آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)
أفريقيا واختبار الولاء الصيني

أفريقيا واختبار الولاء الصيني

الثلاثاء 19 رجب 1429 الموافق 22 يوليو 2008
أفريقيا واختبار الولاء الصيني

شهدت الأيام القليلة الماضية امتحانًا حقيقيًّا للصين وولائها للقارة الأفريقية، حيث اختبرت إرادتها في الدفاع عن مصالحها في أفريقيا وأصدقائها من دول القارة الأفريقية، في حالتي السودان وزمبابوي.
وأفريقيا اختارت عن وعي حضاري، التعاون مع الصين في كل المجالات، المدنية منها والعسكرية، بدلاً عن الغرب، حليفها التاريخي في نسخته الأمريكية هذه المرة. وتتأسس رؤية أفريقيا للصين على قناعتين، الأولى: أن الصين ليس لها دوافع استعمارية ثقافية-عسكرية في أفريقيا، والقناعة الثانية: أن الصين رغم تقدمها الاقتصادي والعسكري لا تزال تصنف ضمن دول العالم الثالث، مما يشعر الدول الأفريقية بأنها تتعامل مع دولة نديدة، وقدوة في النهوض.
في حالة زمبابوي، لم تترك القوى الغربية للصين فرصة لممارسة دبلماسيتها المعتادة، وهي البحث عن حلول وسطى تجنبها استخدام حق النقض "الفيتو" للدفاع عن رؤيتها في القضايا الدولية أمام الرؤية الغربية - الأمريكية في أفريقيا.
وتعود مشكلة زمبابوي مع الغرب لجذور قديمة، ترجع للفترة الاستعمارية، حيث تمكنت روديسيا الجنوبية من نيل استقلالها في 1965م ونيل عضوية الأمم المتحدة باسم زيمبابوي، إلا أن البيض الذي بقوا في البلاد ظلوا مسيطرين على الثروة فيها، حيث يملكون أكثر من 80% من أراضي الدولة، وثرواتها، وظل موجابي حليفًا للغرب طوال سنوات حكمه.
وما إن اتخذ موجابي قرارًا بانتزاع الأراضي من البيض وإعادة توزيعها على الشعب، حتى انقلب عليه الغرب، وأصبح صورة نمطية للدكتاتور المستبد المنتهك لحقوق الإنسان في الإعلام الغربي، وتولى الغرب دعم المعارضة الزمبابوية من أجل إسقاط موجابي انتخابيًّا، وهو ما تنبه له الأخير، حيث بنى دعايته الانتخابية على شعار سياسي مفاده "أن المعارضة تريد تسليم البلاد إلى البيض". وقال موجابي لحشد من أنصاره: "إن المحاربين القدامى -جيل المؤسسيين- في بلاده والذين خاضوا حرب التحرير، لن يسمحوا للمعارضة بالسيطرة على البلاد، حتى لو حملوا السلاح مرة أخرى .. إننا استرجعنا بلادنا من البيض عبر الكفاح، ولا نريد تسليمها لهم عبر صندوق الاقتراع".
لم تترك الصين الرئيس الزمبابوي وحزبه أمام العاصفة الغربية، التي بدأت بصورة سافرة في يوليو2005، حيث قدمت بريطانيا -بدعم من الولايات المتحدة وسبعة بلدان أخرى- إيجازًا لمجلس الأمن الدولي حول عمليات هدم الأحياء الفقيرة التي قامت بها زمبابوي، وذلك في محاولة منها لتنظيم مناقشات رسمية للموضوع في الجمعية العامة، وربما للخروج بقرار يشتمل على فرض عقوبات ضد زمبابوي من قبل مجلس الأمن. وفي تلك الأثناء، قام روبرت موجابي، بزيارة إلى بكين؛ من أجل الحصول على مساعدات مالية لاقتصاده المتداعي. وبسبب دعم بكين القوي لموجابي، واعتراضها على أي إجراء يتخذه مجلس الأمن حول هذه المسألة، لم تتمكن الأمم المتحدة من التوصل إلى إجماع لإجراء مزيد من النقاشات الرسمية حول هذا الأمر.
وأخيرًا في يوليو 2008 م، استخدمت الصين الفيتو، وأحبطت مشروع قرار تقدمت به الولايات المتحدة، يدعو لفرض عقوبات على المسؤولين عن الأزمة السياسية في زيمبابوي، التي نجمت عن الانتخابات الرئاسية هناك، مما جعل السفير زلماي خليل زاد، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، يصرح بأن "الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل عميقة؛ فقد منعت روسيا والصين مجلس الأمن من تبني قرار قوي يدين ويفرض عقوبات على النظام العنيف لروبرت موجابي. لقد وقفت الصين وروسيا إلى جانب موجابي ضد شعب زيمبابوي".
أما السودان، بوابة الصين لأفريقيا، فقد لمس مناصرة دائمة من الصين في كل المحافل الدولية، عقب نشوب أزمة دارفور 2003م، وقد أصدر مجلس الأمن الدولي في سبتمبر 2004 القرار رقم 1564 الذي أدان الحكومة السودانية، ولكنه لم يتمكن من فرض عقوبات نفطية؛ حيث امتنعت الصين عن التصويت على ذلك القرار، بل وهددت باستخدام حق النقض (الفيتو) إذا اشتمل القرار على فرض العقوبات.
ويتهم بعض المحللين السياسيين الغربيين الصين بتزويد السودان بأسلحة متقدمة وطائرات مقاتلة متطورة، كان لها أبلغ الأثر في الحد من تداعيات التمرد المسلح في إقليم دارفور..
وبعد إدراج اسم الرئيس البشير في قائمة المطلوبين للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الاتهام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، حذر ممثل الصين لدى الأمم المتحدة، يوم الجمعة 11 يوليو2008م، من إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهمة ارتكاب جرائم بحق الإنسانية، معتبرًا أن هذا الإجراء "قد يعرض للخطر" عملية السلام الهشة أصلاً في دارفور.
ودعت الصين المجتمع الدولي إلى البحث عن حلول سياسية سلمية للأزمة في السودان، بدلاً عن أسلوب الملاحقات التي قد تهدد العملية الإنسانية والسياسية في الإقليم.
ومن الواضح أن الصين قد نجحت نسبيًّا في امتحان الولاء للأقطار الأفريقية الصديقة، بفضل العلاقات الاقتصادية المتبادلة، فأفريقيا هي التي تمد المصنع الصيني العملاق بالطاقة، وهي التي تفتح أسواقها لإنتاجه. وتشير التقديرات إلى أن 25 في المائة من واردات الصين الإجمالية من النفط تأتي حاليًا من أفريقيا، مما حدا بالصين إلى أن تضع في أعلى سلم أولوياتها الاحتفاظ بعلاقات قوية مع موردي الطاقة الأفريقيين. فبكين هي التي تمنح قروض تنموية بلا فوائد ربوية، وتنفذ مشاريع تنموية كمنح للدول الأفريقية، وهي علاقة تستحق المساندة السياسية. ورغم أن للصين تبادلاً تجاريًّا كبيرًا مع الولايات المتحدة يفوق ما بينها وأفريقيا، إلا أن الصين تنظر لأفريقيا على أنها قارة المستقبل، وبوابته كذلك، فالاقتصاد الصيني يتجه نحو تجاوز اقتصاد الولايات المتحدة في عام 2035، ثم يواصل النمو ليضاعف حجمه بحلول سنة 2050، وفقًا لدراسة للعالم الاقتصادي المعروف "ألبرت كيديل".
وهذا الاقتصاد الناهض يعطي صاحبه وضعية سياسية أفضل في الوضع الدولي لا تقدر بمال، مما يضطر أمريكا وصناع القرار فيها "إلى مراعاة الحكمة لدى التفكير في خياراتهم الممكنة".

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً