آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مشروع الأمة الحضاري

الجمعة 9 جمادى الآخرة 1429 الموافق 13 يونيو 2008
مشروع الأمة الحضاري

من الحقائق اللازمة أن يكون في الأمة علماء، ودعاة، ومصلحون لهم قدر من المصداقية، والقوامة؛ لضبط مسيرة العلم والأخلاق داخل الأمة، وليتحدثوا عن مشروع الأمة الحضاري مع الأمم، والمجتمعات في هذا العصر الذي شهد تحديات كبرى، لم تصادف الأمة في تاريخها ما هو مثلها، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا: «وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها»، وهنا تكون الحاجة إلى التناصح بين طبقات الأمة أشد إلحاحًا، ويفترض أن يكون رجال الأمة الصادقون من العلماء والدعاة والمصلحين متمتعين بقدر من القيمة التي تؤهل رسالتهم للمصداقية والتقدم، ويجب أن تكون الرحمة والعفو من أساس أخلاقياتهم، وموازين تعاملهم، فليس الامتياز بأخذ الحقوق كاملة، وإنما بكرم الطباع وهدوء النفس، وتجاوز الشح (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).. «الحشر:9».
هناك رجال كثيرون في هذا العصر الذي تواجه فيه الأمة ورقة التحدي الحضاري المتسلط، قائمون بالدعوة وحمل العلم.
ولئن كان الاستعمار أعلن تركه الديار لأهلها، فمن المؤكد -حتى عند الجماهير- أنه لم يكن صادقًا، هذا التحدي خلق شعورًا حادًا عند ذوي المزاج الحاد طبعًا، ليس في دائرة العامة، بل حتى في دائرة الرموز العلمية، والإصلاحية، وكان لهذا أثر في تناولهم لقضايا كثيرة في مشروع هذه الأمة العلمي والتربوي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي، فحينًا يصارعون هذا التحدي، وحينًا يصارعهم، وحينًا يفر منهم، وحينًا يفرون منه.
ومن هنا وجد بعض الارتباك في الرؤية عند كثيرين، وربما تأثرت مناهج حضارية إسلامية بهذا التحدي، وقد شهد هذا العصر تأسيس جملة من الجماعات الإسلامية في ظروف لم تكن هادئة؛ ممّا سبّب انعكاسًا داخل هذه الجماعات، بل كانت ظروف تأسيس الكثير منها معقدة، كما أن مجموعة منها كانت حالات انشقاق عن جماعة (أم)، كما هو الشأن في حالات الانشقاق عن جماعة (الإخوان المسلمين) .
لسنا نريد أن نقرأ التاريخ المعاصر، لكن من المهمّ أن نتصور البيئة التي تشكّل فيها العمل الإسلامي الفكري والحركي؛ حتى نكون أكثر عدلاً في الوصف، والنقد .
إن المراجعة والتصحيح، بل والرد على المخالف حسب الأصول العملية، والمقاصد الشرعية أصل خالد في منهج هذه الأمة، وتاريخ العلماء متواتر في تقعيد هذا الأصل واعتباره، ولقد كتب كبار المحدثين والفقهاء، وغيرهم في المراجعة والتصحيح، والناظر في كتب الرجال، أو كتب العلل، أو كتب الفقهاء، أو أهل الأصول، بل وحتى السير، والتاريخ يرى داخل هذه التصانيف المراجعة والنقد والتصحيح، تارةً يضاف القول إلى قائله، وتارة يجرد عنه، فضلاً عن كتب الرد التي صنفها علماء السنة والجماعة في الرد على أهل الانحراف والبدع والحوادث في أصول الدين، كالرد على الجهمية للدارمي، والبخاري، والإمام أحمد. وكتب الرد على المعتزلة، والباطنية، والفلاسفة وأصناف أهل المقالات.
ومن هذه الحقيقة العلمية والتاريخية، بل المنهج الشرعي المتقرر في نصوص الكتاب، والسنة رسم الإمام مالك بن أنس -إمام المدينة النبوية- محصل هذا المنهج بقولـه: «كل يؤخذ من قوله ويترك، إلاّ صاحب هذا القبر».
ندرك أنه ليس هناك أحد يتعالى قوله عن النقد والمراجعة والتصحيح في كل ما يقول؛ إلا رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.
فالحوار العلمي المستند إلى الحجة مطلب يتفق عليه الجميع، لكن يجب علينا أن نرسم منهجًا لهذا النقد الشرعي العلمي، حتى لا يتحول إلى ممارسات، واجتهادات خاصة، قد لا يحصل منها تحقيق للمصالح الشرعية التي هي مبنى تقرير هذا النقد، والمراجعة.
وأيضًا، فإن من الإيمان بهذا الأصل الشرعي العلمي المتقرر، أن نعي أننا داخلون في هذا الإمكان، من حيث عدم حصول ما نقوله على الصواب المطلق ما دام قولاً لنا، وليس تقريرًا للضروريات الشرعية، والضروريات الشرعية ليست محل حوار، فهي القدر المتفق عليه، والذي ينطلق منه الجميع، وقد يقع أن يفرط امرؤ فيما يراه فيلح على إلحاقه بالضروريات؛ ليجعله في مأمن من المراجعة، ولئن كان الإمام مالك راجع الليث بن سعد، ومحمدُ بن الحسن كتـب (الحجة على أهل المدينة)، وتكلم أحمدُ في مسائل لإسحاق، وتكلم الشافعيُ في مقالات لأبي حنيفة مع الامتياز العلمي والمنهجي لكل هؤلاء؛ فمن اللازم أن نكون واضحين في قبول مقالاتنا واجتهاداتنا للمراجعة والنقد.
وهذا ليس حرفًا يقال وشعارًا يرفع لمناسبة، بل هو موقف داخل النفس.



تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً