آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الصيدلاني البراق: كل الأدوية. . سامة

السبت 24 جمادى الآخرة 1429 الموافق 28 يونيو 2008
الصيدلاني البراق: كل الأدوية. . سامة

حذر الاستشاري السعودي في الصيدلة السريرية الدكتور أحمد بن عبد الرحمن البراق من تفاقم مشكلة التسمم الدوائي في المملكة ومنطقة الخليج، وقال إن كثيراً من حالات التسسم بالدواء هي قاتلة، وتحدث بسبب الإهمال أو الجهل بكيفية التعامل مع الأدوية، مبيناً أن الأطفال هم الشريحة الأكثر تعرضاً لهذا النوع من التسمم. وحث الأسر على إعطاء المزيد من الاهتمامات لنوعية الأدوية التي يتعامل معها أطفالهم.
وقال "البراق" -وهو المشرف على مركز معلومات الأدوية والسموم بمستشفيات القوات المسلحة بالطائف-: إن الدواء هو في الأصل مادة علاجية، لكنه يتحول بالإهمال إلى مادة شديدة السمية، مشيراً إلى أن هناك بعض الأدوية الكثيرة الاستعمال مثل: (الفيفادول أو البندول) يمكن أن تتحول إلى مواد سامة وضارة بالإنسان في حال زيادة الجرعة، ولفت النظر إلى أن هذه الأدوية بالذات يجب التحوّط منها بصفتها تتواجد في المنازل بكثرة، وتكون في الغالب في متناول أيدي الأطفال...


يتحدث الكثير من الاختصاصيين عن مشكلة التسمم الدوائي وانتشارها.. فهل هناك دراسات توضح حجم هذه المشكلة في السعودية؟
للأسف لا توجد حسب علمي دراسات توضح بشكل تفصيلي حجم المشكلة، سواء من ناحية اجتماعية أو صحية أو اقتصادية في المملكة العربية السعودية أو دول الخليج العربي أو العالم العربي عموماً، ولكن أشارت إحصائيات نُشرت خلال الفعاليات التي أطلقتها هيئة الغذاء والدواء العام المنصرم أن هنالك ما يربو على خمسة آلاف حالة تم تسجيلها في 2007، ولكن لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أن عدد الحالات الحقيقي قد يزيد على هذا العدد بكثير، نظراً لعدم توثيق كل الحالات بشكل فعال، وأيضاً لأن كثيراً من حالات التسمم المزمن بالأدوية لا تُوثّق كحالات تسمم.

وكيف يتحول الدواء من مادة علاجية نافعة إلى مادة سامة تضر بالإنسان؟
الضابط الأساسي في ذلك هو جرعة الدواء، وقد أشار إلى ذلك المؤسس الأول لعلم السموم في الغرب (براسيلسيوس) إذ تساءل: ما هو الشيء الذي قد لا يكون سماً في هذا العالم؟ فأجاب عن سؤاله: إن كل الأشياء في هذا العالم قد تكون سماً، وليس هنالك شيء بدون سمية. ثم أردف قائلاً: إن الجرعة هي التي تحدد إن كان ذلك الشيء ليس سماً! انتهى كلامه.
ومما تجدر الإشارة إليه أن العلامة ابن القيم قد أرشدنا إلى هذه القاعدة قبل أكثر من (600) سنة. ودعونا نوضح ذلك بالإشارة إلى جرعة دواء مثل البارستامول الذي يعرفه عامة الناس بدواء البنادول أو الفيفادول أو الأدول. هذا الدواء لا يخلو بيت منه سواء على شكل شراب أو حبوب أو تحاميل. هذا الدواء يغفل كثير من الناس إما عمداً أو جهلا أنه من أخطر الأدوية سمية على الكبد، فالجرعة المقننة لهذا الدواء هي أربع جرامات يومياً لمرضى احتكاك المفاصل مثلاً، والمفروض ألاّ تزيد الجرعة عن ذلك في كل الأحوال، فلو أن شخصاً أخذ ما يعادل (15) جراماً مثلاً فإن ذلك سوف يدمر خلايا الكبد، وإن لم يُسعف بشكل سريع فسوف يُصاب بفشل كبدي، وربما يتوفى أو يحتاج لزراعة الكبد. فتأمل في أهمية الجرعات، وكيف أنها السبب الأول في الحكم على سمية الأدوية.

ما هي الأدوية التي تسبب حالات تسمم أكثر من غيرها؟
الأدوية تشكل 66% من حالات التسمم، وذلك حسب الدراسة التي نشرها مركز معلومات الأدوية والسموم بمستشفى الملك خالد الجامعي في عام 2001، وذلك اعتماداً على قاعدة البيانات الموجودة خلال عشرة أعوام بدءاً من عام 1986إلى عام 1996، ووضحت هذه الدراسة أن حوالي 19% من الحالات كانت بسبب التسمم بمثبطات الجهاز العصبي المركزي، مثل: مضادات الحساسية ومضادات الكآبة، كما أن حالات التسمم بالمواد المنزلية بلغت 22% من عدد حالات التسمم التي تم علاجها عن طريق المركز.

ما هي الأسباب التي تؤدي إلى حدوث حالات تسمم بالأدوية؟
الأسباب كثيرة ولكن قد نلخصها في ثلاثة أسباب رئيسة:
1.الجهل: مع أنه آخر الأسباب، إلاّ أنه لا يزال بعض الناس يجهل أن كثيراً من الأدوية قد تكون سامة إذا استُعملت بجرعات عالية.
2.عدم المبالاة: وهذا قد يكون السبب الأكثر والأغلب لحدوث حالات التسمم؛ فعدم حفظ الأدوية في مكان آمن ومقفل لا يصل إليه الأطفال يُعدّ عدم مبالاة وقد يكون جهلاً في نفس الوقت، وترك الأطفال بمفردهم من غير إشراف من حدوث خطأ عند أخذ الدواء أو في حالة عدم أخذ الدواء، وبهذا يتصرف الشخص من تلقاء نفسه، ويعتبر ذلك ثقة زائدة بالنفس وعدم مبالاة. وأذكر مرة أن شخصاً اتصل وقال إنه أخذ الميكروكروم عن طريق الفم في الظلام ظناً منه أنه شراب الكحة!! فعدم المبالاة هذه أدخلت ذلك المريض إلى المستشفى؛ لأن الميكروكروم يعتبر ساماً إذا ما أُخذ عن طريق الفم.
3.العمد: وهذا السبب غالباً ما يكون في المرضى النفسيين أو الأشخاص الذين يريدون الانتحار، وذلك ناتج عن عدم ثقتهم بالله وعدم صبرهم.

هل حالات التسمم الغذائي قاتلة في الغالب؟
على الفرد قد يكون الموت هو النتيجة المرة المتحققة من التسمم، أو الإصابة بعاهة دائمة مثل العمى في المصابين بتسمم الميثانول، وقد حصل ذلك؛ إذ إن أناساً من مدمني الخمور تعاطوا نوعاً مغشوشاً من الخمور كانت فيه كمية الميثانول هي الغالبة؛ فأصيبوا بالعمى والفشل الكلوي أو الكبدي. في بريطانيا مثلاً بينت الدراسات أن أكثر من 30% من زراعة الكبد بسبب التسمم بالباراسيتامول وهو البنادول المعروف.

هل هناك فئة عمرية معينة تتعرض أكثر من غيرها للتسمم الدوائي؟
الأطفال هم أكثر الفئات العمرية عرضة للتسمم من غيرهم؛ فالدراسة التي نشرتها هيئة الغذاء والدواء السعودية بينت أن غالبية حالات التسمم الدوائي كانت عند الأطفال، وكذلك الدراسة التي نشرها مركز معلومات الأدوية والسموم بمستشفى الملك خالد أيضاً بينت أن أكثر من 60% من الحالات كانت من الأطفال، أما الإحصائيات في أمريكا فتدل على أن نصف حالات التسمم تكون في الأطفال؛ ففي عام 1998مثلاً قُدّرت عدد حالات التسمم عند الأطفال بما يربو عن المليون حالة، وفي عام 2002 نحو مليوني حالة. وتقول الدراسات إنه في خلال كل نصف دقيقة تحدث حالة تسمم لطفل، و 90% من هذه الحالات طبعاً تحدث في المنازل، وحوالي 70% من حالات التسمم تحدث عند الأطفال فيما دون سن الخمس سنوات، و 60% من الأطفال المتسمّمين فيما دون سن الخمس سنوات تكون بسبب الأدوات المنزلية مثل مواد التجميل، والمنظفات والنباتات المنزلية والألعاب والمبيدات الحشرية، وقد بينت هذه الدراسات أيضاً أن 30% من الأطفال الذين يموتون بسبب التسمم الدوائي تكون بسبب تناول كميات كبيرة من الفيتامينات وأدوية الأنيميا (الحديد)، ولو سألت أطباء الطوارئ عن نوعية بعض حالات التسمم لانفطر فؤادك، فمثلاً طفل شرب مادة الأسيد الحارقة، فتهتكت أمعاؤه ثم توفي، أو طفل وجد علبة بيبسي مليئة بمبيد حشري فشربها ظناً منه أنها بيبسي، فتوقف قلبه، وطفل شرب غازاً كان موضوعاً في قنينة عصير... وهلم جراً، فأُصيب بالتهاب حاد في الجهاز التنفسي.

إذن كيف يمكن أن نتقي مشكلة التسمم الدوائي؟
الوقاية من التسمم الدوائي أصبحت أمراً ملحاً، ولعلي ألمح بإيجاز إلى الخطوات المهمة لتفادي هذا الخطر.
الخطوة الأولى: العمل على تقليل حدوث حالات التسمم.
الخطوة الثانية: التخفيف من الضرر الناتج من التسمم بالنسبة للشخص المتسمم أثناء حدوثه.
الخطوة الثالثة: التخفيف من تأثير حالات التسمم على النظام الصحي عموماً وعلى الفرد خصوصاً.
بالنسبة للخطوة الأولى: هناك نوعان من الطرق:
الطريقة الأولى: وهي إقرار نظام من وزارة الصحة والمنشآت الصحية الأخرى، وعلى رأسها هيئة الغذاء والدواء السعودية والأنظمة الصحية الخليجية والعربية يفرض التعبئة الدوائية التي يصعب على الطفل فتحها، فمثلاً لو قمت الآن بنظرة سريعة على الأدوية التي تصنعها شركات الدواء العربية لوجدت أنها سهلة الفتح؛ فالطفل قد يفتح قارورة الفيفادول مثلاً، ويشربها كلها، بينما لو نظرت إلى الأدوية المستوردة من الشركات الأوروبية والأمريكية لوجدت أنها صعبة الفتح. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القانون الذي أقره الكونجرس الأمريكي في عام 1970 والذي ينص على أن الأدوية لا بد أن تُعبّأ تعبئة يصعب على الأطفال فتحها، وقد بينت الإحصائيات أن هذا القرار قد قلل من حالات التسمم الدوائي عند الأطفال بنسبة 45%، وهذا القرار أو القانون الآن أصبح يغرم الصيدلي الذي لا ينصاع لهذا القرار ألف دولار أو السجن لمدة سنة، وأيضاً الشركات تُغرّم ملايين الدولارات إذا لم تعمل بموجب هذا القرار. فما أحوجنا إلى هذا القرار في مؤسساتنا الصحية في الدول العربية!
الطريق الثانية: لا بد من وضع إشارات تحذيرية على المنظفات أو أي مادة منزلية يبين مدى خطورتها، وهذا – ولله الحمد- معمول به في السعودية، ولكن أهيب بربات المنازل أن يقرأن هذه الإرشادات.
الخطوة الثانية: وهي التخفيف من الضرر الناتج من التسمم بالنسبة للشخص المتسمم أثناء حدوثه.
الخطوة الثالثة: التخفيف من تأثير حالات التسمم على النظام الصحي عموماً وعلى الفرد خصوصاً، وذلك عن طريق التالي:
- الدعم العلمي والتقني لهذه المراكز وتشجيع الأبحاث في هذا المجال سواء في مجال توثيق أو معالجة حالات التسمم.
- تطوير مجال التخصص في السموم في المجال الإكلينيكي عن طريق الابتعاث، وتطوير الأقسام المعنية بهذا الشأن في كليات الطب.
- الاهتمام بحملات التوعية بخطر التسمم بالأدوية سواء في المدارس أو المراكز الاجتماعية والدور النسائية، وأيضاً على مستوى الإعلام العام المرئي أو المسموع أو المقروء.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً