آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مذبحة نيجيريا .. الخلفيات والدوافع

الاثنين 21 ربيع الأول 1425 الموافق 10 مايو 2004
مذبحة نيجيريا .. الخلفيات والدوافع
مرة أخرى تتجدد أعمال العنف في ولاية بلاتو النيجيرية, لكنها هذه المرة أخذت شكلا جديدا في التنظيم والترتيب, وبالتالي في النتائج المتوقعة، مذبحة كانت أم عملية إبادة متعمدة لاستئصال شأفة الأغلبية المسلمة التي تقطن مدينة يلوا.
مئات من المسلمين لقوا حتفهم على أيدي ميليشيا مسيحية مسلحة من قبيلة تاروك في مدينة يلوا شندام بولاية بلاتو وسط نيجيريا، كانت الشرارة هجوم الميليشيا المسلحة على المسلمين قي القرية بسيارة جيب مجهزتين برشاشات وأنواع من الأسلحة، ومن ثم تم تطويق القرية، الحصيلة شبه رسمية -رغم التحفظ- تشير إلى مقتل 600 مسلم من النساء والأطفال، وتدمير مئات المنازل والممتلكات وعشرات المساجد، والجرحى بالآلاف، والمسلمون توعدوا بالثأر والانتقام مما يعنى أن مسلسل المواجهات الدامية ليست في طريقها للنهاية.
تقع قرية يلوا في إحدى ضواحي مدينة جوس عاصمة ولاية بلاتو والتي تمثل مدينة استراتيجية اشتهرت بمناخها اللطيف وجوها المعتدل، لا تتجاوز مساحتها 60 كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي أربعة ملايين نسمة، يتكون سكانها من خلفيات عرقية مختلفة تبلغ أربعين قبيلة
متباينة في اللغة والعادات والتقاليد أشهرها قبيلة "فاغم" و"انكوى" و"انغس" و"جوار" و"برومن" و"ترويك" و"الهوسا" و"الفلاني"، وتنقسم الولاية إلى 14 إدارات محلية ، وتأتي الزراعة في مقدمة المهن السائدة فيها، كما توجد مشروعات صناعية متقدمة مثل: شركات صناعة الجلود وشركة صناعة الحليب وشركة صناعة آلات ومعدات الحراثة والزراعة. كما تزخر المنطقة ببعض المعادن والخامات مثل القصدير والرصاص والفضة والفحم الحجري.
على خلفية دعاوى قديمة بررت الميليشيا المسيحية هجومها المسلح ضد المسلمين ، وهي أن عناصر من رعاة الماشية من قبائل الفلاني المسلمين يداهمون بمواشيهم أراضي زراعية تابعة لقبائل تاروك المسيحية، إذ يعد ذلك جريمة نكراء لا يمكن التغاضي عنها ؛ لأن هؤلاء الفلانيين مجرد مستوطنين وليسوا مواطنين أصليين !! وللأسف، كانت هذه هي القراءة والتفسيرات السائدة في الأوساط السياسية والاجتماعية، إلا أن الوضع الطائفي والمحاولات القديمة إضافة لتطورات الأحداث خلال السنوات الأخيرة يستلزم قراءة أكثر عمقًا وتحليلاً دقيقًا لطبيعة المنطقة والعلاقات المتشابكة بين القوى والفاعلين على مسرح الأحداث.
تمثل مدينة جوس عاصمة ولاية بلاتو أحد أضلاع مثلث مناطق تماس طائفي وعرقي في نيجيريا، وأصبحت منطقة استراتيجية لحملات تنصيرية أجنبية؛ فهناك جهود أجنبية مكثفة بذلت لتقوية شوكة المسيحيين، فقد تم اختيارها لوجودها في منطقة وسط نيجيريا واعتبروها مركزًا مهمًّا لأنها نقطة التقاء بين الشمال بالغرب، وأيضًا لأنها ولاية شمالية في تلاقي الشمال بالشرق. وقد تنوعت النشاطات التنصيرية وتعددت مجالاتها ولها أبعاد سياسية واجتماعية ودينية، فهناك مدارس ومدن مجهزة ومعاهد أكاديمية عليا على أعلى مستوى، بالإضافة لمشروعات الكنائس في كل أحياء المدينة وفي القرى المختلفة، وهناك محطات إذاعية وتلفزيونية لبث تعاليم ومبادئ النصرانية باللغة الخوسا والفلانية، علاوة على مشروعات البنى التحتية التي تكفلت بها المنظمات والبعثات التنصيرية.
هناك حالة استياء وامتعاض في الأوساط القبلية جراء سيطرة الثقافة الهوساوية الإسلامية على الهويات القبائلية الأخرى في مناطق شمال نيجيريا، فحالة الاستياء هذه ارتبطت بموجة العداء والكراهية من قبل الأقلية غير مسلمة في مناطق الشمال، الأمر الذي وجد صدى وتحمسًا كبيرين لدى العناصر والكوادر المسيحية الموجودة في مواقع ومراكز القوة في الدولة والمنظمات الدولية والحقوقية المختلفة؛ فبدأت دعوات إلى التفريق بين الهوية الثقافية لسكان شمال نيجيريا ممثلة في لغة الخوسا، وبين الانتماءات القبائلية المتعددة لسكانها، وعلى هذا الأساس تم اعتماد مشروع قانون يقضي بتقسيم الدولة إلى ست مناطق جيوسياسية قبلية، يكون الترشح و تولي المناصب الرئاسية والوزارية في الدولة على أساسها.
هناك حالة رعب خاصة من الوضع الإسلامي في شمال نيجيريا، سواء من حيث درجة انتشار الإسلام أو نمو المطالب بالعودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية والإسلام بشكل عام، فالمخاوف من توسيع دائرة الشريعة إلى ولاية بلاتو كان من أقوى دوافع الحملات الهجومية على الوجود الإسلامي في المنطقة، فتجربة الديمقراطية كانت في صالح الكثافة الإسلامية، وأذكت من مخاوف الأقلية المسيحية والعرقية والقبلية التي تتثبث بالأصالة والوطنية والأقدمية في بعض المدن والولايات الشمالية مثل: كادونا، وولاية نيجر وولاية كوغي وغيرها.
على خلفية تكوين الميليشيا المسيحية تجدر الإشارة إلى أن الإعداد لمواجهات أو هجوم مسلح على المسلمين والترتيب له قديم ومسألة توقيت زمني فقط، فقد عملت قبائل التوريك على تكثيف وجود أبنائها داخل الجيش والقوات المسلحة، مستفيدة من وجود مقر الفرقة الثالثة من الجيش النيجيري على أراضيها ومن فرص التعليم الممنوحة لأبنائها من البعثات التنصيرية.
فرغم هدوء نسبي للأوضاع في المنطقة؛ إلا أن حالة عدم التوازن في التركيبة الطائفية والقبلية في الولاية لا تزال مربكة ومقلقة بالنسبة للمسلمين ، فالحالة مرشحة لمزيد من الغليان خاصة وسيناريوهات الثأر والانتقام في طور الإعداد في إطار البيت الشمالي الإسلامي!.
* باحث وكاتب نيجيري

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً