آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أمة لا تعرف أبناءها إلاّ بعد رحيلهم

السبت 2 رجب 1429 الموافق 05 يوليو 2008
أمة لا تعرف أبناءها إلاّ بعد رحيلهم
 

قيل فيما قيل على ألسنة الحكماء "المعاصرة حجاب"؛ لأنها تحجب قيمة الإنسان الذي يعيش بين ظهراني الناس، ثم إذا مات انكشف الحجاب عن قيمته الحقيقة، وبدأ الناس يؤبّنونه بالمديح والكلام والمهرجانات والندوات، ويقدمون له "التبرعات" والدعم، ويزخرفون له الصور، ويشيدون بجهوده .

كان المفكر الكبير والعالم المحقق الأستاذ عبدالوهاب المسيري قبل أيام يعيش بين أظهرنا، بعد أن عاش سنوات شاقة من البحث المضني عن "اليهودية والصهيونية"، والتي صدرت في ثمانية مجلدات سنة 1999 م، وقدم للأمة دراسات معمقة وراقية وعلمية محايدة عن "الغرب وأفكاره"، وهو يكتب من خلال مكنة كبيرة من اللغة الانجليزية وغيرها، ويكتب بعد أن خالط المجتمع الغربي وعرفه من داخله، وقدم أفكاره بعلمية وموضوعية بلا أدلجة وأفكار مسبقة، ولكن هذا المفكر مات بعد معاناة مع مرض السرطان، وقد تكفل الأمير عبدالعزيز بن فهد -جزاه الله خيراً- بعلاجه أول مرضه، إلاّ أن المرض عاوده، وكثرت عليه التكاليف المرهقة، حتى أنهكه المرض فمات في القاهرة، ولو كان هذا المفكر فناناً مشهوراً، أو رياضياً بارعاً لنُقل على الطائرات الخاصة إلى أي مستشفى عالمي، ولكن قيمة المفكر في الأمة في درجة متدنية؛ لأنها أمة لا تقدر رجالها، ولا تعرف قيمة "أهل الفكر والعلم"، ذلك لأنها لا تزال تحبو - إن أحسنّا الظن بها - في الرقي، فانعكست موازينها، فرفعت الرويبضات، وأنزلت القدوات ..ونزلت عندها قيمة من يرسم لها خريطة الطريق لنجاتها ومستقبلها!

لم يكن المسيري -رحمه الله- فحسب هو من مات في ليلة مظلمة مقفرة، بل هناك ممن ارتحل عن الدنيا ثم تسامع الناس بجهوده وعرفوا قدره؛ لأن إعلامنا العربي يطبل في الصباح والمساء لأهل الفن والطرب، ويعطي مساحات ضئيلة جداً للمفكرين والعلماء والمثقفين الذين يحترقون ليرسموا للأمة طريق الخلاص، ويحققوا لها الرقي الفكري والعلمي، ثم نُفاجأ فإذا دولة كإسرائيل تعتبر المسيري خصماً عنيداً ومحترماً، وهناك من يعكف على دراسة مشروعه في بحوث عليا، بل يرونه بمثابة جيش جاثم على قلوبهم؛ لأنه يكشف للأمة زيوف الدعاوى، ويمهد للأمة علمياً وفكرياً بأن تكتشف عدوها من داخله، وتقرأه بعلم ووعي، فالخصام الفكري والثقافي جزء من المعركة الكبرى بين الأمة وأعدائها، الأمر الذي لم يعطه العرب في صراعهم مع العدو الصهيوني أي قيمة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والوعي العربي دون مستوى أن يدرك أهمية العلم في معادلة المعركة بينه وبين خصومه .

كم هم أولئك العلماء الكبار، والمفكرون العظماء الذين يعيشون بين أظهرنا الآن، ونحن نلتفت عنهم يميناً وشمالاً، تهميشاً واحتقاراً، بل وحرباً وعداء، ثم نفاجأ بأن الموت قد تخطفهم من بين أيدينا دون أن نعطيهم قيمتهم الحقيقة، وهؤلاء العظماء لا يريدون من يشجعهم، ويدعمهم، ويثني عليهم بعد موتهم، بل يريدون أن يروا ذلك وهم أحياء، حتى يدركوا أن جهودهم باتت مشكورة من أمة تقدر أبناءها، فيدفعهم هذا إلى المزيد المفيد، ويحثهم على مواصلة المسير، ولو فعلت الأمة هذا مع نابغيها ومفكريها ومثقفيها لوجدنا تلك المشروعات الكبيرة التي تؤسس لنهضة الأمة في كل مجالات حياتها، ولكن المؤسف حقاً أن مثل هؤلاء المفكرين يعيشون جزءاً كبيراً من أوقاتهم يلهثون وراء لقمة العيش، ويسعون لتحقيق ضرورات الحياة، ولو هُيّئت لهم الحياة الكريمة التي تليق بهم لرأينا حجم العطاءات الكبيرة والثمار اليانعة، وهذا يذكّرني بقول الإمام الشافعي رحمه الله: لو كلفت بصلة لما تعلمت مسألة؛ لأن الشقاء والكد في الحياة يعيق الإنسان ويمنعه من التفرغ لعلومه وأفكاره وإنتاجه .

إن هذه الكلمات العجلى لن تفي الدكتور المسيري حقه؛ فمشروعه الفكري والثقافي حري بأن يدرس دراسة متأنية، وتُقام له الندوات الكثيرة، والكراسي العلمية؛ لأنه باحث استثنائي في عصر الأفكار السريعة والمبتسرة، عكف على مشروع فأنجزه في وقت غابت المشروعات الفكرية الجادة، وتعطلت إلاّ النزر اليسير، وللأسف فإن الناس لا تنظر إلى مشروعه إلاّ من خلال قبوله "العلمانية الجزئية"، فأصبح بين الجيل وبين هذا المفكرالكبير حاجز نفسي كبير، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن لكلامه محملاً صالحاً، وخاصة حين اشترط أن "العلمانية الجزئية" تقبل شريطة ألاّ تخالف المرجعية النهائية (النصوص الشرعية)، وخاصة إذا كانت فيما يتعلق بالأمور الإجرائية والحياتية البحتة، ولو اعتبرنا هذا خطأ علمياً، فهل يعني هذا أن تدرس مآثره، ويحذر منه بدلاً من الاستفادة من مشروعه؟

رحم الله الدكتور عبدالوهاب المسيري، وأجزل له المثوبة، وعوض الأمة خيراً، وأسكنه في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - المقهورة مساءً 11:46:00 2009/10/30

    وليت هذه الأمة يا أخي الكريم تتأمل في فكر أبنائها بعد رحيلهم مثلما تتألم أو أكثر. بارك الله فيك على المقال.

  2. 2 - اسماء الداعيه مساءً 05:53:00 2011/06/07

    نحن المفكرون الساعون للاصلاح لا نريد تكريم ولا مكافاة فما عندكم يفنى وما عند الله باق ........... باختصار نريد مشروع مؤسساتي يتبنى افكار المبدعين واراء المفكرين واعمال المنتجين واصلاحات المصلحين ....... او على الاقل الكف عن ملا حقة هؤلاء وترك الحرية لهم للتعبير والعمل والانجاز وحمايةمشاريعهم وتقديم العون لهم لاكمالها وانهائها هذا هو المطلب واتمنى من الله ان نراه امام اعييننا

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف