آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أهل الحديث وحريّة الرأي

أهل الحديث وحريّة الرأي

الاحد 25 جمادى الآخرة 1429 الموافق 29 يونيو 2008
أهل الحديث وحريّة الرأي

حريّة الرأي ليست دعوى يطلقها مَن شاء على مَن يشاء، ولا ملكيّة تُباع وتُشترى، ولكنها منهج أخلاقيّ مَن اتبعه فهو المهتدي، ومَن ضلّ عنه فقد ضلّ سواء السبيل.
ليست حريّة الرأي لقباً فخريّاً، ولا مرتبة أكاديميّة، ولا شهادة رسميّة، ولكنها ميثاق إنسانيّ تشهد عليه ألسنة بني الإنسان وأيديهم.
ومهما أكثرنا من الدعايات والإعلانات لتتويج أصحاب الصراعات من المعتزلة بهذا الشرف إلاّ أنّ الأمانة لا بدّ أنْ تُردّ إلى أهلها، وإنّ من الأمانة ألاّ نصف الناس إلاّ بما يستحقون.
وكم أكثر علينا أحمد أمين ومحمد عمارة وشوقي ضيف وغيرهم من الأدباء والمفكرين حول المعتزلة الأحرار والأحرار!
ولا يمكنني أنْ أتقبل مثل هذه الدعاوى إلاّ باسماً، وربما ضاحكاً لعل شيئاً من أريحيّة النفس يتحرك أمام الضحكات ليبحث عن شاهد لهذه الدعوى!!
أين حريّة الرأي من قوم لم أرَ أكثر ضيقاً ونفرة من المخالف منهم، ولا أعلم فرقة أكثرت من تكفير مخالفيها كالمعتزلة، حتى ربما رأيتَ التلميذ بعدما يريش يكفّر أستاذه لأدنى خلاف؟!
بالله أهؤلاء هم الأحرار؟!
وبالمقابل فلم أرَ أكثر قبولاً للمخالف (في المسائل الاجتهاديّة) من أهل الحديث، ولم أرَ أكثر اختلافاً (في المسائل الاجتهاديّة) من أهل الحديث، حتى إنك لتجد فيهم كل إمام له آراء كثيرة يخالف فيها غيره من الأئمة من أمثاله، بناء على ما يستمدّه من نصوص نبويّة وقواعد علميّة، نقليّة أو عقليّة.
وعلى الرغم من اختلاف أهل الحديث فيما بينهم في المسائل الاجتهاديّة -العلميّة منها والعمليّة- فلم أرَ أكثر تواصلاً ومحبة وثناءً على بعضهم منهم، وإن كان فعند الأقران، وهذا يوجد في كل الطوائف، وهو طبع بشريّ.
والتاريخ يحدثنا -وهو حجتنا على المخالفين- أن أهل الحديث (كطائفة) هم أقل الطوائف عداءً ضد مخالفيهم ممن ابتعدوا عن نهجهم، وقلّما تجد ألفاظ الهجاء والغمز واللمز عند أحدهم، وهذا هو الظنّ بمن تربّوا على نهج النبوّة، وأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، وأولئك هم الأحرار.
ولعل حريّة الرأي جاءت المعتزلة عن طريق مسألة القدر وأن الإنسان يخلق فعل نفسه، وبالتالي فهو حرٌّ في تصرّفاته وأفعاله.
وليست هذه مسألتنا، ولا أدري كيف اختلطت هذه بتلك؟! فالمعتزلة يتكلمون عن حريّة الإنسان في أفعاله، وأنّ الله تعالى ليس بخالقٍ لها، والمسألة هنا عن حريّة الرأي لا حريّة الفعل، وأنّه ليس ملزماً بقول فلان من الناس.
وبمعنى آخر: فالمسألة عند المعتزلة حول علاقة الخالق بالمخلوق، والمسألة هنا حول علاقة المخلوق بالمخلوق.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً