آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

المسيري السياسي.. مناضل للنهاية

المسيري السياسي.. مناضل للنهاية

الاربعاء 6 رجب 1429 الموافق 09 يوليو 2008
المسيري السياسي.. مناضل للنهاية

لم يشغل المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري نفسه كثيرا بالنظرة السائدة لدى المثقفين، أو حتى أشباههم، تجاه العمل السياسي، والتي تعتبر أن المثقف يجب أن يبقى في برجه العاجي بعيدا عن "العامة والجماهير"، وأنه إذا استهوته لعبة السياسة فمكانه في المقاعد الوثيرة داخل المكاتب المكيفة؛ كي ينظر، ويضع الخطط، ويصوغ القرارات، فالرجل لم يفْصِل يوما بين فكره وعمله، وعندما آمن بحاجة مصر الْمُلِحَّة إلى الإصلاح ومكافحة الفساد، نزل بنفسه إلى الشارع وسط البسطاء لينادي بما آمن به، وليدفع كذلك الضريبةَ الإجبارية للحرية.
وعلى العكس من معظم السياسيين، الذين يدفعهم الولع بالسياسة ودروبها الوعرة إلى النزول للشارع لكسب ثقة الجماهير وتأييدها، باعتبار ذلك المدخل الطبيعي للصعود والترقي في أية عملية ديمقراطية، فإنّ ولَعَ المسيري بالتواصل مع الجماهير، بخاصة الشباب، كان هو الدافع الرئيس وراء التحاقه بالحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، وصولا لقبوله تولي قيادة الحركة تحت ضغط من قادتها، الذين رأوا في المسيري، رجل الإجماع الوطني، وطوق نجاة لإنقاذ الحركة من التشرذم.

تحولات مثيرة

وقصة المسيري مع العمل السياسي تبدو عاكسةً لتحولاته الفكرية عبر مراحل عمره المختلفة، حيث اشترك وهو تلميذ صغير في المظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي في مسقط رأسه بمدينة دمنهور شمال القاهرة، ثم انضم لفترة قصيرة إلى حزب "مصر الفتاة" الذي كان يقوده أحمد حسين في أوائل الخمسينيات. ثم انتقل إلى جماعة الإخوان المسلمين لمدة عامين، ومنها انتقل إلى أقصى اليسار؛ حيث تبنى لفترة طويلة الفكر الماركسي، قبل أن يعود مرة أخرى إلى ظلال الفكر الإسلامي الوارفة، مازجًا ذلك بنزعة تحليلية عميقة.
ومن اللافت أن المسيري عندما قرّر النزول للمعترك السياسي، جاء ذلك عبر حركة "كفاية"، والتي يبدو من الوهلة الأولى أن شعاراتها الحادة القاطعة وخطابها العنيف، يتصادمان مع شخصية المسيري المنهجية الهادئة، إلا أنه –على ما يبدو- وجد في "كفاية" ما أفتقده في الأحزاب السياسية الحالية، وهو الشباب المتحمس للإصلاح والتغيير، حيث عوّل المسيري كثيرا على الشباب لتبني مشروع الإصلاح، وكان يردد دائما: "هؤلاء هم من سيحملون الشعلة، أما نحن فسنكون وقودها فقط أو رمادها".
كما أن الأطياف السياسية والفكرية المتعددة التي انضوت داخل "كفاية" جعلت المسيري يُرَاهِن على إمكانية تحولها إلى مظلةٍ وطنية تشمل كافة المطالبين بالإصلاح، واصفا إياها بأنها "حركةُ ضميرٍ وطني"، كما وضع نُصْبَ عينيه هدفًا محددًا، وهو "إحياء الروح الوطنية والعمل ضد كل ما يتم التخطيط له لتحويل مصر إلى عزبة".

مهمة إنقاذ

ومع أن نزول مفكر بوزن عبد الوهاب المسيري إلى الشارع السياسي، له سوابق داخل مصر وخارجها، إلا أن المسيري تميز عن كثيرين ممن فعلوا ذلك بأنه سخّر إمكانياته الفكرية والبحثية للارتقاء بأدوات العمل السياسي، محافظًا في الوقت ذاته على استقامته العلمية ونقاء إنتاجه الفكري من لغة السياسة وخطابها الزاعق، وهو ما فشل فيه الكثيرون ممن اختلط لديهم الفكر بالسياسة، فلا أفادوا السياسة بفكرهم، ولا حافظوا للفكر على موضوعيته.
وقد تعامل المسيري مع قيادته لـ "كفاية" بمنطق "مهمة الإنقاذ الوطني" التي لا يجب التخلي عنها، رغم وعكات المرض الشديدة وآلامه المبرحة، خاصةً أن الحركة كانت مهددةً بالتشرذم في ظل تفاقم الخلاف بين تياراتها الفكرية المختلفة، ولذا فإنه اشترط أن تكون رئاسته محددةً بمدة عام واحد فقط، يعقبها انتخابات لاختيار قيادة جديدة.
وخلال هذه المدة، التي سبقت كلمة القدر نهايتَها، سعى المسيري لإعادة هيكلة الحركة كي تصبح "مؤسسة ديمقراطية"، عن طريق تفعيل دور اللجنة التنسيقية؛ أعلى هيئة قيادية داخل "كفاية"، وزيادة عدد أعضائها، وضَمّ شباب الحركة لعضويتها، رافضًا أن تكتسب الحركة صفات النظم السلطوية التي يتركز فيها اتخاذ القرار في يد شخص واحد.

عطاء متكامل

ولم يكتفِ المسيري بالتنظير للحركة من منزله، أو عبر الاجتماعات الضيقة، لكنه نزل إلى الشارع ليشارك في التظاهرات والاعتصامات التي نظمتها "كفاية"، وتعرّض أكثر من مرة لتحرشات ومضايقات من جانب قوات الأمن، كما جرى اختطافه وزوجته قُبَيْل إحدى التظاهرات على يد قوات الأمن، التي ألقت بهم بعد ساعات في منطقة صحراوية معزولة، لمنعهم من المشاركة في هذه التظاهرة .
نضال المسيري لم يتوقف عند هذا العطاء الفكري والبدني، لكنه، وحسبما كشف الدكتور عبد الحليم قنديل القيادي البارز في الحركة، كان يتحمل الجزء الأكبر من تمويل أنشطة "كفاية"، رغم حاجته الشديدة لهذا المال للإنفاق على تكاليف علاجه الباهظة؛ ليجمع بذلك بين صدق الفكر، وصدق العمل، وصدق البذل.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً