آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حان وقت انتقاد صحيفة شارلي ابدو لأنها سخرت من البيض في تكساس بدلا من المسلمين

الاثنين 13 ذو الحجة 1438 الموافق 04 سبتمبر 2017
حان وقت انتقاد صحيفة شارلي ابدو  لأنها سخرت من البيض في تكساس بدلا من المسلمين
""كانت صحيفة شارلي ابدو قد نشرت ـ قبل سنوات ـ رسوماً ساخرة بالرسول صلى الله عليه وسلم، استفزت مشاعر المسلمين، وأبدى كثيرون في الغرب تعاطفهم مع الرسامين بحجة الدفاع عن حريةالتعبير واليوم بعد أن نشرت الصحيفة نفسها كاريكاتيراً يصور ضحايا إعصار هارفي الذين غرقوا في هيوستن بصورة النازيين الجدد، مع لافتة تقول  "الله موجود" ، وفيه إشارة إلى أن السكان البيض في ولاية تكساس يحبون هتلر، ومن ثم فإن غرقهم هو نوع من العدالة الإلهية ـ حينها عاد المتعاطفون ـ من صحف وقنوات وكتّاب ـ مع الصحيفة في رسومها الساخرة بالرموز المقدسة الإسلامية إلى إدانتها واستهجان ما نشرته بخصوص ضحايا إعصار هارفي، ورموها عن قوس واحدة ونسوا ما كانوا يتزعمونه من الدفاع عن مبدأ حرية التعبير ولو بأفكار مخالفة أو مستفزة!" إدارة التحرير
 
نص المقال للكاتب:  جلين غرينوالد* 

تحمل الصليبيون في "ذي نيو فاوند فري سبيش الفرنسية" (حرية التعبير الجديد)  في شهر يناير/كانون الثاني 2015، عشرة قتلى من رسامي الكاريكاتير في صحيفة شارلي ابدو بباريس، والذين سعوا إلى إيجاد ونشر معايير جديدة وخطيرة،  حيث لم يعد يكفي الدفاع عن حق أي شخص في التعبير عن أفكاره، بل إن له الحرية في إدانة تلك الأفكار بنفسه، وهذا هو المبدأ المركزي والأساسي لحركة حرية التعبير (أدافع عن حق الأشخاص في التعبير بكل حرية؛ حتى وإن كنت أجد أفكارهم بغيضة وشنيعة).

في أعقاب عملية قتل رسامي شارلي ابدو، كان على المرء أن يذهب أبعد بكثير من التضامن معهم: فقد كان الالتزام الأخلاقي  يوجب احتضان تلك الأفكار التي تمت مهاجمتها وحدثت عملية القتل بسببها، كان يجب الاحتفال بأولئك الذين كانوا يعبرون عنها وتمجيدهم، حتى بالتعبير عن أنفسنا بمقولة (أنا شارلي).

ونتيجة لذلك، أصبح انتقاد محتوى الرسوم الكاريكاتورية الشريرة في كثير من الأحيان لتشارلي أكثر انطلاقا وجنونا بسبب الإمعان في إهانة الدين والشخصيات المحترمة، وقد أصبح من الشائع ألا يقتصر الأمر على مطالبة الكاريكاتوريين بنشرها فحسب، بل أيضا من أجل إظهار "التضامن" معهم ، وكان على المرء أن يعيد نشر هذه الرسوم بغض النظر عن مدى موافقته أو اعتراضه على مضمونها، وكانت النتيجة هي اعتماد هذا الخطاب والمبدأ واعتباره أمرا سليما.

وقد تم وصف معارضة المعارضين لهؤلاء الرسامين الكاريكاتيرين ولتكريمهم ومنحهم جوائز شرفية نوعا من الانهيار الأخلاقي، أو على الأقل أخلوا بالالتزام بحقوق حرية التعبير وتجاوزا حدودهم، ويتضح هذا من الازدراء والاحتقار الواسع النطاق للكُتاب الذين أعربوا عن معارضتهم لمنح جوائز لشارلي ابدو في حفل نظمته مؤسسة "پان أمريكا".

 

النتيجة في الأخير هي فرض خلط خطير بين الحق في التعبير عن الفكرة (إكس) وبين الفكرة المعبر عنها،  من بين جميع المقالات التي كتبتها في السنوات القليلة الماضية، كانت المقالات الأكثر استقطابا وإثارة للغضب هي تلك التي كتبتها في أعقاب عملية قتل رسامي شارلي ابدو: في أحد المقالات عبرت عن رفضي الاحتفاء بالرسامين ورفض إعادة نشر رسومات شارلي إبدو، والدعوة إلى انتقاد تلك الرسوم وإظهار نتائج اعتماد هذا المعيار الجديد الخطير وعولمته، أي: (الاحتفاء بالرسوم الكاريكاتورية التي تهاجم الأديان والشخصيات المحترمة والاحتفاء بها ونشرها)  ثم كتبت سلسلة من المقالات التي تدافع عن كُتاب مؤسسة "پان أميركا" الذين اعترضوا على منح جائزة إلى صحيفة شارلي ابدو، انطلاقا من قاعدة تقر بحق الفرد في الدفاع عن حرية التعبير، وفي نفس الوقت رفض الثناء والتكريم والتمجيد في حق أولئك الذين تعرضوا للهجوم.  

 

وقد شوه المعلقون المحرفون للكلام والمعنى المقصود، والأكثر إثارة للخلط وغيرهم بين نقد مضمون خطاب شارلي ابدو، وبين معارضة الحق في حرية التعبير نفسه، "عندما انتقد جلين غرينوالد ( الكاتب هنا يعني نفسه) الفكرة التي تقول إن رسامي الكاريكاتير القتلى لتشارلي ذهبوا ضحية العنصرية"، أصدر الكاهن المعادي للإسلام ومتزعم الإلحاد الجديد سام هاريس خطابا قال فيه عني: "إنه لم يثبت أنه أحمق  وبلا أخلاق وحسب، بل إنه يشارك في حرب أفكار عالمية حول حرية التعبير، وهو يقف في الجانب الخطأ منها". وتكرر نفس الخلط بين هذه المفاهيم عند كيليت جيمي بالمر، الذي بعد أن أمضى سنوات في دراسة عملي في الدفاع عن حق الجميع في حرية التعبير، سواء ما صدر عني باعتباري محاميا أو صحفيا على حد سواء، قال: "من المنطقي أن نفترض أن تضامن غرينوالد مع موظفي شارلي إبدو يمكن أن يكون أمرا مفروغا منه ومكفولا".

 

ما كان واضحا في جميع الحالات، وما جادلت من أجله مرارا وتكرارا هو أنه لم يكن الاعتقاد بحرية التعبير هو الذي  حرك المطالبين بتكريم وتبجيل رسامي الكاريكاتير وتمجيدهم، والاحتفاء برسوماتهم، كان الحديث حول حرية التعبير مجرد ذريعة يتحججون بها، كان ذلك مجرد مظهر يتخفون وراءه.

 

في الواقع فإن معظم القادة السياسيين الذين قادوا "موكب الحرية" في باريس (في الصورة أعلاه) لهم سجل طويل في قمع حرية التعبير، وقد ألقى بعض هؤلاء الصليبيين الجدد والحديثين في ميدان حرية التعبير كلمة حول حرية التعبير، وفي حين أن حقوق حرية المسلمين قد تعرضت للاعتداء، وتآكلت في جميع أنحاء الغرب باسم الحرب على الإرهاب، فإن هؤلاء القادة لم ينطقوا بكلمة. إن الذي جعلهم يظهرون الحب لصحيفة شارلي ابدو هو موافقتهم على محتوى رسوماتها على وجه الخصوص، وفرحهم بمهاجمتها المسلمين والسخرية منهم وإثارة غضبهم، مع العلم أن فئة المسلمين واحدة من أكثر الفئات تهميشا وضعفا واحتقارا في الغرب.

 

و الدليل على هذا قد نشر بالأمس،. نشرت شارلي ابدو كارتونا خطيرا وشريرا؛ يصور ضحايا إعصار هارفي الذين غرقوا في هيوستن بصورة النازيين الجدد، مع لافتة تقول  "الله موجود": لأنه وغني عن القول أن السكان البيض في ولاية تكساس يحبون هتلر، وبالتالي فإن غرقهم هو شكل من أشكال العدالة الإلهية.

 

وأدى ذلك إلى موجة من الإدانة وبالإجماع تقريبا لشارلي ابدو، بما في ذلك سكان العديد من الأحياء التي وافقت قبل عامين على نفس السخرية التي أبدتها المجلة ضد المسلمين، كما أدى هجوم شارلي ابدو أمس على (شرائح مجتمع البيض) بالعديد من الناس إلى إعادة اكتشاف وبشكل مفاجئ المبدأ القائل: بإمكان المرء أن يدافع عن حقوق شخص ما في حرية التعبير، وفي نفس الوقت يمكنه أن يعرب عن استنكاره واشمئزازه لمضمون خطابهم.

 

والأمثلة كثيرة جدا بحيث لا يمكن الاستشهاد بها كلها، غير أن بعض العينات والأمثلة تكفي للتدليل على هذه الازدواجية، في يناير/كانون الثاني من عام 2015، قام بيار مورغان بالتغريد في تويتر، وقد تمت إعادة تغريدته من قبل ما يقرب من 24،000 شخص: " الاستهزاء بالأمريكيين البيض جريمة ".

وكان الازدراء الشديد لشارلي ابدو أمس ظاهرا وواضحا، وكتبت الصحفية "تيان لوي" من صحيفة ناشيونال ريفيو: "غلاف المجلة شرير ودنيء"، وأضافت: " إن الخاسرين في شارلي إبدو يظهرون وكأن لهم الحق في النشر باسم الرب". أما بول جوزيف واتسون، وهو واحد من المعجبين بالفعاليات والحركات المناهضة للمسلمين، ومن المعجبين بشارلي ابدو، ومن المدافعين عن حقها في نشر الرسوم المناهضة للمسلمين، فقد صرح أمس بما مضمونه:  الحقيقة أنه يمكن للمرء أن يبغض ويستنكر الرسوم الكاريكاتيرية، ويمكنه في نفس الوقت الاستمرار في دعم الحق في حرية التعبير لرسامي الكاريكاتير،  "إن غلاف مجلة شارلي ابدو قد كان عدوانيا وغبيا، وأنا أؤيد تماما حقهم في أن تكون رسومهم عدوانية وحمقاء مثلما يرغبون".

 

الممثل اليميني جيمس وودز صاحب شعار "لهذا أنا شارلي" وصف رسامي الكاريكاتير في أحد الهاشتاغات بـ "الفرنسيين الخونة". كما أن صحيفة بايرون يورك الوطنية أظهرت على صفحتها غلاف مجلة شارلي ابدو ومعبرة بصريح العبارة: "اليوم.. نحن لسنا (كلنا شارلي إبدو)". وكتبت الصحفية الشهيرة جيسون هويرتون، من مجلة "إندبندنت جورنال ريفيو" تغريدة شعبية في الموضوع، وهي التي كانت تسخر من الأخبار التي كانت تظهر  الرسوم الكاريكاتورية لشارلي ابدو على أنها مناهضة للإسلام، كتبت في التغريدة: " ليس من الضروري  أن يشارك المرء رسوم شارلي إبدو التي يرى أنها غير مرغوب فيها  أو غير مقبولة: "هل كانت صحيفة شارلي ابدو تريد رسم هذا الغلاف  لتكساس المنكوبة؟. لقد أدركت في الأخير أن هذا ما يريدونه. اللعنة عليهم. أنا لا أشارك رسومات شارلي. "

 

يمكن القول أن  تمجيد شارلي ابدو والثناء عليها، والذي أصبح تقريبا واجباً أخلاقياً في عام 2015، ليس له أي علاقة مع حرية التعبير، بل كانت له علاقة بكل محتوى مناهضٍ للإسلام من خلال الرسوم التي تصدرها شارلي ابدو، هذه القاعدة الجديدة التي توجب على المرء عدم الاكتفاء بالدفاع عن حق شارلي ابدو في التعبير بكل حرية، بل يجب عليه تكريمها والثناء عليها، يبدو أن هذه القاعدة قد اختفت  فوراً وبطريقة صريحة فجة، بمجرد توقفها عن استهداف المسلمين والشروع في استهداف الأمريكيين البيض". هذا الشخص علق على هذا الوضع بطريقة جيدة:

ما حدث هنا هو أبعد مما يظهر لنا: فقد كانت شارلي ابدو ممتعة، وكانت رسومها الاستفزازية لذيذة، وجريئة وتستحق التكريم والجوائز، عندما كانت تسخر من المسلمين، وعندما بدأ رسامو الكاريكاتير في نشر نفس النوع من الرسوم الساخرة والتي تستهدف الأمريكيين البيض، أصبحوا "خبيثين" و "أشرارا" و "حقيرين" و "خونة" و "ضالين". وكما كتب الكاتب روبرت رايت هذا الصباح: أفترض أن "مؤسسة پان أمريكا" لن تمنح جائزة "لشارلي إبدو هذه المرة."،  كانت حملة الهاشتاغ  "أنا شارلي" على تويتر  في عام 2015 ستكون أكثر صدقا لو كان الهاشتاغ (أنا شارلي إذا كانت رسومها ضد المسلمين).

 

على أية حال ومهما يكن الأمر، فلندع هذه الحلقة تؤدي بهذا المبدأ الجديد المشوَه الذي يدافع عن حرية التعبير، ويوجب على المرء أن يحتفي بالأفكار العدوانية وتكريم من يعبرون عنها فلندعها تؤدي به إلى الزوال النهائي والأبدي، وكان ينبغي ألا يكون من الصعب أبدا فهم التمييز الهام والأصيل بين الدفاع عن الحق في التعبير عن الأفكار، وبين الاحتفاء بهذه الأفكار، الآن بعد أن رسمت شارلي رسوما متحركة للأمريكيين البيض ومسيئة للغربيين البيض، اكتشفوا أخيرا حقيقة وغاية هذا المبدأ.

المصدر:

https://theintercept.com/2017/09/01/charlie-hebdo-may-now-be-criticized-because-they-mocked-white-texans-rather-than-muslims/

 

*ترجمة مختصرة للكاتب:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%BA%D9%84%D9%8A%D9%86_%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF

 

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

    كن أول من يكتب تعليقاً ...

تعليقات الإسلام اليوم

أنقر هنا لتغيير الرقم

تبقى لديك حرف


إقرأ ايضاً