آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)
حصاد الإبادة في سريبرينتسا 2008

حصاد الإبادة في سريبرينتسا 2008

الاثنين 18 رجب 1429 الموافق 21 يوليو 2008
حصاد الإبادة في سريبرينتسا 2008

تختلف جريمة الإبادة في سريبرينتسا التي ارتكبها همج القرن العشرين عن بقية جرائم الإبادة في التاريخ. فهي ليست ذكرى، كما هو الحال مع جرائم الإبادة الأخرى، وإنما واقع يعيشه الضحايا، الأحياء منهم و( الشهداء )، وأسر الشهداء المشتتة داخل البوسنة وخارجها بعد 13 سنة على المجزرة.
وفي هذه الذكرى التي توافق 11 يوليو من كل عام، تم إعادة دفن 308 ضحية من ضحايا سريبرينتسا، في مقبرة الشهداء ببلوتتشاري، بعد أداء صلاة الجنازة على الضحايا. وبذلك يبلغ عَدَدُ مَنْ أعيد دفنهم حتى الآن 3215 ضحية. وقد دعا أهالي البوسنة للضحايا بالرحمة والقبول عند وَضْعِ توابيتهم في شاحنات يوم 10 يوليو لإعادة دفنها في بلوتتشاري القريبة من سريبرينتسا؛ حيث مَرّ موكب التوابيت الذي انطلق من فيسوكو (30كيلومتر جنوب سراييفو) بعدة مدن وقرى من بينها سراييفو التي اصطف الكثير من المسلمين على حافتي الطريق، بينهم الرئيس حارث سيلاجيتش، لإلقاء نظرة على الموكب، والدعاء للضحايا، وتذكر ما جرى للمسلمين في تسعينيات الإبادة.
وكان المسلمون في البوسنة قد أحيوا يوم 31 مارس الماضي ذكرى مرور 5 سنوات على إعادة دفن أول ضحايا سريبرينتسا، والذين تجاوز عددهم 10 آلاف ضحية. وسيبلغ عدد من تمت إعادة دفنهم حتى 11 يوليو 2008 م 3215 ضحية؛ حيث يتم إعادة دفن مجموعات من الضحايا في ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرّض لها سكان سريبرينتسا المسلمون على مرأى ومسمع من الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي. وذلك بعد أن تم سحب أسلحة أهلها المتواضعة بذريعة إدخالها في المناطق التي أعلنتها الأمم المتحدة في ذلك الحين(آمنة)! مما عرّض الآلاف للقتل على أيدي القوات والمليشيات الصربية وهم عزل من السلاح.
وكان البوشناق المسلمون قد أعادوا في 31 مارس 2003 م دفن 600 ضحية من ضحايا الإبادة في سريبرينتسا في الفترة ما بين 11 و 19 يوليو 1995 م. وقد عثر عليهم داخل مقابر جماعية لا تزال تظهر تِبَاعًا.
وقالت إحدى أمهات الشهداء: "لا يزال طيف ابني يرافقني، ولا يزال القتلة ينكرون جريمتهم، ولا تزال سريبرينتسا ضمن اللعبة السياسية الدولية ".وقد خيمتْ أجواء الحزن على البوسنة في ذكرى أكبر مذبحة عرفتها أوربا بعد الحرب العالمية الثانية.

جديد الذكرى 13

بين عام وآخر يطرأ الجديد على قضية الإبادة التي تعرض لها المسلمون في سريبرينتسا؛ حيث لا تزال الحقائق تتكشف، والصراع مستمرًّا، فقد أعربت جمعية " أمهات سريبرينتسا " عن عدم رضاها على تولي "الشرطة الصربية "مهمة توفير الحماية لفعاليات إحياء الذكرى 13 " لان " الشرطة الصربية مشاركةً في جريمة الإبادة " وهو ما حدا بالجهات الرسمية لإدخال تعديلات على الإجرءات الأمنية، وهي توفير قوة أمنية تمثل الجهات الثلاث البوسنية والصربية والدولية، بحكم أن سريبرينتسا تقع في مناطق الحكم الذاتي التي يهيمن عليها صرب البوسنة. وكانت جمعية أمهات سريبرينتسا قد أعربت عن استغرابها لـ(منطق) تولي "القتلة حماية ضحاياهم ". ومن التقاليد التي دأب عليها المسلمون تنظيم "مسيرة الموت "التي انطلقت في موعدها يوم 8 يوليو، وهي تحاكي تلك المسيرة التي قطعها رجال وشباب سريبرينتسا عبر الغابات والأحراش في يوليو 1995 م وهم عزل، في محاولةٍ للنجاة من المجزرة التي تمت تحت أعين الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي!
وقد كُتِبَتِ النجاة لأكثر من 2500 شخص تمكنوا من عبور غيابات الموت إلى الحياة، بعد وصولهم إلى الأراضي المحررة آنذاك. وكان ذلك بمثابة حياة جديدة كُتِبَتْ لهم، بينما قضى الآلاف نَحْبَهُمْ رَمْيًا بالرصاص أو الذبح على يد الهمج الصرب.
كما تم تنظيم ماراثون درجات هوائية لمسافة 203 كيلومتر يوم 9 يوليو، وظل المشاركون في الماراثون ثلاثة أيام في سريبرينتسا. وتولت "مؤسسة المرحمة" الخيرية في سراييفو، وتوزلا، تكاليف الماراثون والمسيرة.
لقد تزايد تأثير "جمعية أمهات سريبرينتسا "وغيرها من المؤسسات والشخصيات السريبرينتسية، نذكر على سبيل المثال تلك الرسالة التي بعثت بها الجمعية إلى نائب المبعوث الدولي، رافي غاريغوريان، بعد لَمْزِهِ المجاهدين وتوجيه اتهامات لهم، مذكرةً إياه بما اقترفته الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والدول الغربية من جرائم في البوسنة، ولاسيما في سريبرينتسا، وسكوته عن المرتزقة الروس واليونانيين والرومانيين الذين شاركوا الصرب في جريمة الإبادة في سريبرينتسا!

أكثر من سريبرينتسا

يحاول البعض، وكذلك جهات دولية معروفة، أن تختزل حرب الإبادة التي استهدفت المسلمين البوسنويين، في مجزرة سريبرينتسا، بينما الإبادة شملت مناطق كثيرة في البلاد، ولا سيما شرق البوسنة:
-زفورنيك، ويقدر عديد الضحايا بـ 20 ألف ضحية.
-فيشي غراد، ويبلغ عديد الضحايا 3 آلاف ضحية.
وهو نفس الرقم في جوراجدة، وبريتشكو شمالا، ويزيد عن ذلك في بيهاتش، بالشمال الغربي، وما يزيد عن 12 ألف ضحية في سراييفو، منهم 4 آلاف طفل.
وهكذا تنبع من شقوق كل إقليم هناك إبادة حقيقية، تتحدث عنها الأرقام والسجلات.
وسر الاهتمام بسريبرينتسا يتمثل في الوقت القياسي الذي قُتِلَ فيه أكثر من 10 آلاف ضحية خلال 3 أيام!
ولا تزال المقابر الجماعية في جميع مناطق البوسنة، ورفات وعظام الضحايا المستخرجة من المقابر الجماعية تروي فظائع تلك الإبادة التي لم تكن في سريبرينتسا لوحدها. فقبل أسابيع قليلة من الذكرى 13 لمجزرة سريبرينتسا، وتحديدًا في 1 يونيو الماضي، أدى مفتي توزلا الشيخ حسين كفازوفيتش صلاة الجنازة على 28 ضحية عُثِرَ عليهم في مقبرةٍ جماعيةٍ بزفورنيك، وكان أصغر الضحايا- ويُدْعَى أمير سليموفيتش- يبلغ من العمر 18 سنة، بينما كان أكبر الضحايا- وهو رامو توسكوفيتش- قد ناهز 86 سنة من عمره عندما قتل، لا لشيء سوى أنه مسلم!
وفي 20 يونيو تم معرفة هوية 55 ضحية عُثِرَ عليهم في مقبرة جماعية، بينهم 10 أطفال، وجميعهم من ضحايا سريبرينتسا.وقد تزامن ذلك مع محاكمة مسئولين في الجبل الأسود قاموا بتسليم 16 مسلمًا إلى الصرب في البوسنة لقتلهم. وفي 5 يوليو تم إعادة دفن 47 ضحية من ضحايا الإبادة في بريتشكو. وقد أَمّ رئيس العلماء في البوسنة الدكتور مصطفى تسيريتش المصلين على الضحايا.

