آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

فلسطين في التاريخ الإسلامي

السبت 10 جمادى الآخرة 1429 الموافق 14 يونيو 2008
فلسطين في التاريخ الإسلامي

الكتاب:

فلسطين في التاريخ الإسلامي

المؤلف:

عمر سعادة

الناشر:

دار الفكر – دمشق – سورية

سنة النشر:

الطبعة الأولى-2008 م

عرض:

محمد بركة


ليس ثمة شك في أن فلسطين تحتل موقعًا في غاية الأهمية في الكتابات التاريخية القديمة والحديثة، مرورًا بكتابات التاريخ الوسيط. وبدهي أن تحتل هذه المنطقة، التي تصل آسيا بأفريقيا، ومشرق المنطقة العربية بمغربها، موقعًا متميزًا في التاريخ الإسلامي أيضًا. ففيها أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وزارها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب فاتحًا، وعلى تخومها جرت معارك الإسلام الكبرى، ضد الغزاة الصليبيين والمغول (حطين، وعين جالوت).
ومن ثم كان الاهتمام بأهم الأحداث في تاريخ فلسطين، والوعي بجوهر القضية الفلسطينية، والإحاطة بأبعادها الاستراتيجية، وعلاقتها بواقع الأمة العربية والإسلامية وبمستقبلها، يقتضي الوقوف على تاريخية هذا الصراع المحتدم على أرض فلسطين،وعلى دوافع وخلفيات القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذا ما تناوله كتاب صدر مؤخرا عن دار الفكر في دمشق بسورية للباحث الفلسطيني عمر سعادة تحت عنوان فلسطين في التاريخ الإسلامي .
وجاء الكتاب في مقدمة وخاتمة وسبعة فصول، وملحق خرائط، عرض عبرها الأحداث التاريخية التي شهدتها فلسطين على مدى أربعة عشر قرنًا من الإسلام.
في الفصل الأول: عرض الباحث أوضاع فلسطين قبل الفتح الإسلامي؛ حيث كانت تقع في إطار الإمبراطورية الرومانية - البيزنطية. وفي رأي الكاتب، فإن فلسطين منذ فجر التاريخ لم تشكل كيانًا سياسيًا مستقلًا عن بلاد الشام، التي كانت بدورها امتدادًا طبيعيًّا وبشريًّا لجزيرة العرب. وبذلك يدحض الكاتب محاولات المؤرخين اليهود، ومَنْ شايعهم، في صوغ تاريخ خاص بفلسطين القديمة، باعتبارها كيانًا مستقلًا عن محيطها الجغرافي والحضاري. ويرى الكاتب أن الدخول المفترض لبني إسرائيل إلى فلسطين، كان دخولًا لجماعة مضطهدة تبغي النجاة والأمان والتعايش السلمي مع الشعوب الأخرى. ويخلص الكاتب إلى أن اليهود لم يكونوا حملة حضارة أو ثقافة راقية إلى فلسطين، بل تعيّشوا على حضارات المنطقة ومعارفها، لكنهم لم يستفيدوا منها بسبب نزعتهم الانعزالية والعدائية تجاه الشعوب الأخرى. وهكذا، خرج اليهود من فلسطين كما جاءوا إليها من دون أن يتركوا فيها أثرًا حضاريًّا يشير إلى فترة وجودهم فيها.
كما خصّص الفصل الثاني للحديث عن مقدمات الفتح الإسلامي، واستقرار الإسلام في فلسطين. فكان هذا الفتح بمثابة الولادة السياسية والاقتصادية والثقافية لفلسطين؛ إذ اتحد ساحلها بداخلها وجنوبها بشمالها.
وفي هذا الفصل، يُفَنِّد الكاتب فكرة الحق التاريخي لليهود في فلسطين، ويعتبر أن الفتح العربي الإسلامي لفلسطين لم يكن تأسيسًا لعلاقة طارئة بين العرب المسلمين وبين فلسطين، كما يزعم الكثير من المؤرخين الغربيين. ولتأييد وجهةِ نظره يستشهد المؤلف بأقوال الكاتب الغربي "جفريز"، والكاتب الأميركي "تشارلز مثيوز". كما يشير إلى أن دائرة المعارف اليهودية العامة، لم تستطع إنكار هذه الحقيقة التاريخية، التي أكَّدَتْ أن فلسطين أصبحتْ بلادًا عربية، ليس فقط بسبب الفتح (الإسلامي)، بل لِأَنَّ العرب كانوا أَتَوْا إلى البلاد مهاجرين منذ قرون مضت. فمنهم البدو، ومنهم جاليات المحاربين المجربين والتجار، وكانت مسيحيتهم غير عميقة، فاستبدلوها بالإسلام بسهولة. وهكذا كان مجيء الإسلام إلى بلاد الشام استمرارًا وتوسيعًا للعلاقة التاريخية التي كانت قائمةً بين العرب وبين هذه البلاد..ما جعل الخلفاء الأمويين والعباسيين وحتى آخر خليفة عثماني، ينظرون إلى فلسطين، ليس باعتبارها دارًا من ديار المسلمين فحسب، بل ووقفًا إسلاميًّا مُصَانًا للمسلمين على مر الزمن. ومن هنا، فإن مقارنة الوجود العربي الإسلامي الأصيل في فلسطين بالوجود الطارئ والمؤَقَّت للقبائل والشعوب الغازية، مثل اليهود والروم والفرس ثم الصليبيين، إنما ينطوي على مغالطة تاريخية خطرة تساوي بين أصحاب فلسطين الشرعيين والغُزَاة الطارئين على هذا البلد.
وتحدث الفصلان الثالث والرابع عن الغزو الصليبي، وما تبعه من احتلال بيت المقدس، مما حفز المسلمين للاستعداد لمواجهة هذا الغزو الذي استوجب توحيد الشام، وإعلان الجهاد، وخوض معركة حِطِّين، وما نجم عن ذلك من نتائج.
في الفصل الرابع، يُفَنِّد الباحث ذرائع الحروب الصليبية، ومنها ادعاء استنجاد مسيحيي الشرق بالبابا لحمايتهم؛ إذ كان مسيحيو الكنائس الشرقية يتعايشون مع المسلمين على مدى القرون في حريةٍ كاملة، ويُشْرِفون بأنفسهم على كنائسهم دون تدخل من الدولة. كما أن واقع الحال يدحض كل الادعاءات الغربية في موضوع المسيحيين الشرقيين، فالبابوية كانت تعتبر عقيدة الكنائس الشرقية مجرد هرطقة كافرة، وعندما نجحت الحملة الصليبية الأولى في احتلال فلسطين، استولى الصليبيون على كنيسة "المهد" وحولوها إلى كنيسة لاتينية، وعاملوا أبناء الكنيسة الشرقية باعتبارهم شرقيين وليسوا مسيحيين. ولم يتم التمييز بينهم وبين المسلمين في موضوع الضرائب والإتاوات المرهقة، وفي تسخيرهم لخدمة الغزاة الغربيين ورفاهيتهم.
وفي الفصل الخامس، تناول الكاتب تاريخ فلسطين منذ خروج الصليبيين حتى دخول العثمانيين، فتحَدَّث عن المماليك وأعمالهم، ثم عن تآمر بقايا الصليبيين مع المغول الذين أسقطوا بغداد عام 656هـ، بسعيهم للقضاء على الدولة الإسلامية.
وتوقف الكاتب في الفصل السادس عند حكم العثمانيين لبلاد الشام ومصر، وأشار الى أطماع أوروبا في الشرق. ثم عرض لحكم محمد علي باشا لفلسطين، حتى قيام الثورة على ابنه إبراهيم باشا.
ونلمح في هذا الفصل أنّ الكاتب خالف كثيرًا من المؤرخين باعتباره أن نظام محمد علي باشا والنخبة الحاكمة التي أقامها في مصر وبلاد الشام كانا تركيين أو عثمانيين في تركيبتهما وهويتهما السياسية والثقافية؛ إذ تشير المراجع والمصادر التاريخية الكثيرة إلى نظرة الازدراء والتعالي عند هذه النخبة الحاكمة في تعاملها مع السكان العرب في مصر ثم في بلاد الشام. ويعتقد الكاتب أن حملات محمد علي في شبه الجزيرة العربية والسودان، ثم بلاد الشام، جاءت خدمةً لمطامعه السياسية في بناء دولة أو مملكة له ولأولاده، لا للأمة العربية.
وكان محور الفصل السابع حديثا موجزا عن الأيام الأخيرة من الحكم العثماني لفلسطين، متوقفًا عند النقطة المضيئة التي شغلت الكثير من الأقلام، أعني شخصية لسلطان عبد الحميد الثاني، وتبلور الفكرة الصهيونية في عهده، وما جرى آنذاك من حوادث عسكرية وسياسية.
وكان الأَوْلَى أن يتوقف المؤلف عند هذا العهد في تاريخ أتنا ، والذي كان محور التغيرات التي شهدتها الأمة من بعد وإلى يوم الناس هذا.
وفي الخاتمة لَخَّصَ الكاتب أهم الأحداث المتلاحقة التي جرت بعد الثورة العربية الكبرى حتى واقعنا المعاصر. وأشار إلى أن غياب التيار الإسلامي عن حركة العمل السياسي الفلسطيني، وعن تيار الكفاح المسلح، كان بسبب تزايد المد القومي العربي، واشتباك حركة الإخوان مع الخَطَّيْن القومي واليساري المتصاعِدَيْنِ، مما دفع الحركة الإسلامية الى الانزواء والاكتفاء بدورها التقليدي على الصعيد التربوي الإسلامي والدعوي.
لكنّ هزيمة يونيو/حزيران، في رأي الكاتب، شكَّلَتْ بداية القطيعة مع الخط الرئيس للإخوان المسلمين، الذي تعاطى مع الجهاد ضد المحتلين باعتباره مهمة مؤجلة. وهكذا شَهِدَ مطلع عقد الثمانينات بداية تشكيل الخلايا الجهادية الأولى داخل فلسطين. ويرى الكاتب أن دلالة الجهاد المسلح الذي شَرَع المجاهدون في خوضه منذ تلك الحقبة، يتجاوز حدودَ الصراع المعهود ضد العدو الصهيوني، ويرتقي به إلى أبعادٍ أوسع؛ إذْ يضع فلسطين في موقعها الطبيعي كهدف مركزي يتقدم أهداف الحركة الإسلامية المعاصرة، ففلسطين عنصر توحيديٌّ أساسٌ لِقُوَى الحركة الإسلامية؛ يجمع شتاتها، ويُوَحِّد طاقاتها، ويربط بين أهدافها برباط مقدسٍ مشدودٍ بحبلٍ من السماء.
ولا يزال الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال للحصول على تحرير أرضه واستقلال وطنه، ولذلك كان تاريخه مع الاحتلال تاريخ انتفاضات ومقاومات مستمرة، وما انتفاضاته التي نشهد فصولها الآن، إلا حلقة من حلقات الصراع مع هذا العدّو الغاصب، وشاهد على غطرسته وممارساته الإجرامية.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً