشيخ سلمان: هناك تداخل بين الحجاب الإسلامي وغيره، فالحجاب قيمة إيمانية، والله -سبحانه وتعالى- يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ)(الأحزاب: من الآية59)، مشيرًا إلى أنه في الجاهلية كان هناك التبرج، ولذلك فالله تعالى قال: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)(الأحزاب: من الآية33)، فجاء الإسلام يعطي هذه القيمة لجسد المرأة، مؤكدًا أن الحجاب في الواقع حفاظ لجسد المرأة ذاتها، وإعادة للثقة بها، وهو معنى وقيمة عليا، كما أنه جزء من كل، فالمرأة ليست فقط في حجابها، وإنما المرأة أيضًا بثقافتها وعقلها وديانتها وتقواها وعلمها؛ ولذلك يروى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه يقول: "المرء مخبوء تحت لسانه وليس تحت طيلسانه"، أي أن الأمر ليس فقط في اللباس.

وأضاف فضيلته أن المجتمع ربما يفرض على المرأة وعلى البنت لباسًا معينًا لا تستطيع أن تخالفه، ولكن المهم أكثر من ذلك هو أن يبني المجتمع في المرأة والفتاة القيم والأخلاق والقناعات والثقة، بحيث إنها حتى لو انتقلت إلى مجتمعات أو بيئات أخرى تكون محافظة على قيمها، وربما تنتقل إلى مجتمع آخر وتجد أنها بحاجة إلى أن تغير مثلًا لون عباءتها أو لون حجابها، فإن هذا لا يضر، لأنه ليس منصوصًا عليه بذاته، فهذه قيمة ربما ذات أثر اجتماعي في بلاد معينة، لكن في بلاد أخرى الأمر مختلف، ولكن لابد أن تتحلى المرأة بالثقة والاعتزاز، وأن لا تشعر الفتاة بأن هذا أمر مفروض عليها وهي تكرهه أو ترفضه أو تستسلم له من غير قناعة، فإذا تمكنت ربما غيرت نظامها، كما رأينا في عدد من الحالات.

الميل إلى التراث

وتعقيبًا على مداخلة تقول: إنه من غير العدل والإنصاف محاكمة التراث بأحكام العصر الحديث، بل تجدر محاسبته بأحكام عصره، قال الشيخ سلمان: إن المقصود بالتراث هو الإرث نفسه أو الموروث، سواء كان ثقافيًا أو فكريًا أو حضاريًا معماريًا إلى غير ذلك، مشيرًا إلى أن هناك من الناس من يعيش في هذا التراث بحيث ينتقل إليه، كما أن الكثيرين تجدهم مسكونين بالتراث، والتراث مسكون بهم، فهم يعيشون في الماضي أكثر ما يعيشون في الحاضر، ودراساتهم وقراءتهم وبحوثهم.

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: إن رسائل الماجستير والدكتوراه في معظم جامعات العالم الإسلامي تميل إلى أن تحقق مخطوطة، وهذا شيء لاحظناه، خاصة في الكليات والجامعات الإسلامية، حيث تجد أن هذا شيء سهل وطريق معبد ومفروش بالورد والرياحين، فمن السهل أن يحصل الشخص على مخطوطة غريبة لم يسبق أن أخرجت ويقوم بتحقيقها، والكل يوافق على ذلك، لكن أن تقوم بإعداد موضوع وبحث، حتى لو كان هذا الموضوع يعالج قضية حيّة ومعاصرة وحاضرة ومهمة، ربما تجد الكثيرين غير مقتنعين بهذا المعنى.

وأوضح الدكتور العودة أن العيش في التراث مشكلة، كما أن الانشغال بإحياء هذا التراث فقط مشكلة، وكذلك إشغال أنفسنا بإلغاء التراث أو بالخروج منه بالكلية مشكلة أخرى، وذلك لأن هذا معناه أننا نخرج من دائرة أنفسنا؛ ولذلك فإنه من الضروري أن يكون هناك نوع من التوازن ومعرفة أن التراث هو جزء من الهوية، لكن الذين عاشوا في هذا التراث في الماضي كانوا يعيشون لحاضرهم، وربما نجد أنهم قدّموا حلولًا لمستقبلهم، مشيرًا إلى أنه من الأشياء الجميلة التي نقولها نحن في التراث أن الإمام ابن قدامة أو ابن تيمية أو الجويني أو القرافي أو غيرهم قالوا كلامًا يعتبر حلًا لمشكلات معاصرة نعيشها اليوم، فنحن نمتدح تراثنا بأنه كان تراثًا يتطلع للمستقبل ويحلّ مشكلات المستقبل.

وأضاف فضيلته: ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا في واقعنا اليوم نكتفي بالنظر إلى الماضي والبحث عن حلول حتى من التراث لمشكلاتنا العصرية؟ ولماذا لا يكون لدينا طموح إلى بناء جديد؟ وبناء أنفسنا من جديد، سواء البناء الثقافي أو الفكري أو الحضاري، وبناء المدن والمؤسسات والبرامج والمشاريع.

تنكُّر.. وقطيعة

وذكر الشيخ سلمان أن هذا البناء الجديد ليس تنكُّرًا للتراث أو عمل قطيعة، وذلك لأن العالم شهد خلال خمسين سنة مضت طفرة تقنية ربما لم تشهدها البشرية كلها في تاريخها الطويل؛ ولذلك فإن هذا أحدث نوعًا من القطيعة عند بعض الناس بين الواقع والتراث، بينما آخرون ربما هربوا من هذه التحديات إلى أن يعيشوا في التراث ويعيدوا إنتاج قضايا التراث ومشكلات ومسائل وبرامج علمية ماضية، ويتجادلون حولها، وكأن الواقع لا يعنيهم!

وتابع فضيلته أن هناك مشكلة عويصة تتمثل في عملية الانسلاخ من التراث، وهي غير واقعية وتغريبية، قام بها ربما أفراد قلائل، أمثال: ناصر حمد أبو زيد أو محمد أركون أو بعض التغريبيين الذين يريدون الانسلاخ من التراث، أو حتى حينما يعالجون التراث يعالجونه بأدوات غربية وبرامج وأنظمة غربية، وهناك من يعيشون في التراث بحرفيته وكأنهم لا يريدون أن يخرجوا منه ولا أن يواجهوا مشكلات الواقع، وهؤلاء أقلية، وأولئك أقلية أيضًا، لكن مع الأسف ربما هاتان الأقليتان تسيطران على الجو بشكل كبير.

وفيما يتعلق بأن هناك من يرى أن بعض الذين يريدون أن يعودوا إلى التراث ربما يريدون تحقيق مقولة: "لن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها"، قال الشيخ سلمان: إن كلمة الإمام مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، هي كلمة ذهبية، متسائلًا: بماذا صلح أول هذه الأمة؟ هل صلح فقط بالنظر إلى الماضي؟، وهل كان التابعون يرددون فقط ما كان عليه الصحابة، أم كانوا يعتبرون هذا منطلقًا لأن يفتوا؟.

وأضاف فضيلته: ولذلك جاء الأئمة الأربعة الذين تنتشر مذاهبهم، ولو حصل تصويت في العالم الإسلامي ستجد أنهم فازوا بكل الأصوات تقريبًا؛ مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة.. هؤلاء جاءوا بعد القرن الأول، وعاشوا فترة نقلة حضارية وفترة مشكلات معينة، وعاش أحدهم مثلًا في العراق وآخر في مصر وثالث في المدينة، وهكذا استطاعوا أن يواجهوا المشكلات الجديدة ويتعاملوا معها بحلول مبتكرة وجديدة أيضًا.

صفات وراثية

وتعقيبًا على مداخلة من مشارك يتعجب من إرث الصفات في الإنسان! قال الشيخ سلمان: هذا أمر مهم، وهو مسألة الإرث أو ما يسمونه الجينات أو الكروسومات التي تحمل الكثير من الصفات الوراثية، حتى الذكاء فإنه يورث، حيث إن المنطقة الرمادية في العقل هي المسئولة عن نسبة الذكاء؛ ولذلك فإن بعض العلماء في الولايات المتحدة وغيرها يجرون دراسات على الأبناء الذين يكونون توائم، سواء متماثلين أو متباعدين، حيث وجدوا أن هناك مسئولية كبيرة جدًا لهذه المنطقة الرمادية في المخ عن الذكاء، مما يشير إلى أن مستوى الذكاء يورث.

وأضاف فضيلته: ولكن هذا لا يعني أبدًا أن الإنسان لا يستطيع أن يطور ذكاءه أو خبرته، مشيرًا إلى أنه من الناس من يكون في شبابه شخصًا غير متميز أو شخصًا عاديًا لا يكون هو الأول ولا الثاني ولا الثالث، لكنه اشتغل على نفسه، وطوّر ذاته، وانتقل إلى مجتمعات أخرى، وتعلّم وقرأ، ولذلك مع الوقت أصبح رقمًا متميزًا ومهمًا، وهذا يؤكد أن الإنسان يستطيع أن يطور حتى نسبة الذكاء العادية عنده، بينما آخرون ربما نسبة ذكائهم عالية ولكنهم أهملوها.

وكان الشيخ سلمان قد أكد في بداية الحلقة أن كلمة (إرث) لها ظلال جميلة وواسعة جدًا، فهي عبارة عن فكرة زمنية، لأنها تتحدث عن إبداع تاريخي أو عن تجربة بشرية إنسانية، كما أنها تتحدث في الواقع عن نجاح، مشيرًا إلى أن الإرث الذي نتحدث عنه لن يكون معنيًا بالفشل والإخفاق بقدر ما يعنى بالنجاح؛ سواء أكان هذا النجاح نجاح إبداع أو تجربة أو فكرة معينة أو معركة أو أسرة أو فرد أو جماعة، لافتًا إلى أن هذا النجاح هو نجاح عابر للقرون والأزمنة يصل للأحفاد من الأجداد، فالإرث هو خلاصة تجربة إنسانية.

وأضاف فضيلته أن الإرث له معنى تكويني، حيث يساهم في تكوين الذات والهوية والقبيلة أو الدولة أو الأمة أو الأسرة، فالناس يتحدثون عن هذا الإرث كجزء من تاريخهم الماضي الذي يشكّل عمقهم الزمني والماضي، وربما يكون هاديًا لهم في الحاضر والمستقبل، كما أنه في الوقت ذاته يعتبر معنى إنسانيًا عامًا لا يختص بالأفراد.

أنواع الإرث

وأوضح الدكتور العودة أن هناك ألوانًا مختلفة من الإرث، منها:

1 ـ إرث حضاري: حيث نجد أن كثيرًا من الإرث أو الموروث لا يخص أمة من الأمم، ولكن يكون للإنسانية كلها، وعلى سبيل المثال، فإن نجاحات مثل تجربة الكتابة بالقلم أو تجربة من تجارب الحضارة ربما يكون أصله من الهند أو من العرب أو من الإغريق أو من الرومان، ولكنه انتقل من كونه إرثًا خاصًا إلى أن يكون إرثًا عامًا للإنسانية كلها، وهذا كثير فيما يتعلق بالتراكم الحضاري.

2 ـ إرث مادي: وذلك مثل أن يموت الأب ويورّث من بعده مالًا أو عقارًا أو مزرعة أو مجدًا شخصيًا أو سمعة أو أي شيء آخر، فهناك بيوتات للمال وأخرى للملك، وغيرها للعلم والوجاهة، وهلم جرَّا.

3 ـ إرث معنوي: وذلك مثل إرث الأخلاق الكريمة، والمجد، والشرف، والنبل، والكرم، ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ أَوْ بِحَظٍّ وَافِرٍ»، فسماه إرثًا، وهو ميراث وتراث أيضًا وورث، وهو إرث علمي لا يتعلق بالمال، «لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».

4 ـ ميراث الجنة: إن الله -سبحانه وتعالى- سمى الجنة ميراثًا، حيث يقول -سبحانه وتعالى-: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الزخرف:72)، فميراث الجنة، وهو أعظم الميراث، ورثوه بعد الدنيا، أو ورثوه من الآخرين الذين كانوا يمكن أن يكونوا من أهل الجنة لو عملوا بالصالحات فورث مقعدهم أولئك المؤمنون، فالإرث في هذه الآية معناه العمل الصالح؛ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: (أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بالعمل الصالح، سواء كان قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا.

5 ـ إرث إنساني: سواء كان قولًا: مثل الموروث من الأمثال والحكم والطرائف والقصص والكلمات والأشعار، فهذا إرث، كما أن هناك الإرث العملي، وذلك مثل: الموروثات الثقافية المختلفة من ألوان البناء والمعمار وغيرها من جوانب الحضارة الإنسانية.

6 ـ إرث شعبي: أو "الفلكلور"، الذي هو موروث عند الناس، مشيرًا إلى أن البعض ربما يزدري كثيرًا الحديث عن الموروث الشعبي، في حين أن هذا الموروث له قيمته، فنحن لا يمكن أن نعتبر أن انصراف الناس -مثلًا- عن اللغة العربية إلى لغات شعبية معناها القطيعة التامة، فيظل الناس عندهم خبرات في الحياة وتجارب وإبداعات ونجاحات.

واستطرد فضيلته أن الدليل على ذلك الشعر نفسه، والكلمات والحكم التي يتناقلها الناس، وهي تعبر عن تجربة إنسانية وإبداع، ولو كانت بغير لغة عربية، بل قد تكون بلغة أجنبية، فنحن نتعاطى أيضًا مع موروث من أمم الأرض كلها، و(الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)، كما أنه قد يكون امتدادًا للماضي، أي أن أولئك الذين نطقوا به وإن كان بلغة محلية إلا أنهم ربما تلقَّوْه عن الكتب أو عن الآباء والأجداد، فهو ذو أصول عريقة وموغلة في التاريخ والقدم.

وفيما يتعلق بورود كلمة "الإرث" ومشتقاتها في القرآن الكريم، قال الشيخ سلمان: لقد ورد استخدامها في القرآن كثيرًا جدًا، والله -سبحانه وتعالى- هو خير الوارثين، يقول تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم:40)، وفي ذلك إشارة إلى أنه مهما كان الناس في الدنيا فلهم يومٌ ينتهون فيه، كذلك قد ترد بمعنى الاستخلاف، يقول -سبحانه وتعالى- (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)(الأعراف: من الآية137)، وذلك في قصة موسى وفرعون، حيث ذكر الله تعالى الميراث.

ولفت فضيلته إلى أنه من الطريف في هذه الآية أن الميراث لم يكن هو ميراث موسى ومن معه لفرعون وملكه، لأنهم لم يحكموا في مصر، وإنما انتقل حكمهم إلى بلاد الشام وبيت المقدس، يقول تعالى: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)(المائدة: من الآية23)، ومع ذلك سماه الله تعالى ميراثًا، وهذا قد يشير إلى أن النصر ليس من الضروري أن يكون بسحق العدو وأخذ مكانه، فالأمر ليس ثأرًا أو انتقامًا، ولكن النصر قد يكون بأن يُمكّن الله -سبحانه وتعالى- أهل الحق ويعطيهم بقدر قوتهم.

وأوضح الدكتور العودة أنه مما يشار إليه في قوله -سبحانه وتعالى-: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا)(الأعراف: من الآية137)، أن الإرث ليس مجرد شيء بارد يأخذه الناس بدون جهد ولا عمل، ولكن قال الله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى)، وهي مكافأة حسنة من الله -سبحانه وتعالى- لبني إسرائيل (بِمَا صَبَرُوا)، مشيرًا إلى أنه بدون أن يكون هناك صبر، سواء فيما يتعلق بالفرد أو المجموعة أو الأمة أو الدولة في مواجهة التحديات، وصبر على الطريق، فإنه لن يكون هناك إرث.

ولفت فضيلته إلى أن الصبر في هذه الحالة لا يكون بدون خطة، فنحن كثيرًا ما نستخدم كلمة الصبر ونعتقد أن مجرد الزمن كفيل بحل المشكلات وتوريث الإنسان ما يريد! في حين أن الصبر يتطلب أن يكون عند الإنسان خطة يصبر عليها، وبدون ذلك فإن الصبر في هذه الحالة سيكون صبر العاجز، الذي لا يجد له مخلصًا، كما قال الشاعر:

صبرت لأني لم أجد لي مخلصًا.....إليك وما من حيلة لي سوى الصبر

فصبر الإنسان على الطريق يجب أن يكون وفق خطة واضحة على شيء يريده ويتقصّده، فإذا لم يجد الإنسان حيلة إلا الصبر صَبَرَ صَبْرَ العاجز.

ثقافة محلية.. ولكن

وذكر الشيخ سلمان أن هذا يمكن أن نعبر عنه بأنه الإرث الحضاري، وعلى سبيل المثال، فإننا حينما نتحدث عن الغرب، سنجد أنه بدون شك يُمثل القيم الحضارية اليوم السائدة والمنتصرة بدون منازعة، ولكن الغرب ليس ممثلًا للإنسانية، فهو إرث محلي قبل أن يكون عالميًا، ولذلك من الخطأ أن ننظر إلى تراث وثقافة الغرب على أنها وحدها ثقافة عالمية، بل هي عبارة عن ثقافة محلية، وهناك محاولة لعولمتها أو تعميمها، مما يؤكد أن الغرب ليس ممثلًا للإنسانية.

وأشار فضيلته إلى أن الغرب فيه من النجاحات الكثير، وإلى جوار ذلك فيه من الإخفاقات والفشل والتعديات على حقوق الإنسان وغيره ما هو معروف، ولكن ربما ميزة الغرب أن ذلك كله مكشوف ومعروف، كما أن القوة الفاعلة داخل الغرب ربما تفضح حتى ممارسات الحكومات، وذلك مثلما فعل موقع ويكليكس حينما نشر بعض الوثائق السرية عن العراق وأفغانستان وغيرها.

الظلم ظلمات

وردًّا على سؤال من مشاركة تتحدث عن الظلم، وتتساءل: ما هو جزاء الظالم وجزاء المظلوم؟ قال الشيخ سلمان: إن الظلم ظلمات يوم القيامة، كما أن الظلم هو من أشنع الذنوب والمعاصي؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِى لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ». ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، مشيرًا إلى أن عُمر الظلم قصير، حتى لو كان هذا الظالم قريبًا أو أخًا أو زوجًا أو ابنًا، فالظلم قضية محسومة شرعًا، فلا يحل الظلم بحال من الأحوال حتى للكافر، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: من الآية135).

وأضاف فضيلته أن العدل يكون مع النفس والوالد والقريب، ويقول أيضًا: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) (المائدة: من الآية8)، فحتى العدو الذي بينك وبينه شنآن حتى لو كان شنآنًا أو عداوة دينية، فإنه لا يجوز لك أن تظلمه، بل يجب العدل معه، وهذا معنى رائع وعظيم، فالعدل واجب على كل أحد، وواجب لكل أحد، وواجب في كل وقت.

الأخذ من الشعر

وردًّا على سؤال حول حكم الأخذ من الشعر لمن أراد أن يضحي، قال الشيخ سلمان: هذه مسألة فقهية مشهورة، والفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:

الأول: لا يجوز، وهو رأي الحنابلة، حيث يرون أنه لا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا من ظفره، للحديث الذي رواه مسلم عن أم سلمة: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّىَ فَلاَ يَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلاَ يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».

الثاني: بأن ذلك على سبيل الكراهة، وهذا مذهب الشافعية والمالكية -فيما أحسب- ويستدلون بحديث عائشة المتفق عليه أيضًا أنها نفت ذلك وقالت: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبعث بقلائد هديه إلى مكة وهو مقيم في المدينة فلا يحرم ما أحله الله تعالى عليه. فحديث عائشة ينفي أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- يمتنع أو يحرم من شيء لمجرد بعث الهدي إلى مكة.

الثالث: وهو للحنفية وأن ذلك مباح، وأن للإنسان أن يأخذ من شعره ومن ظفره. والذي يظهر لي أن القول الأول أحوط، والقول الثاني أيسر وأوسط، وخير الأمور الوسط.

عيدكم مبارك

وفي النهاية قدّم الشيخ سلمان تهانيه وتبريكاته للمسلمين في جميع أنحاء العالم بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، قائلًا: عيدكم مبارك، وحج مقبول ومبرور، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.




الموقع الرئيسي