الأمم المتحدة وهولندا في قفص الاتهام

لم يكتفِ المسلمون في البوسنة بإدانة الدور المشبوه لكلٍّ من الأمم المتحدة والقوات الهولندية التي كانت تابعة لها في سريبرينتسا فحسب، بل تقدموا بشكوى ضدهما أمام محكمة لاهاي، وذلك لأول مرة، وبعد 13 سنة على جريمة الإبادة. فقد استمعت محكمة لاهاي إلى عددٍ من ضحايا سريبرينتسا الذين يُحمّلون القوات الهولندية التي كانت تعمل تحت راية الأمم المتحدة، مسئولية الإخلال بواجب حماية المدنيين الذين كانوا في عهدتها.
وقال أحد مقدمي الدعوى في هذه القضية المرفوعة ضد الدولة الهولندية، ويُدْعَى حسن نوهانوفيتش: إن أمه ووالده وشقيقه وأفرادًا من عائلته طُرِدوا من القاعدة الهولندية، وسُلِّمُوا إلى الصرب من قِبَلِ جنود هولنديين؛ حيث تم قتلهم. حسن الذي كان حينها في السابعة والعشرين من العمر، وكان يعمل مترجمًا للكتيبة الهولندية المكلفة من قِبَل الأمم المتحدة بحماية سربرنيتشا عندما سقطت بيد الصرب.
ويؤكد حسن على أن القوات الهولندية طلبت منه أن يخبر الضحايا المسلمين بضرورة مغادرة الجيب الذي لجئوا إليه أملًا بالحصول على حماية من جنود الأمم المتحدة الهولنديين.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت سريبرينتسا منطقة آمنة، وفي ظل تلك الوضعية استولى عليها الصرب. وأكد نوهانوفيتش بأن القوات الهولندية كانت تُدْرِك أن الأشخاص الذين تم طردهم سيتعرضون لخطر الموت، "لكنهم لم يأبهوا لذلك "، وتابع: " الهولنديون أنفسهم كانوا يريدون الرحيل بأسرع وقت ممكن ".
وفي الفترة من بين 11 و19 يوليو تم قتل ما يزيد عن 10 آلاف مسلم في سريبرينتسا من قِبَلِ الصرب دون أن يَرِفَّ للغرب جفن. وفي تلك الفترة فُصِلَ الرجال- بما فيهم الأطفال- ( عكس ما رَوَّجَتْهُ بعض وسائل الاعلام الغربية) في منطقة بلوتتشاري أمام أعين الجنود الدوليين الهولنديين الذين لم يحركوا ساكنا. وفي 2002 م استقالت الحكومة الهولندية بعد تحقيقٍ أظهر أنها أرسلت جنودًا في إطار مهمة "مستحيلة" إلى سربرنيتشا. لكن الحكومة الهولندية رفضت تقديم اعتذاراتٍ، مؤكدةً أن قواتها كانت تحت قيادة الأمم المتحدة، وأن صرب البوسنة مسئولون عن المجزرة.. وبِدَوْرِها أقرّت الأمم المتحدة عام 1999 بأنها لم تنفذ مهمتها بحماية المدنيين، لكنها رفضت تحمل المسئولية.
وقد اعتبرت محكمة جرائم الحرب في لاهاي ما حصل في سريبرينتسا بأنه مجازر إبادة.وقال سمير غوزين -وهو واحد من نحو 6000 آلاف شخص تقدموا بشكاوى-: " إذا لم تُصدر المحكمة حكمًا لصالحنا فسوف نستأنف الحكم، وإذا رفضت الشكوى ضد الأمم المتحدة فسنقتصر على هولندا ".

انتصار معنوي

وفي الذكرى 13 للمجزرة تحقق نصرٌ تاريخي ومعنوي للضحايا؛ حيث برّأت محكمة جرائم الحرب في لاهاي يوم 7 يوليو القائد السابق للجيش البوسني في سريبرينتسا، ناصر أوريتش، من جميع التهم المتعلقة بارتكاب جرائم حرب ضد الصرب سنتي 1992 و 1993 م.
وقال القاضي فولفغانغ تشومبورغ أنه " حصلت هناك اعتداءت، بيد أنه لا توجد أدلة على أن ناصر أوروتش كان مُتَوَرِّطًا في تلك الاعتداءت، أو كان قادرًا على منعها أومحاكمة مقترفيها ". وتابع: " الاعتداءات تتعلق بأسرى كانوا في سجنين في الفترة ما بين سبتمبر 1992 ومارس 1993 " وخلص القاضي إلى أن " ناصر أوروتش برئ من جميع التهم المنسوبة إليه وبإمكانه العودة إلى حياته الطبيعية " قال ناصر أورتشيفيتش بعد خروجه من المحكمة ( السجن ) أنه سعيد باطلاق سراحه، وبتأكيد المحكمة على أن " المسلمين في سريبرينتسا لم يرتكبوا أي جرائم حرب ". وأضاف: "كنت واثقا من براءتي، حتى بعد الحكم عليّ سنة 2006 بالسجن لمدة سنتين، وهذا ما دفعني إلى الاستئناف لتحقيق هذه النتيجة السعيدة التي توقعتها" .
وحول الذكرى 13 لمذبحة سريبنتسا قال أوروتش: " التوقيت مُهِمٌّ جِدًّا "، وقد حضر أوريتش، كما وعد، الذكرى في سريبرينتس، " للتأكيد بأننا كنا الضحايا وليس الجناة، وأنه لا يمكن المساواة بين الطَّرَفَيْنِ ".
وعن إدانة المسئولين الصرب لإطلاق سراحه قال: " عليهم أن يخجلوا من أنفسهم، ويتذكروا مجازر سريبرينتسا، فأيديهم ملوثة بالدماء، ولا يمكنهم رميي بالحجارة "!
وبإطلاق سراح أورتشيفيتش يُسْدَلُ الستار على أكثر القضايا المثيرة للجدل في أروقة القضاء، وصفحات الجرائد، والمجالس الخاصة والعامة في يوغسلافيا السابقة؛ لأن المتهم هو قائد الضحايا في سريبرينتسا، وليس الجنرال راتكو ملاديتش، المسئول الأول عن تلك الفظائع، والذي لا يزال طليقا!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً