آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التفجيرات = تأملات

الاحد 17 ربيع الأول 1424 الموافق 18 مايو 2003
التفجيرات  =  تأملات
إذا كان أي إنسان سعودي، بل عربي ومسلم، بل وأي ممتلك للإنسانية يجد في نفسه استبشاع واستنكار ومقت حوادث التفجير الآثمة؛ جراء ما أنتجته من قتل وتدمير وترويع وتكدير للأمن في هذا المجتمع المسلم ، ويسمع ويقرأ للعقلاء من علماء ومسؤولين ومفكرين، وغيرهم من فئات الناس ما يجد أن لا مزيد عليه من قبله في الإدانة والرفض والاستهجان، فإن من الحري بنا أن نتجاوز إلى تأمل ورصد ما ينفعنا ومجتمعنا مستقبلاً من متواردات أجواء هذه التفجيرات وانعكاساتها .
في هذا الإطار أقف مع بعض النقاط، التي أرى أهميتها في هذا الشأن :
1-(القتل) و (تدمير الممتلكات) و (الترويع) نتائج فاحشة ومؤلمة للتفجير، وإدانته بسببها مبررة شرعاً وواقعاً، لكن هناك نتيجة أخرى مثل تلك النتائج، أو أوخم، وهي هز استقرار الوطن والإساءة لسمعته، وإرباك أدائه لرسالته، مما ينعكس على مسيرته النهضوية في البناء الداخلي والموقع الخارجي، إن لمثل هذه الأحداث التي تبدو محدودة الأثر زماناً ومكاناً عواقب وخيمة إذ لم يق الله المسلمين شرها ، ولم يعوا هم خطرها؛ فيستعظموه، ويتجاوزوا به مجتمعهم وأمتهم، فلقد قامت حروب طاحنة بسبب اغتيال أو تفجير ، وسقطت إمبراطوريات بمثل ذلك، وعلى هذا فلا بد من الوعي الحضاري بهذا القضية أولاً، ثم التعامل معها في حدود خطرها .

2-في إدانة التفجير هناك استناد – مجمع عليه – على الدين ، خاصة من المواطنين السعوديين أيا كانت ثقافتهم ومستواهم الفكري ،وهذا منطق طبيعي أن يستعين الإنسان عند احتدام الخطر بأمضى أسلحته للمواجهة، وهو بالنسبة للسعودي -الذي بنى حياته اعتقاداً وفكراً بناء دينيا- الإسلام ، وسيظل الدين ملاذه عند الأزمات، وستظل حقائق الإسلام نوره الذي يستبين به طريقه في مدلهمات الفتن ، وسيبقى الشرع ولاء وانتماء ومنطلقاً صبغته التي يتعامل الآخرون بها معه، لكني أشير إلى مسألتين :-
الأولى : ينبغي على كثير من الناس أن يرتقوا بثقافتهم الشرعية وخاصة نصوص القرآن الكريم والسنة المشرفة من حيث سلامة نطقها، ومن حيث تناسب الآية أو الحديث مع القضية المستشهد بها عليها ، إتقاء للوقوع في تحميل الشرع ما لا يحمل من جهة ، ولأن الخطأ والنقص هنا يرتد ما يهدف إليه المستشهد ، فهو يهدف من استشهاده بالنص الشرعي إلى تأصيل وجهته وتأكيدها ، فإذا وقع في الخطأ كانت النتيجة أن يشك المتلقون منه في صدق ما يريد بسبب سوء تعامله مع النص .
المسألة الثانية : إن الاستناد في الموقف من الحدث على البعد الإنساني- سواء في جانب القيم الفطرية مثل: احترام الإنسان المسالم، وعدم غدر الآمن، ونحوها، أو الجانب الاجتماعي المتمثل في الحفاظ على المصالح من خلال النظام الاجتماعي العادل - لا ينافي الإسلام؛ بل هو من الإسلام، ما دام في إطار قيمه السامية، ومن ثم فلا نحصر أنفسنا بالأحكام الشرعية المباشرة في تحريم القتل أو التدمير مما جاءت به الشريعة ، فذلك البعد الإنساني قرآني من جهة ، وإنساني يشاركنا فيه أغلب البشرية من جهة أخرى .

3-في التعامل مع الحدث وخاصة من الزاوية الشرعية؛ يُلاحظ التركيز على الأحكام النظرية المطلقة إدانته للجريمة ، وتحريماً للأفعال الآثمة ، وربما إشارة لمخاطرها على دين المسلم وحياته ، وهذا جانب مطلوب بلا ريب وهو منطلق التعامل مع الحدث بتحجيم وضعه الشرعي، لكن ذلك لا يكفي ، ولا يحقق أثره العملي على المدى البعيد .
والمطلوب هو تنزيل الأحكام الشرعية – وهي أحكام متعلقة بأحداث واقعية- في مسالك عملية تأخذ بالناس مستقبلاً في الخط المعاكس لهذا المسار الآثم المحذَّر منه . وهذا يقضي برسم مسالك تربوية للناشئة تصون أفكارهم من تقبل اللوثات غير السوية التي تسللت إليهم عبر نوافذ عديدة ، كما يقضي بوضع إطارات حركية للطاقات الشبابية المتلهفة لنصر دينها وعز أمتها؛ لتفريغ هذه الطاقات فيها وهي تشعر أنها تخدم إسلامها وتسهم في نهوض أمتها فلا تجد فراغاً يملؤوه الآخرون أو تملؤه الوساوس المنحرفة ، ولا تشعر أن الطرق مسدودة أمامها، وأن مجالات العطاء والبذل والتضحية موصدة في وجوهها وحدها أمام الجهود المتكاثرة التي يبذلها الآخرون: من كفار ينصرون أديانهم، ويشيعون عولمتهم، ومن منافقين يحاربون الإسلام ، ويخدمون أعداء أمتهم بتخذيلها، ومناوأة دعاة دينها.
ومن المسالك المطلوبة لرشد مستقبلي في حركة الشباب المتدين بالذات معالجة منهج (فقه الدين) على مختلف المستويات الفكرية لدى هؤلاء الشباب :
قد يبدو هذا غريباً في ظل ثقافة شرعية (فقهية) متعالية في مجتمعنا، من خلال المؤسسات العلمية ودروس المساجد ، وأشرطة المتون والدروس، ولكن الحقيقة أن الاجتهاد لدى عامة هذه الشرائح ضامر وهزيل، مما يجعله لا يغني صاحبه أمام مستجدات الأحداث بتلوناتها المختلفة عن الصور المحدودة التي استظهرها في دروسه ، وأوضح دليل على ذلك أن أغلب هذه الشرائح وبالذات الموسومة منها بطلب العلم الشرعي لا تستطيع امتلاك رؤية واضحة للمستجد من خلال رصيدها العلمي الشرعي ، ولا بد لها من التعويل على غيرها، مما يجعلها عند اختلاف المعوَّل عليهم مبلبلة مضطربة كالعامة سواء بسواء . حينما خرج بيان بعض المثقفين السعوديين رداً على بيان بعض المثقفين الأمريكان ، واعترض عليه آخرون واصمين إياه بالكفر أو ما يقارب الكفر ولاءً للأعداء وخروجاً على الشريعة، وقعت الشريحة التي نتحدث عنها في بلبلة ، لا تدري أين الحق ؟ ! طلاب لدروس علمية وماجستير ودكتوراه في الشريعة يتساءلون: أين الصحيح من الموقفين؟
وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة لهؤلاء فما بالك بمن دونهم علما وفقها شرعياً !
ألا تجعل هذه الحالة تلك الفئة من الشباب المتدين المتشبث بشيء من الثقافة الشرعية مجالاً خصباً لاستزراع الضلال باسم الحق ولاقتناص الغرة تحت شعارات الغيرة على الدين ، ولتزييف الهدى ، وطمس الثقافة الشرعية السوية التي لا تتحقق مآرب أهل الغي تحت أضوائها .
إننا بحاجة للارتقاء بمنهجية الفقه في الدين ، بحيث تكون سواء وسطاً بين التعقيد الذي يعمي العقل عن أن يفكروا ويجتهد ، ويبين التسيب الذي يدفع السذج والجهلة لصبحوا مفتين وقضاة في دين الله بدون علم ولا فقه سليم .
وتحولات العصر الراهن بسرعتها وتعقيدها ، مستجداته ذات الأبعاد الكبيرة – التي لم تعد جزئيات فردية خاصة – وظواهره التي تركن إلى خلفيات فلسفية وتستتبع آثاراً بعيدة المدى ، وتشابك الهموم والمصالح فيه بين المسلمين وغيرهم من الأمم يجعل قضية هذا الفقه قضية وجود للأمة- ولمجتمعنا السعودي بالذات- أو لا وجود!.
وهل أضيف جديداً إذا قلت: إن جوانب الخلل التي وقع أو يمكن أن يقع فيها المجتمع مما له بعد ديني – وأي جانب من حياتنا ليس له بعد ديني؟! – يرجع في كله أو في جزئه المهم إلى النقص في (الفقه في الدين ) .
لست هنا في مقام الإشارة لأسس هذا الفقه المطلوب، وتكييف امتلاكه ومن ثم توظيفه ، لكنها مجرد مرافعة مقتضبة في ضرورته لأمتنا و مجتمعنا وبنيتنا العلمية الشرعية .

4-حينما تعلن بعض الفضائيات (ثلاثة – أو خمسة أو أكثر أو أقل – من علماء المملكة يؤيدون التفجير، أو يتعاطفون مع المنفذين ) كيف يعرف المواطن السعودي، فضلاً عن من هو خارج المملكة مستوى علم هؤلاء الموصوفين بأنهم علماء – أو حتى دعاة – ، وكيف يقيم موقعهم في سلَّم العلم الشرعي؟
سيعرف تلقائياً أنهم ليسوا من هيئة كبار العلماء؛ لأنها مؤسسة رسمية، وأنهم ليسوا من ذوي المسؤوليات الحكومية – إدارية أو دعوية – ، لكن هل هؤلاء فقط هم العلماء والدعاة في المجتمع السعودي؟ كلا ؛ هناك الكثير من العلماء والدعاة خارج الإطار الرسمي ، من الذين لهم جهودهم الجليلة داخل وخارج المملكة ، حيث يتمثل جانب من الدعوة بما تتضمنه من علم شرعي غير منطوية في الإطار الرسمي ، وهي الساحة التي ينتمي إليها ، أو يُنسب إليها الشاذون عن سمتها الشرعي من قبل بعض وسائل الإعلام ؛ وهنا المشكلة .
إن المجتمع السعودي بإسلاميته الصريحة في نظامه الأساسي، وتطبيقه الشريعة، وتبنيه الدعوة إلى الإسلام؛ يختلف عن مجتمعات المسلمين الأخرى التي تبنت دولُها العلمانيةَ المحاربةَ للإسلام، أو على الأقل الزاعمة حيادها تجاهه، مما اضطرت إلى أن تقام بإزائها – أقصد الدول – دعوات إسلامية تهدف إلى بناء العلم الشرعي، وإصلاح حياة الناس، وتدعو لتطبيق الشريعة على مستوى الدولة .
أنا أعرف أن الدعوة والدولة لدينا في المملكة ليست مضاهية لها في المجتمعات الأخرى، لا منطلقات، ولا علاقات؛ لكني أرى ضرورة أن يكون هناك تداخل أكثر تفهما واستيعاباً بين الدولة والدعوة ، لا باندارج رجالها في مؤسسات رسمية، فهذا أمر شكلي لا قيمة له – بذاته – فالعلم والدعوة فوق مستوى وظيفة موظف، ولكن من خلال أمرين :-
أولهما :بتماذج الدعوة خارج وداخل الإطار الحكومي ، وبالاعتبار المتبادل علمياً وليس شخصياً بين العلماء داخل المؤسسة الرسمية وخارجها، من خلال تفهم متبادل ووضع مساحة مشتركة للاجتهاد يقبل فيها الاجتهاد من كل طرف، وإن لم يوافَق على نتيجة اجتهاده .

وثانيهما : بالتواضع المتبادل من قبل الدعوة من جهة والدولة بصفتها مؤسسة سياسية من جهة ثانية؛ ليتفهم كل طرف طبيعة الآخر ، الدعوة طبيعتها الارتقاء نحو الأفضل دائماً، من خلال نموذج الكمال الذي رسمته نصوص الإسلام في القرآن والسنة ، والدولة التي يحكمها واقع اجتماعي وثقافي وحضاري له ثقله الداخلي وضغوطه الخارجية التي تجعل إمكانياتها العملية الإنجازية لا تتواكب مع الانطلاق الدعوي بتحرره النظري، ولكن بتدرج بطيء يتناسب مع موقعها ، بين الموقعين يستطيع كل طرف أن يتفهم الآخر ويقدر صدقه ويكتسب منه ما يجعلهما يتلقيان في مسيرة واحدة، وإن كان لكل حمله الذي هيأه الله له .
هذا اللقاء بين الدعوة والدولة ، بين أهل العلم في مختلف المواقع ، لا شك أنه سيكشف للناس زيف انتحال العلم والدعوة من قبل من سيبقون خارج هذه الدائرة المتناغمة بشذوذهم الذي يدفعهم عنها ، ويجعلهم لا أعداء للدولة ولا مخالفين للفتوى الرسمية فقط؛ وإنما شاذون عن مسيرة الدعوة والعلم الشرعي، ومن ثم المجتمع كله ؛ هنا يكون الاحتراق التام لهذا الشذوذ .
هذه ثمرة واحدة ، ولا ريب أن للتركيز على هذا التناغم بين الدعوة والدولة - والذي يتمثل الآن في صور عملية من قبل بعض العلماء والدعاة والمسؤولين- ينبغي تركيزه أكثر وتجاوزه القضايا الفردية إلى تناغم شامل متأصل في بنية الدولة والدعوة – أقول لا ريب أن له ثماراً إيجابية أخرى يحتاجها مجتمعنا السعودي في راهنه، وفي علاقاته
مع العالم الإسلامي شعوباً وعلماء ودعاة، وفي تكييف أداء رسالته الإسلامية في الخارج في ضوء المتغيِّرات، وفي عملية الإصلاح الداخلي التي تحتاج إلى جهود الجميع لتحقيقها، ولوقاية المجتمع من نواحيها السلبية .

5- مثل هذه الأزمات تكشف الناس على حقائقهم، وبالذات المثقفين عبر كتاباتهم .
لقد تجلَّت حكمة كثير من العقلاء -من مختلف التيارات الفكرية- في تلمُّس الأسباب وراء هذه الأحداث، ورسم الحلول المنطقية؛ لتفادي هذه الورطات الكارثية .
ولكن آخرين -ربما لعلل نفسية، أو حتى لإبراز الذات- اعتبروا هذه الكارثة فرصة لإبراز مكنوناتهم ، انتقاماً من الدعاة إلى الله، وحرباً على العلم الشرعي، وتشهيراً بشعائر الإسلام، ورفضاً لأحكامه الشرعية التي جاء بها قرآنه وسنة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-.
إن أكثر هؤلاء يتسترون في هذا الرفض للإسلام بالاعتراض على فتاوى أئمة العلم، كابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ونحوهما من السابقين الذين لا تمثل فتاواهم تطبيقاً للشريعة على ما نعيشه من أحداث جارية الآن، فهم لم يحضروها، ولكنها تمثل بيان أحكام الكتاب والسنة، أما أن يوظِّف بعض الشاذين فكرياً فتاواهم؛ لتحقيق أهداف منحرفة، فإن الخلل لا يرتدّ إلى تلك الفتاوى، فترفض وتدان ويدان أصحابها، فهذا وارد حتى على أحكام الشريعة في نصوصها :
وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزَّل
فهل نرفض شريعة الله تبعاً لرفض هذا الخبط ؟!.
أليست النتيجة المنطقية هي أن الرفض أساساً للشريعة، لكن عبر التواءات يتخفّى بها؛حتى لا ينكشف فحشه، فتحترق أوراق صاحبه .
لا أشير لهذا المسألة بهدف نصح هؤلاء، وإنما لتؤخذ القضية بجد من حيث آثارها العملية على الأمة.
إن التطرف الإلحادي والعلماني المناوئ للإسلام، والاستهتار بالقيم الشرعية عبر وسائل الإعلام، وإدراج شعائر الإسلام المعظَّمة (الجهاد – الدعوة – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... الخ ) من ضمن المحقرات التي تُزدرى ويُستعدى عليها، وإن كل هذه الصور المتطرفة مولِّدات منتجة لتطرف مقابل، يبدأ بمواقف صحيحة مشتركة بين الناس، وهي رفض التطرف العلماني -حماية للإسلام أن يُهدم- ثم تتطور هذه المواقف بحكم رد الفعل إلى غلو وتطرف فكري وعملي مسيء للإسلام، مدمِّر للمجتمع .

6-مجتمعنا يعتبر جديداً في التعامل مع الجريمة في صورتها المنظمة (الإرهابية) ،ووسائلنا الإعلامية والأمنية أيضاً لم تأخذ تدريبها الكافي في نقل الحدث لخارج دائرته، للمجتمع وللعالم .
وإن من أهم ما ينبغي توقِّيه أن يشعر الناس (المواطنون) بغموض أو تناقض أو نقص مقصود، مما يجعل للإشاعات أو التفسيرات المغرضة سبيلاً لتحتل عقول الناس؛ نتيجة عقدة ذلك الغموض أو التناقض، وينبغي أن يتوقّى رجل الأمن -والإعلامي القريب من الحدث- القفز على الغوامض، بجوازم قد توحي بأهداف غير منطقية، أو توحي بضحالة ما يقدَّم وتسرعه.
لقد فهم الناس أن التسعة عشر الذين وجدت أسماؤهم في (أشبيليا) هم الذين جمعوا الأسلحة، ويخططون الآن، ثم شاع أن منهم من توفي قبل سنتين أو أكثر، فأثار هذا حيرة!.
مفجرو ليلة الثلاثاء متدينون، يزعمون أنهم يجاهدون، هكذا شاع في وسائل الإعلام، ونسبت بعض الفضائيات فتاوى شاذة لتأييدهم بحسبانهم من أهل هذا الوصف، ثم قيل -من خلال الحرَّاس الذين رأوهم، وصور جثث بعضهم- إنهم حليقو اللحى والرؤوس، ما أثار شكوكاً عمّن يكونون.
إن اختلاف التفصيل في نوعيات المجرمين لا أثر له كبير في إدانتهم وإدانة أفعالهم، أياً كان المذهب الذي يعتنقون، والمبررات التي يعتمدون، والجهات التي لأهدافها يحققون، والعناصر التي معها يتعاونون، فكل هذه العناصر تأتي تبعاً وبعد التحقيق، وتحكم المصلحة ما يعلن منه وما لا يعلن، لكن تبقى الحقيقة والتبين واحترام مشاعر الناس قواعد مهمة في هذا المجال.

7-حفظ أمن المجتمع ليس مهمة فئة محددة ذات لباس خاص، وسيارات ذات شعار مميز، فهذه مهما بذلت من جهود، وحشدت من أفراد لن تستطيع تغطية المساحة الاجتماعية الواسعة، إنها -شرعاً ووطنية- مهمة كل المجتمع، وما لنا نذهب في التنظير بعيداً، هذه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لها مراكزها ورجالها واختصاصاتها، فهل يعني ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكر عليها ؟ هل يماري في شموليته لكل مسلم أحد؟ طبعاً لا ، وقد استطاعت الهيئات -استناداً على هذه الشمولية- أن تستنفر الناس للتعاون معها، فحققت بذلك سبقاً وأنجزت جهوداً مشكورة، لو انحصرت في كوادرها ما حققت نصفه ولا ثلثه .
الأمر نفسه ينبغي أن يكون في المجال الأمني، ولقد أثبت المواطن في كثير من المواقع إيجابيته مع الدولة ومع المجتمع، وعليه فإنه من أجل خدمة أمنية تلقائية من المواطنين لخدمة مجتمعهم ينبغي الآتي:

أولاً:التوعية الثقافية المحفزة للمشاركة في هذا المجال، وخاصة تأكيد مشروعيتها في الإسلام .

ثانياً: صياغة آليات عملية لهذه المشاركة التي يتفاعل بها الناس مع الجهاز الأمني، ويكسر بها الحاجز بينهما، حيث يجد الناس أنهم -وهم في أعمالهم وطرقهم ومتنزهاتهم- قادرون على القيام بهذه الخدمة بسلاسة لا تربك حركتهم، ويخدمون بها وطنهم .

8-نقطة أخيرة – ومهمة في تصوري– تخص العلماء والدعاة الذين يحملون همَّ العلم الشرعي والدعوة، بصفتها مشروع إصلاح نهضوي حضاري لمجتمعهم أولاً، ولأمتهم ثانياً.
إن بعض من يقعون في هذه المنكرات -قتلاً وتدميراً وترويعاً في المجتمع المسلم، مما يُجمِع العلماء والدعاة على إنكاره- يرفعون شعارات إسلامية سامية، مثل الجهاد في سبيل الله، والولاء والبراء، ويتسلحون على من ينكر عليهم بأنه متخاذل عن إعلاء هذه الشعارات .

والسؤال هنا: ما هي الثغرة التي يمكن منها أن يتسلل هؤلاء؛ لامتلاك تعاطف بعض الناس؟.
إن الثغرة -في تصوري- هي النقص الكبير الذي تعاني منه الدعوة الآن، والمتمثل في العجز عن تنزيل أحكام الشريعة -ذات الإطلاق- على الواقع الماثل بوضعه الراهن، بحيث يعي الفرد، والدعوة، والدولة المنهج الواقعي العقلاني لتطبيق الإسلام تطبيقاً يضمن للحياة إسلاميتها من جهة، وحضاريتها من جهة أخرى .
إن العلماء الشرعيين والدعاة مطلوب منهم -خلال الجهود الجزئية المتتابعة وراء المستجدات- وضع مشروع إسلامي حضاري في مختلف شؤون الحياة (العمل الدعوي، البناء الاقتصادي والسياسي، المرأة، العلاقة بالآخر غير المسلم ... الخ) بحيث يعرف المسلم في كل شؤونه المنهج العملي لتحقيق الدين في حياته الخاصة والعامة، فلا يبقى متسيِّباً حاصراً تدينه في انتماء عاطفي للإسلام، ولا يشتط نحو مثاليات يُشادُّ بها الدين، ويشاقق بها المجتمع والأمة، وتعرض بها الدعوة للفشل والانتكاسات .
إن هذا المشروع -لو تحقق وتواطأ عليه عموم أهل العلم والدعوة- سيكون فتحاً عظيماً، وستنكشف به مواقف غير سوية، تعتمد في رواجها على غيابه، أما تلك التي لا تني تتهم الإسلام بالمثالية وفقدان البرامج العملية، أو المواقف الانتهازية التي تواصل اتهام الدعاة في جهودهم بخدمة المصالح الشخصية، فضلاً عن المواقف المعاكسة لسنة الله في إصلاح الناس بطروحاتها المثالية المغالية المكفرة .
وبهذا المشروع سيجد العلماء والدعاة أنهم أمام الأحداث، وبالذات الظواهر الحضارية، يركنون إلى قاعدة علمية في تصور العصر ومنهج الحركة فيه، مما يسهل عليهم اتخاذ المواقف الرشيدة والمتقاربة، وبذلك يتجاوزون الارتباك الذي يقعون فيه أمام المفاجآت المعاصرة، مما يضعف مواقفهم ويشتتها .
والله الموفق
* عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً