آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

ماذا لو أصبح أوباما رئيساً للولايات المتحدة؟

الاربعاء 7 جمادى الآخرة 1429 الموافق 11 يونيو 2008
ماذا لو أصبح أوباما رئيساً للولايات المتحدة؟

اجتاز باراك أوباما عقبة كأداء بتغلبه على منافسته العتيدة والعنيدة هيلاري كلينتون في الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي، وبذلك أصبح المرشح الذي سيواجه مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. ولأنه لم يسبق لأي مواطن أميركي من أصول افريقية أن وصل إلى حلبة المنافسة على منصب رئيس الولايات المتحدة، فقد جاء إنجاز أوباما بمثابة زلزال هز أركان النظام ومن المتوقع أن تكون له توابع وتداعيات قد تغير من الأسس التي يقوم عليها المجتمع الأميركي ذاته على المدى البعيد، لذا لم يكن من المستغرب أن تبدأ دوائر التفكير الاستراتيجي الأميركي في تحري ورصد حقيقة ما جرى بالأمس وما قد يجري غدا من تغيير في المشهد الأميركي عبر عنه أحد كتاب صحيفة "الواشنطن بوست"، وهو يوجين روبنسون، في مقال بعنوان: "أوباما يعيد صياغة التاريخ الأميركي".
يرى كثير من المراقبين أن ما حققه أوباما حتى الآن أكبر بكثير مما كان متوقعا، ما يوحي ضمنا بأن فرصه في الوصول إلى البيت الأبيض تبدو ضئيلة. غير أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الرغبة في التغيير، والتي تفور في أحشاء المجتمع الأميركي منذ فترة ليست بالقليلة, هي التي ولدت التيار الملتف الآن حول أوباما. ولأنه ليس من المتصور أن يكتفي هذا التيار الواسع "بشرف المنافسة على مقعد الرئاسة"، فالأرجح أنه لن يهدأ له بال قبل أن يتمكن من الوصول بمرشحه المختار إلى خط النهاية ويقوم بإجلاسه فوق مقعد الرئاسة في البيت الأبيض! ولأنني شخصيا لا أستبعد ذلك فلا شك أنني سأصاب بدهشة كبيرة، وليس فقط بخيبة أمل، إذا قدر لجون ماكين أن يفوز في تشرين الثاني المقبل. وقد يبدو للبعض أنني أنطلق في تقديري لهذا الموقف من انحيازات أو رؤى ايديولوجية مسبقة. ورغم اعترافي بصعوبة الوقوف على الحياد في مسألة كهذه، إلا أنني أعتقد, مخلصا, أن أوباما يقف فيها على أرض صلبة، فهناك قطاعات ودوائر أميركية عريضة ترى أن المجتمع الأميركي يمر حاليا بأزمة عميقة ويدرك في الوقت نفسه أنه لن يكون بوسعه تجاوزها أو التغلب عليها إلا من خلال حلول غير تقليدية بات عليه أن يتحمل تكاليفها. وأظن أن ما جرى في الانتخابات الأولية فيه من الدلائل ما يكفي للتأكيد على أن حيوية المجتمع الأميركي أفرزت "ظاهرة باراك أوباما" كرد غير تقليدي، على أزمة غير تقليدية, في لحظة تاريخية فريدة وبالتالي غير تقليدية!

لقد أثبتت حملة الانتخابات التمهيدية أن أوباما يتمتع بكاريزما هائلة وبمواهب مكنته من تجاوز العديد من العوائق والعقبات، بل ومن توظيفها لصالحه لتصبح، في سياق الأزمة التي تعصف بالمجتمع الأميركي حاليا, جزءاً من الحل وليس من المشكلة! ففي الظروف والأحوال العادية كان يمكن لصورة أوباما أن تصبح في ذهن المواطن الأميركي أقرب إلى صورة معتقل في سجن غوانتانامو, وفقا للتعبير المستخدم من جانب أحد المحللين الأميركيين! فهو شاب في الأربعينات، توحي سحنته بأصله الأفريقي, ويحمل اسما غريبا (باراك حسين أوباما) ورثه عن أبيه الكيني المسلم، وتشير سيرته الذاتية إلى أنه قضى بعض سنوات طفولته في مدرسة إسلامية في إندونيسيا، وتلك سمات تكفي أي واحدة منها لاعتراض طموح شاب يريد أن يشق طريقه في بلد كالولايات المتحدة، ناهيك عن أن يصبح رئيسا لها! غير أن أوباما يعي في الوقت نفسه أنه مواطن أميركي مئة في المئة، ولد على أرض أميركية لأم أميركية بيضاء، وتربى تربية مسيحية في كنف جده وجدته لأمه حين قضى معهما معظم فترات المراهقة والشباب، وتعلم في أرقى الجامعات الأميركية (كاليفورنيا وكولومبيا وهارفارد) وأصبح أستاذا للقانون في إحداها (جامعة إلينوي). وكان هذا كافيا بالنسبة لشاب في موهبة وذكاء أوباما كي ينتخب عام 1996عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية الينوي التي أقام فيها، ثم عضوا في مجلس الشيوخ الفيديرالي ممثلا للولاية نفسها عام 2004، لكن أن يقوده طموحه للتطلع إلى رئاسة الولايات المتحدة نفسها، فقد بدا هذا وكأنه المستحيل بعينه بالنسبة الى شاب في مثل سحنته واسمه! وهنا تجلت قدرات أوباما ومواهبه بأروع وأرقى ما يمكن أن تكون عليه القدرات والمواهب.
لقد أدرك أوباما عمق الأزمة التي يمر بها المجتمع الأميركي في تلك اللحظة التاريخية الفريدة، وقرأها قراءة صحيحة خلص منها إلى أن هذا المجتمع يحتاج في هذه اللحظة تحديدا إلى قيادة قادرة على صياغة خطاب سياسي من نوع جديد يعتمد "التغيير" شعارا له. واعتبر أوباما أنه الشخص المؤهل طبيعيا للقيام بمثل هذا الدور، وأثبتت الأحداث أنه ربما كان محقا في ما يراه، خصوصا أنه استطاع، بكاريزميته ومواهبه الخطابية الفذة، أن يصوغ خطابا سياسيا راقيا ومقنعا تمكن من الوصول والنفاذ إلى أسماع الجميع، بصرف النظر عن أصولهم العرقية أو انتماءاتهم وولاءاتهم الدينية والأيديولوجية، ويذكرهم بالوجه الأميركي الآخر الأكثر إشراقا والذي كادوا أن ينسوه بسبب تنكر بوش له وإساءته إليه.
لم يكن التغيير الذي عكف أوباما على رفع شعاراته غامضا أو نظريا وإنما بدا واضحا وقابلا للتحقيق، وبالقدر اللازم فقط لتمكين أميركا من العودة إلى روحها القديمة كما صورها الآباء المؤسسون. من هنا اختياره لشعار "التغيير الذي نستطيع أن نؤمن به: the change we can believe in, وهو شعار بسيط وجميل بدا خاليا من أي مظاهر "ديماغوجية". ولأنه سبق لأوباما أن اتخذ مواقف مناهضة للحرب على العراق وصوت في الكونغرس ضد شنها، فقد بدا شديد الاتساق مع نفسه، ومن هنا تمتعه بمصداقية لم يحظ بها أي من المرشحين الذين رفعوا مثله شعار "التغيير". لذا لم يكن غريبا أن تلتف حوله ملايين المواطنين من مختلف الأعمار والأجناس والطوائف والأديان في مشهد ذكر الجميع بالروح التي سادت المجتمع الأميركي أيام مارتن لوثر كينغ.
لو أن هذه الانتخابات التمهيدية كانت جرت في ظل ظروف عادية أو طبيعية لكان من الصعب على مرشح من نوع أوباما أن يصمد لأيام معدودة في وجه مرشحة في حجم هيلاري كلينتون. فقد تمتعت، بحكم وضعها كزوجة رئيس أميركي سابق وناجح, بخبرة كبيرة في الشؤون الداخلية والخارجية تصعب مقارنتها بخبرة أوباما المحدودة. ولأنها سيدة معروفة ومحنكة، فقد كان من الطبيعي أن تصطف وراءها حركة نسائية قوية بدت أكثر ثقلا وتأثيرا من أي حركة للسود يمكن أن تصطف وراء أوباما. أما وقد جرت الانتخابات في ظروف استثنائية خلقتها حالة مجتمع يتمزق ويتوق للتغيير في لحظة تاريخية شديدة الخصوصية، فقد كان من الصعب على مرشحة تقليدية من نوع هيلاري كلينتون أن تتفوق على مرشح من نوع باراك أوباما. ولأن هذا الأخير تمتع بما يكفي من مصداقية وموهبة لتحويل "الرغبة" إلى "تيار" تتبناه حركة شعبية واسعة, فقد كان من الطبيعي أن تصبح يد أوباما هي العليا في الانتخابات الأولية، رغم كل ما حظيت به منافسته من مزايا ومواهب شخصية. بعبارة أخرى ربما كان بوسع كلينتون أن تواجه وتتفوق على أوباما "الشخص" لكن ليس على أوباما "التيار".
ويرى عدد من المراقبين أن انتصار أوباما أضر بفرص الحزب الديموقراطي في كسب معركة الانتخابات النهائية واستعادة البيت الأبيض من أيدي الحزب الجمهوري. أما حجتهم في ذلك فتتركز على أن الانتخابات الأولية طالت أكثر مما ينبغي واستنفدت طاقة الحزب وعمقت الانقسامات داخل صفوفه. غير أننا لا نتفق مع هذه الرؤية. فهناك دلائل تشير إلى أن كفة أوباما سترجح على كفة ماكين لسببين: الأول، تفوق أوباما في مجال جذب الأموال لدعم حملته الانتخابية، وهي ظاهرة جديدة تماما بالنسبة للحزب الديموقراطي، حيث تمكن من جمع ما يزيد على 250 مليون دولار خلال الانتخابات التمهيدية، منها 55 مليون دولار خلال شهر شباط (فبراير) الماضي وحده، والثاني قدرته الفريدة على تحريك وتعبئة شرائح وقطاعات لم يسبق لها أن أبدت اهتماما يذكر بالنشاط السياسي, ويعود الفضل في ذلك إلى الشباب المحيطين به والذين يشكلون العمود الفقري لحملته الانتخابية، وقدرتهم الفائقة على استخدام "الشبكات الاجتماعية الافتراضية" المتاحة على الانترنت، إذ تمكنوا، على سبيل المثال، من اجتذاب حوالي مليون وثلاثمئة ألف متبرع لحملته الانتخابية على تلك الشبكة!
إذا صح هذا التحليل، وأظن أنه صحيح في حدود ما هو ظاهر ومتاح من معلومات حتى الآن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا لو أصبح أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية؟ هل ستتغير السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط وبالذات تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي؟
يعتمد أكثر المراقبين، عند محاولتهم الإجابة على هذا السؤال، على تحليل مضمون خطب وتصريحات المرشح الفائز لتحديد موقفه من القضايا المختلفة واعتبارها أساسا صالحا لاستكشاف معالم ومحددات سياساته المستقبلية تجاه القضايا والمناطق المختلفة. ولذلك أصيب أكثر المتحمسين العرب لأوباما بصدمة حين فاجأتهم تصريحاته في مؤتمر "إيباك" الأخير، والتي أعلن فيها تأييده للقدس "مدينة موحدة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل اليهودية"، إذ بدت سياسته وكأنها صورة طبق الأصل لسياسة بوش، غير أن هذه الطريقة في التحليل تنطوي، في تقديري، على خطأ منهجي واضح، فخطب وتصريحات المرشحين تصاغ لأهداف انتخابية بحتة، أما السياسات التي تصاغ عند تولي المسؤولية الفعلية، خصوصا في مجال السياسة الخارجية، فترسمها موازين قوى ومصالح تتحدد وفقا لمنطق ومن خلال آليات أخرى تختلف كليا عن منطق وآليات الحملات الانتخابية.
وللتعرف على ملامح السياسة المحتملة لأوباما تجاه المنطقة يتعين أن ندخل في تحليلنا مجموعة من العوامل والاعتبارات أهمها: 1
- أن السياسة الخارجية ستلعب في هذه الانتخابات دورا أكبر من المعتاد في تحديد اتجاهات التصويت لدى الناخبين. 2
- أن قضية العراق ستكون أكثر قضايا السياسة الخارجية تأثيرا في تحديد اتجاهات التصويت والفرز بينها. 3
- أن فوز أوباما في الانتخابات هو نوع من التصويت بالثقة لصالح التغيير على المستويات والأصعدة كافة.

ووفقا للمنطق الكامن وراء هذه الاعتبارات الثلاثة, من المتوقع أن يحتل البحث عن مخرج مشرف لانسحاب القوات الأميركية من العراق موقع الصدارة على جدول أعمال السياسة الخارجية في عهد أوباما، وأن تعالج هذه المسألة من منظور براغماتي بحت، وليس وفق رؤية عقائدية مشتقة من نظريات المحافظين الجدد, مثلما كان عليه الحال في إدارة بوش. ومن المتوقع أيضا أن يقود العمل في هذا الاتجاه إلى تقارب مع كل من إيران وسورية. صحيح أن هذا التقارب سيكون في حدود ما تفرضه ضرورات البحث عن مخرج مشرف يتيح للقوات الأميركية الانسحاب من العراق، لكنه سينعكس حتما على الموقف الأميركي من قضايا تهم سورية وإيران بعضها له صلة وثيقة بالصراع العربي - الإسرائيلي. ولأن إسرائيل لا تريد لهذا التقارب أن يحدث أبدا, فالأرجح أنها ستبذل كل ما في وسعها لتغيير المعطيات الخاصة بهذه الأوضاع قبل انتهاء ولاية بوش، إما بالعمل على سحب سورية بعيدا عن طهران، بالتلويح بإعادة الجولان, تمهيدا لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، أو في حالة فشل هذا الخيار، بتوجيه ضربة عسكرية لسورية وإيران معا. غير أن احتمالات نجاح إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها على هذا الصعيد تبدو محدودة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن قوى التغيير في الولايات المتحدة تضم الآن أصواتا قوية تطالب بوضع حد للانحياز الأميركي السافر لإسرائيل ووضع خطوط فاصلة بين مصالح البلدين، فمن المتوقع أن تنشط هذه القوى أكثر في حال فوز أوباما. لذلك نعتقد أن إسرائيل ستلقي بثقلها من وراء الستار للحيلولة دون وصول أوباما إلى البيت الأبيض، لكن قد لا تستطيع هذه المرة!


*جريدة الحياة اللندنية

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً