آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

العبودية في أقبح صورها

الخميس 29 جمادى الآخرة 1429 الموافق 03 يوليو 2008
العبودية في أقبح صورها

العبقرية هي التغلب على العادات وتحطيم قيودها، والغباء والبلادة وما لف لفهما يكمنان في السير في طريق العادات حتى يتحول الإنسان مع مرور الوقت إلى آلة يعمل وفق برنامج مخطوط لا يحيد عنه فيتبلد إحساسه وتموت انفعالاته وتخبو مشاعره ولا يعود لديه ما يمكن أن يشارك به الأحياء في عالمهم! يقول رولو ماي: "إن مشكلة الناس الرئيسية في العقد الوسيط من القرن العشرين هي مشكلة السهاوة والسهوم، ولا أعني بقولي هذا فقط أن كثيرًا من الناس لا يعرفون ماذا يريدون. . وإنما هم كذلك في الغالب ليست لديهم فكرة واضحة بما يحسون"، وهذا ما يفرز العادة الذميمة، فيصير الإنسان محكومًا بقانون الحياة من حوله، فيضيع في الزحام ويموت من قبل الممات، فلا يبقى له كيان يصارع من أجله. .!
ترى ما الدافع وراء اقتحام الشجاع ميادين القتال يبحث عن الموت في مظانه؟ لماذا كان الصحابة الكرام ومن بعدهم ممن سار على طريقتهم لا يهابون قوة الموت ولا تؤثر فيهم سطوته، يحرصون عليه كما يحرص الجبان على الحياة؟ لأنهم لم يستسلموا إلى الحياة ودعتها، ولم يعبأوا بالملذات ونعيمها، ولم ينساقوا وراء العادات وسلطانها، فخرجت حياتهم عن المألوف، وسمت إلى الأفق الأرحب تبحث عما لا تقدر عليه القيود الحيوانية، فملكوا الدنيا وهم أبعد الناس عن شهواتها ووارف ظلالها فلم تستطع الحياة أن تسمر أقدامهم في موضع الحبس الحقير، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر الأنصار { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه، فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية.
إن العادة هي سر عبودية الإنسان لنفسه وأهوائه وشهواته، والرجل الحر يأبى أن تمتلكه العادات. . ولذلك تجده في حالة مستمرة من العمل والتفكير والبحث عن الجديد وتطهير نفسه من شوائب الأفكار المتوارثة، والتي لا تقوم على دليل صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل إلا أن قائلها فلان أو علان، ولأجل أن يصبح الإنسان حرًا بعيدًا عن القيود الأرضية جاءت آيات الكتاب تحث على التفكر والاعتبار والنظر والسير في الأرض، وهذه حالة إن قام بها الإنسان لم يكن في حياته متسع لرتابة الحياة وبلادة الروتين وقهر العادة. . ولو تأملنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"، لعرفنا أن هذا الدين الحنيف عمل على تحديث النفس البشرية وترقيتها في مدارج الكمال؛ حتى لا تكون أسيرة تتخبط في ظلماتها. . .
إن هذا الحديث العظيم يعطينا فهما عميقـًا للنفس البشرية، ويقرب إلينا طرق مداواة أعتا مشاكلها، فالذين يعانون اليوم من عادات ذميمة تنتهب أعمارهم وتقضي على أوقاتهم وتفسد علاقاتهم يبحثون عن العلاج في كل مكان حتى إذا عادوا إلى بيوتهم عادوا بحمل قطار طويل الذيل من أدوية تخدر الجسد وتقم العقل وتتناول الداء من أطرافه دون أن تتعمق لتصل إلى الجذور. . .
هذا الحديث الكريم، يحدثنا عن قاعدة نفسية مهمة لمن يريد تغيير عاداته الذميمة، ألا وهي: كثرة التحدث عنها مع النفس، وتصور الحال بعد التطهر منها، حتى تكون صورة الخلاص متمثلة في النفس في حال يقظتها ومنامها، فإذا ما أقدمت على العادة تفعلها أصابها ما يصيب الإنسان يمسك سلكًا مكشوفًا يتفجر بتياره الكهربائي. . فلا يزال هذا حاله حتى يقلع عن عادته، وينقلب كارهًا لها ولمن يمارسها.
إن نخبة من المفكرين قد فهمت أن العادة ربما تكون خيرًا، فتسلس بها الحياة ويؤدي بها الإنسان أعماله في انسيابية ترفع كلفة التعب، وحتى عباداته تصبح أكثر طواعية معها! وهذا فهم غير دقيق؛ لأن الدين الإسلامي جاء بما يمنع اطراد العبادة لتتحول إلى عادة عن طريق استحضار النية عند البدء، وتلمح الأجر عند الفعل، مما يجعل الإنسان منتبهًا لما يأتيه من عبادة يرجو بها ثواب الله ويوم تنقلب العبادة إلى عادة تموت آثارها في القلوب، وتتلاشى قوتها في الأعمال، فيفقد المؤمن بريقه ويخبو سراجه ويتنصل من حقائقه ولذلك تجد أناسًا ظاهرهم الخير والصلاح فإذا فتشت في أعمالهم وجدت أعمال الشياطين: صفاقة في الوجه، وبذاءة في اللسان، ودجلاً في الأفعال، وفحشًا في السلوك. .!
لقد جاء الإسلام الكريم يفتح آفاق الحياة للمؤمنين، ويمنعهم من أن يكونوا أبناء اللحظة الراهنة مهما كانت هذه اللحظة، ويوجه أبصارهم وأنفسهم وعقولهم شطر المستقبل، فإذا أحبوا ذلك الواقع الذي يعيشونه دفع بهم إلى التفكر في مبداه ومنتهاه ولأي شيء خلق وكيف خلق؟ قال تعالى: { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ }، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار}.
وقال تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ* وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ* وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: إن عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ لقي خنزيرًا على الطريق فقال له: انفذ بسلام، فقيل له: أتقول هذا للخنزير؟ فقال عيسى: إني أكره أن أعود لساني النطق بالسوء.
لا مجال في الإسلام لما يقف حجر عثرة في طريق إعمار الأرض وبناء الحضارة، ولو كان شيئا تنزع إليه النفس وتخلد إلى سكينته الكاذبة، الإسلام دين فكرة وعقيدة وعمل وعبادة، يرفض القيود ويكسر الأغلال ويهشم العادات، وينصر الحرية ويؤيد الانطلاق ويعضد الفكر، ويسدد البناء:

الحُرّ من خرق العادات مُنْتَهِجاً
نهج الصواب ولو ضدّ الجماعات

ومن إذا خَذَل الناس الحقيقة عن
جهل أقام لها في الناس رايات

ولم يَخَف في أتّباع الحق لائمةً
و لو أتَته بحـدّ المَشرَفِيّات

وعامل الناس بالإنصاف مُدَّرعا
ثوب الأخوّة من نسج المساواة

أغبىَ البريّة أرفاهم لعادتـه
و أعقل الناس خرّاق لعـادات

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً