آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التعليم الديني .. إرهاب أم إصلاح ؟(1/2)

الجمعة 23 شعبان 1423 الموافق 01 نوفمبر 2002
التعليم الديني .. إرهاب أم إصلاح ؟(1/2)
 
لم يعد خافياً على أحد استفزاز أمريكا وإجلابها بخيلها ورجلها لتعميم نموذجها قسراً على من تمرد على رأيها أو فكّر بأدنى من ذلك!
ومنذ انقشاع غبار أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجمات الأمريكية تتوالى بصورة متعددة على ثوابت أمتنا، تارة بالتهديد، وتارة باللمز، وتارة أخرى بالإيعاز لوسائل الاتصال والمعلومات... وهي لا تألوا جهدها تسعى لدك حصوننا وخاصة حصن التعليم، والتعليم الديني خصوصاً.
يحاول موقع الإسلام اليوم تلمس واقع التعليم الديني في العالم الإسلامي، وحقيقة الهجمة عليه، وهل كان التعليم الديني مصدر للإرهاب، وذلك من خلال قراءة تاريخية واستشرافية في هذا التحقيق الموسع.


* التعليم الديني وإشكالية التعريف/
درج لفظ "التعليم الديني" في كثير من وسائل الإعلام، دون ضبط في إطلاقه أو وصفه، فعن أي تعليم ديني نتحدث، ومتى نصنف آلية أو منهجاً تعليمياً بأنه ديني أو لا ديني؟

يمكننا أن نحدد اللفظ عند إطلاقه بمعانٍ متعددة:
فالتعليم الديني قد يراد به ذلك التعليم القائم على مؤسسات علمية دينية تبدأ من أول السلم إلى نهايته. مثله: تعليم الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، وجامعة الإمام في السعودية.
وقد يقصد به تعليم الدين في مدارس التعليم العام، كالحصص والدروس والمحاضرات في المدارس والجامعات.
ونجد بأن هذا النمط من التعليم، تعليم مقنن حكومياً يأخذ الطابع الرسمي، فيخرج من ذلك أوجه التعليم الأخرى التي تأخذ الطابع الشعبي أو الخيري كحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وحلقات العلم والدروس العلمية التي تتصف بعدم القدرة التامة للسيطرة عليها أو تقنينها أو منعها.
وسوف نستعرض بعضاً من صور التعليم الديني لدى الأمم الأخرى:

التعليم الديني عند اليهود/
المدارس اليهودية العامة تقوم بتدريس تاريخ فلسطين القديم والحديث استناداً إلى العهد القديم " التوراة" متضمنة الأخطاء المتعددة وتزوير الحقائق والأغلوطات التاريخية على نحو أن فلسطين هي أرض الميعاد التي وهبها الله إلى اليهود...
ولقد حرص التيار اليميني المتطرف بزعامة الحاخامات على الفوز بوزارة التربية والتعليم لأنها أسهل وسيلة لشحن العقول بالأفكار والأطروحات واستنفار الجماهير اليهودية وتهيئتها روحياً وجسدياً للتعايش مع استمرارية الصراع مع الشعب الفلسطيني، على عكس ما فعله الطرف المقابل من حذف آيات وأحاديث شريفة من المناهج تؤذي اليهود – بحد زعمهم- ولا تتماشى مع ثقافة السلام!
وتشهد وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية تعديلاً جديداً على المناهج بقيادة (العذيرة ليمو لفتات) اليمينية المتطرفة من جناح الليكود، هدف هذا التطوير زيادة النوعية العنصرية في المناهج التعليمية، وإصدار التعاميم على المعلمين تتضمن توجيهات أشد عنصرية وأكثر حقداً مما يرد في الكتب المدرسية ذاتها.
يقول د. محمد أبو غدير – أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة الأزهر: يوجد نوعان من التعليم في إسرائيل:
الأول: التعليم العام المدني وهو خاضع لوزارة التربية والتعليم
الثاني: التعليم الديني وهو خاضع لتصرف وتوجيه الزعامات الدينية اليهودية ، ولا تدرس الديانة اليهودية وشرائعها إلا في هذا النوع من التعليم .

أما د. وائل القاضي – أستاذ التربية في جامعة النجاح – فيميز بين الأهداف المعلنة للتربية في إسرائيل وغير المعلنة.
فالمعلن هو مـا حددته المادة الثانية من قانون التربية والتعليم الإسرائيلي عام 1953م وهي :( إرساء الأسس في التعليم الابتدائي على قيم الثقافة اليهودية ومنجزات العلم وحب الوطن والإخلاص والولاء للدولة والإعداد الطلائعي والسعي لتشييد مجتمع قائم على الحرية والمساواة والتساهل والتعاون المتبادل وحب الغير من الجنس البشري).
أما غير المعلن وما يسعى إلى تحقيقه فعلاً عبر التعليم الإسرائيلي :
01 تعميق الوعي اليهودي الصهيوني.
02 التربية على قيم القومية اليهودية الصهيونية.
03 الاهتمام بدور اللغة العبرية من أجل الحفاظ على التراث اليهودي.
04 ترسيخ جذور الشباب الإسرائيلي في ماضي الشعب اليهودي؛ لخلق أجيال تؤمن بالمعتقدات الصهيونية .
05 التعلق بالأرض وجمع الشتات اليهودي .
06 الإيمان المطلق بحق شعب إسرائيل في " أرض إسرائيل" وملكيتهم لها والاستيطان فيها من خلال التكرار والتأكيد بالحديث عن الحق التاريخي في " أرض إسرائيل التاريخية".
07 تحقيق التضامن اليهودي داخل إسرائيل وخارجها لضمان استمرار الهجرة اليهودية والدعم المادي لإسرائيل خاصة من يهود المهجر .
08 تكوين الاستعداد لدى الأجيال الإسرائيلية اليهودية للتوسع والاحتلال والعنف، وكراهية العرب؛ وذلك بحجة إنقاذ الأرض .
09 تأكيد الشعور بالقلق والتوتر لتحقيق استمرارية الإحساس بالاضطهاد عند الأجيال المتعاقبة، لضمان عدم اندماج وانصهار هذه الأجيال في أي مجتمع آخر غير "إسرائيل".
010إظهار التفوق العبري الحضاري عبر العصور لتكوين الإحساس بالتمايز والتفوق، والشعور بالاستعلاء عند الأجيال الإسرائيلية الجديدة، وعودة الشعب المختار إلى " الأرض الموعودة".
011 تشويه وتقزيم الصورة العربية في نظر الطالب الإسرائيلي، مقابل التأكيد على صورة "السوبرمان" الإسرائيلي الذي لا يقهر .
012 تربية وتنشئة أجيال صهيونية متعصبة جداً لصهيونيتها ودولتها بكل ممارساتها مؤمنة بذلك إيماناً مطلقاً .
ويتم طرح المناهج الدينية اليهودية بدقة وبتوجيه يجمع بين الكم والكيف، فحجم دراسة مواد الدين اليهودي في مناهج الصفوف الدنيا( 2-4) – على سبيل المثال- تبلغ 35% من مجموع الحصص في التعليم المدني، بينما تبلغ 51% في التعليم الديني في الصفوف الابتدائية المشار إليها .
وغالباً ما تتضمن هذه المناهج نسبة كبيرة من التوراة والتلمود، إذ يقرر على الطلاب حفظ نصوص معينة ودراستها، منها على سبيل المثال :
( اليهودي لا يخطئ إذا اعتدى على عرض الأجنبية، فإن عقود الزواج عند الأجانب فاسدة، لأن المرأة غير اليهودية بهيمة ولا تعاقد مع البهائم)، ( يجوز لليهودي أن يُقسم زوراً ولا جناح عليه إذا حوّل اليمين وجهة أخرى). ( إن أخطأ أجنبي في عملية حسابية مع يهودي فعلى اليهودي أن يقول له : ( لا أعرف) لا أمانة، ولكن حذراً؛ إذ من الجائز أن يكون الأجنبي قد فعل ذلك عمداً لامتحان اليهودي وتجربته)،( من يقتل مسلماً أو مسيحياً أو أجنبياً أو وثنياً، يكافأ بالخلود في الفردوس وبالجلوس هناك في السراي الرابعة).

هذا وتشير المعطيات التي نشرتها وزارة التعليم الإسرائيلية بمناسبة بدء اليهود العام الدراسي الماضي أن عدد الملتحقين من التلاميذ بمدارس التعليم الديني ازداد بأكثر من 130% خلال العقد الماضي، وارتفع عدد التلاميذ في إطار التعليم الديني من 48 ألفًا عام 1990م إلى 111 ألفًا عام 2000م .
فهكذا يربي اليهود أبناءهم، ويقبلون على تعلم دينهم .

*التعليم الديني عند الغرب:
لم تنجح العلمانية في الغرب من استئصال الدين من الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي حيث أصبحت العديد من الأحزاب السياسة الفاعلة في الغرب تقرن عنوانها السياسي بالمسيحية، وقد استقطبت لذلك أعدادًا هائلة من الأنصار .
ويوجد في الغرب مئات الكليّات اللاهوتية والمعاهد الدينيّة التي تخرّج على الدوام قساوسة ورجال دين يشرفون على إدارة الكنائس والمدارس الدينيّة المنتشرة في الغرب، وفي بعض البلاد العربية والإسلامية وفي القارة الإفريقيّة .
وتنص القوانين الغربية على حريّة المعتقد وهو الأمر الذي أتاح للمسلمين فتح مدارس دينية خاصة بهم، وتضطلع بمهمة تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية لأبناء الجاليّة العربية والإسلامية, ولا تتدخل السلطات السياسيّة في هذه المدارس الإسلامية بل في بعض الدول الغربية كالسويد والدانمارك والنرويج تقدم البلديّات دعمًا كبيرًا لهذه المدارس الإسلاميّة .
وتجدر الإشارة إلى أنّ علمانية الغرب لم تمنع من تدريس الديانة المسيحية تاريخها ورجالها ومنحنياتها وتطورها في الغرب والعالم, والعديد من المعاهد الغربية تدرس الدين الإسلامي كأحد أكبر الأديان في العالم، ففي كتاب علم الديانات السويدي الذي يدرسه طلبة الثانويات في السويد يوجد فصل بكامله عن الإسلام ومدارسه ومناطق وجوده , وتمّ عرض الإسلام في هذا الكتاب بطريقة موضوعية لا تشويه فيها , ومعظم المعلومات مستقاة من مراجع إسلامية معتبرة .

*التعليم الديني في العالم الإسلامي:
التعليم الديني في مختلف أرجاء العالم الإسلامي لم يكن وليد لحظته أو مجرد ظاهرة، إنما هو تراث ممتد عبر مئات السنين، مستنده الأساس كتاب الله – تعالى- وسنة رسوله – عليه الصلاة والسلام-.
ولقد حفل التراث الإسلامي بأمثلة ونماذج لا تحصى شاهدة على التعليم الديني بصورتيه الرسمية والشعبية .
وسنسلط الضوء خلال الأسطر القادمة على أبرز مؤسسات التعليم الديني في العالم الإسلامي في مختلف أرجاء المعمورة.
01 باكستان:
تضم المدن الباكستانية في أقاليم مختلفة العديد من المدارس الدينية، تختلف مناهجها من مدرسة لأخرى، ومن منطقة لأخرى .
ومن أبرز هذه المدارس:
01 المدرسة الإسلامية لتعليم العلوم الشرعية:
وهي مدرسة من أكبر المدارس الدينية في منطقة (سوات) وتبعد عن العاصمة(إسلام أباد) ثلاثمائة كيلومتر، وتوفر التعليم المجاني للطلبة من المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية.
وتقوم المدرسة على تبرعات المحسنين الباكستانيين، وتخرج الأئمة والحفظة الذين ينتقلون إلى مواقع وقرى أخرى ويدرسون على نفس المنهج والطريقة.

02 مدرسة دار السلام:
وتقع في مدينة (روالبندي)، وتقوم بتدريس العلوم الشرعية إضافة إلى العلوم العصرية، كما تمثل نهجاً فكرياً ذا توجه سياسي متزن.
أما عن كيفية نشأة هذه المدارس في باكستان:
فبعد أن أحكمت بريطانيا سيطرتها على شبه القارة الهندية ظهر تخوف واسع بين أوساط المسلمين حول مستقبل التعليم والدين الإسلامي لسببين:
الأول: محاولة الاستعمار البريطاني إدخال التعليم الغربي الحديث، متجاهلاً تراث المسلمين ودينهم بفرض مناهج غربية تماماً على المسلمين، وكما هو حال غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.
الثاني: العمل على تمكين أبناء الديانات الأخرى وخاصة الهندوس في إدارة شؤون البلاد ومنحهم الأفضلية في التعليم مما جعل الهوة واسعة بين المسلمين والهندوس، وما إن مضت عقود قليلة من الزمان حتى أصبح الجهل هو السمة الغالبة على المسلمين بعد أن كانوا هم الأساتذة والمتعلمين، وتراجع دورهم في الحياة العامة بعد أن كانوا حكام البلاد، الأمر الذي دفع علماء شبه القارة إلى انتهاج أساليب جديدة للحفاظ على هوية المسلمين ومستقبلهم وكانت أبرز خطوة في هذا الاتجاه هو إقامة مدارس خاصة تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الإسلامية خاصة الفقه والحديث النبوي الشريف، وما إن بدأت أولى هذه المدارس في بلدة ديوبند شمال نيودلهي في القرن السابع عشر الهجري وأشرف على إنشاء أول مدرسة عام 1857 العلماء المجاهدون ضد الاستعمار البريطاني الآخذ بالتوسع آنذاك حيث تحول جل اهتمامهم للتعليم، ولم تحظ هذه المدارس بأي دعم من قبل الاستعمار البريطاني -إن لم يكن رفضها ومقاومتها- ومن الواضح أن الدافع الأخير لإنشاء مثل هذه المدارس هو طريقة تعامل البريطانيين مع المسلمين وحرمانهم من حقهم بالتعليم وفقاً لمبادئ دينهم.
ومن ثم بدأت الفكرة تنتشر بشكل واسع إلى أن عمت جميع أنحاء شبه القارة الهندية منها إلى المناطق المجاورة في أفغانستان ووسط آسيا بعد توسع الاتحاد السوفييتي مع بداية القرن العشرين، ولم تتطور بشكل كبير في أفغانستان إلا بعد اجتياح الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في نهاية السبعينات، حيث انتشرت بشكل رئيس في مخيمات اللاجئين والمناطق الحدودية، أما في باكستان فقد شهدت المدارس الدينية ازدهاراً واسعاً تميزت به عن سائر البلاد الإسلامية، فعشية استقلال باكستان لم يكن عدد المدارس الدينية فيها يتجاوز 270 مدرسة، ويقدر المراقبون والباحثون في شؤون المدارس الدينية أنها تتكاثر بنسبة 3.5% سنوياً حتى أصبح عددها اليوم يربو على 7000 مدرسة تضم ما لا يقل عن مليون تلميذ.
ظهور باكستان واستقلالها باسم الإسلام لم يكن كافياً لوقف مثل هذا النوع من المدارس وذلك لأن العلماء رأوا في أساليب التعليم الذي انتهجتها الحكومة الباكستانية لا تفي بالغرض الديني بسبب تغليب العلوم العصرية على المناهج الدينية في المدارس الحكومية واستمرار النظام الإنجليزي في التعليم.

02 أندونيسيا:
النظام التعليمي في أندونيسيا منقسم على شعبتين:
01 الشعبة العامة وهي تعليم كمي متجه إلى عامة الشعب همه محو الأمية دون عمق.
02 الشعبة الخاصة وهي تعليم نوعي ونخبوي يسعى إلى تخريج طبقة هي المؤهلة للإمساك بزمام البلاد، وقيادة نتاج الشعبة العامة، وغالباً ما يكون هذا النوع تحت سيطرة وتمويل وتوجيه البعثات التنصيرية.
ولذلك.. لا يجد التعليم الديني حظًا بين هذين النوعين إلا عبر قناة غير رسمية ومعتمدة من الدولة، يحصل هذا في بلد يشكل المسلمون فيه الأكثرية الساحقة، ولأجل خواطر الأقليات الأخرى يحرم المسلمون من معرفة حدود هويتهم ويخضعون لتعاليم أخلاقية مائعة لا لون لها، كما أن التشريع الأندونيسي قام باستبدال التعليم الديني الإسلامي في المدارس إلى تدريس معلومات عامة مستوحاة من ( البلانشيلا) وهي مجموعة مبادئ مستحدثة تقوم على أسس وثنية تاريخية وقومية اتخذتها الحكومة الأندونيسية في عهد (سوكارنو) لتكون بدلاً عن العقيدة الدينية.

03 مصـر:
إن ذكر التعليم الديني في مصر فسيذكر – دون شك- الأزهر الذي لم يقتصر إنتاجه على المصريين فحسب، بل تعدى أثره إلى بقاع كثيرة في العالم الإسلامي بكونه :
01 مرجعية علمية ومصدراً للفتوى لملايين المسلمين على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم.
02 لكونه مصدر إمداد أنحاء كثيرة من بلدان العالم الإسلامي بالدعاة والعلماء حتى إن بعض البلاد تقوم الدعوة فيها على دعاة الأزهر المبتعثين، كما أن بعض الجامعات الإسلامية أُسست على علماء معظمهم أزهريون.
03 وباعتباره جامعة إسلامية علمية لكثير من أبناء العالم الإسلامي، الذين يعودون إلى بلادهم باعتبارهم دعاة وعلماء أو حتى قادة وساسة!!.
04 لأنه قدوة تحتذي به مؤسسات علمية أخرى.

وقد جرت محاولات متعددة منذ مطلع القرن العشرين لتفكيك الأزهر وتعطيل مسيرته تحت ذريعة التطوير ومسايرة العصر.
وقد مرت مسيرة التطوير – المزعومة- بمحطات أبرزها:
01 سنة 1911م سنت الحكومة المصرية قانوناً ينظم الدراسة الأزهرية على ثلاث مراحل: ( أولية، وثانوية، وعالمية)، وفيه أصبح تدريس العلوم الحديثة المسماة بالعلوم العقلية إجبارياً بعد أن كان اختيارياً.
02 سنة 1930م صدر قانون ينظم التعليم في الأزهر في ثلاث مراحل: ( ابتدائية ومدتها أربع سنوات، وثانوية ومدتها خمس سنوات، وعليا ومدتها أربع سنوات) كما أنشئت كليات الأزهر الثلاث ( اللغة العربية، والشريعة، وأصول الدين).
03 سنة 1936م أدخل تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية ومبادئ الفلسفة وتاريخها، ومادتي القانون الدولي والقانون المقارب لطلاب الشريعة، إلى جانب بعض المواد العلمية في المرحلة الثانوية .
04 في العهد الناصري (سنة 1961م) صدر قانون تطوير الأزهر الشهير، الذي كان أهم ملامحه:
05 إضافة مناهج وزارة التربية والتعليم إلى مناهج العلوم الشرعية المقررة على طلاب المراحل الأزهرية دون الجامعية، كما أنشئت كليات أزهرية للتجارة والطب والهندسة والزراعية.
06 ولأجل استيعاب هذا التطور فقد خفضت المواد الشرعية بنسبة 33%، كما تقلص مجموع سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية من تسع سنوات إلى ثمان، ثم إلى سبع، واختصرت المواد الشرعية مرات عديدة حتى عام 1996م، بمجموع يدور حول 60% للمرحلة الثانوية و 53% للمرحلة الإعدادية ، بينما ظلت مناهج وزارة التربية والتعليم كما هي .
07 عام 1999م تم تقليص عدد سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى ست سنوات، واختصار المواد الشرعية بنسب متفاوتة، مع الإبقاء على مواد التعليم العام كما هي أيضاً.

04 منطقة الخليج:
وهي منطقة متشبعة بالتعليم الديني الرسمي وغير الرسمي، لطبيعة التشكل البيئي والاجتماعي للمنطقة.
وتأتي السعودية في مقدمة دول المنطقة اهتماماً بهذا النوع من التعليم، فقد خصصت جامعة الإمام محمد بن سعود والجامعة الإسلامية في المدنية النبوية لتدريس العلوم الشرعية بمختلف تخصصاتها وتخريج الدعاة وطلبة العلم وتوجيههم بمختلف جنسياتهم للدعوة إلى الله، فضلاً عن الدروس وحلقات العلم في المساجد التي تلقى الدعم الرسمي من الدولة، أما دون المرحلة الجامعية، فتوجد المعاهد العلمية الدينية التي تشبع الطالب وتهيئة للمرحلة الجامعية وتفرد له مناهج دراسية تختلف عن المناهج الدراسية العامة.
وكذلك الحال في الإمارات العربية المتحدة واليمن، حيث يحظى التعليم الديني بالتركيز والاهتمام، ويتم تدريسه عبر الكليات والجامعات أو المدارس العامة.

05 المغرب العربي:
لعبت الزوايا والكتاتيب والمعاهد الدينية دورًا كبيرًا في طرد الاستعمار الإسباني والإيطالي والفرنسي من المغرب العربي، وهي التي كانت تعبئ الإنسان المغاربي ضد المستعمر البغيض، وساهم التعليم الديني في المغرب العربي في الحفاظ على اللغة العربية التي لجأ الاستعمار الفرنسي إلى كل الأساليب والإجراءات لوأدها، وقد كانت القوانين الفرنسية الاستعمارية تنصّ على أنّ تدريس اللغة العربية محظور، وكل من يعتقل متلبسا بتدريس اللغة العربية يتمّ سجنه ما بين ستة أشهر وإلى سنتين, وهذا الإجراء كان متبعا في كل المناطق المغاربية , الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا, وفي ليبيا لجأ الإيطاليون إلى محاربة كل الزوايا الدينية التي دأبت على المحافظة على الأصالة العربية والإسلامية في ليبيا والتي زوّدت الشيخ عمر المختار قائد الثورة الليبية بعناصر لا تأبه للموت في سبيل الحفاظ على مقدسات الشعب الليبي الإسلامية والعربية , والشيخ عمر المختار نفسه كان يدرّس القرآن الكريم في كتّاب ليبي، ولم تساهم معاهد التعليم الديني في المغرب العربي في الحفاظ على الشخصيّة الإسلامية فحسب، بل هي التي مهدت لمجمل الثورات التي انطلقت في المغرب العربي ضدّ الاستعمار الفرنسي والإيطالي، فالمعاهد الدينية التي كانت تابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي كان يترأسها الشيخان العالمان (عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي) هي التي مهدّت للثورة الجزائرية, بل لقد أصبح العديد من علماء جمعية العلماء المسلمين مجاهدين في صفوف الثورة الجزائرية , يلقنون المجاهدين الجزائريين مبادئ الفقه والأصول والتفسير ودرجة الشهيد عند الله، وفي تونس لعب جامع الزيتونة أدوارًا كبيرة في تاريخ تونس، وسعت فرنسا للقضاء على هذا المعلم الديني لكنّها لم تتمكن بل بقي يرفد الساحة التونسية بمصلحين منذ عهد (خير الدين الثعالبي) وإلى يومنا هذا , وفي المغرب لعب جامع القرويين دورًا كبيرًا في التمهيد لثورة عبد الكريم الخطابي، الذي أبلى البلاء الحسن في محاربة الفرنسيين، وفي موريتانيا لعب الشيخ الشنقيطي، والزوايا الدينية دورًا كبيرًا في مقاومة الفرنسة وكل مظاهر التغريب .
وعلى الرغم من الميزانيات المحدودة لكل المعاهد الدينية في المغرب العربي في العهد الاستعماري الذي استمرّ أزيد من قرن وثلاثين سنة، إلاّ أنّها تمكنت من الحفاظ على الشخصية العربية والإسلامية وعلى اللغة العربية والانتماء العربي والإسلامي , كما عرّت الحركة الاستعمارية وكشفت كل مخططاتها و مشاريعها .
وكانت هذه المعاهد الدينية تعتمد في مناهجها على :
- تدريس القرآن الكريم قراءة وتفسيرًا .
- السنة النبوية متنًا وسندًا .
- اللغة العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة .
- أصول الفقه .
- كتب الأخلاق والآداب الربانيّة .
ومن خلال هذه المنطلقات استطاعت هذه المعاهد أن تصون هويّة الشعوب المغاربيّة، في مرحلة كانت فيها فرنسا تستخدم كل ما لديها من وسائل من أجل تدمير الهويّة الإسلامية والعربية للمغاربة.

وبعد استقلال دول المغرب العربي نجح الاستعمار الفرنسي في إيصال نخبته إلى دوائر القرار المغاربي , وقد عمدت هذه النخب إلى تقليص دور المعاهد الدينية التي لعبت دورًا كبيرًا في تحرير المناطق المغاربيّة من نير الاستعمار الفرنسي , وقد لجأت الحكومات الرسمية المغاربية إلى تأميم معاهد التعليم الديني وتحويلها إلى مؤسسات رسميّة خاضعة لسياسة الدولة أو إلى إلغائها بشكل كامل، كما حدث في الجزائر في عهد الرئيس الراحل (هواري بومدين) الذي ألغى معاهد التعليم الأصلي والذي وقف ضد سياسته الاشتراكية .
كما قررّ الرئيس (أحمد بن بلة) أول رئيس للجزائر عقب استقلالها سنة 1962 نهج النهج الاشتراكي واليساري، وتجاوز بذلك مؤتمر الصومام الذي انعقد في عهد الثورة الجزائرية سنة 1956 والذي أقرّ أنّ الجزائر عندما تستقل يجب أن تتحوّل إلى دولة إسلامية.
وفي هذه المرحلة اضطلعت المساجد الجزائريّة بتعليم القرآن الكريم وتحفيظه لمن يرغب , كما أنّ وزارة التربية أقرّت مادة التربية الإسلامية والتي تمّ المزج فيها بين إيديولوجية السلطة الاشتراكية والإسلام , وفي هذه المرحلة من تاريخ الجزائر نجحت القوى الفرانكوفونية واليسارية الجزائرية في تحجيم دور الإسلام في الجزائر , و ظل أبناء جمعية العلماء المسلمين و المحسوبين على التيار العربي والإسلامي يطالبون بضرورة إقامة جامعة إسلامية حفاظا على الجزائر من التغريب الذي تدفقّ على الجزائر بشكل لم يسبق له مثيل , وانتظرت الجزائر 28 سنة بعد الاستقلال – استقلال الجزائر تمّ سنة 1962 - لتشيّد أول جامعة إسلامية وهي جامعة الأمير عبد القادر في (قسطنطينة) والتي تأسسّت سنة 1986، وبعد اندلاع الأحداث الأمنية في الجزائر سنة 1991 بدأت القوى الفرانكفونية واليسارية والبربرية تطالب بإغلاق كافة مؤسسات التعليم الديني؛ باعتبارها أنتجت الأصولية والظلامية حسب زعمهم، ولم يكتفوا بذلك بل طالبوا بإلغاء التعليم العربي في الجزائر؛ باعتبار أنّ هناك علاقة قوية بين العروبة والإسلام السياسي .
وفي تونس تحوّل جامع الزيتونة إلى مؤسسة رسمية خاضعة لإشراف وزارة الشؤون الدينية، والتي تسير هذا الجامع تبعا لما تريده المنظومة الحاكمة , وتمّ إلغاء كافة الحلقات التعليمية في المساجد، والتي كان ينشطها بعض المثقفين المسلمين بحجة أنّ هذا العمل يمهّد لعمل سياسي معارض للسلطة , وبحجة أنّه لا أحد يفتي والسلطة موجودة .
وحتى التعليم الديني في الثانويات والجامعات أصبح جزءًا من الترف الفكري , يتم التركيز فيه على الجانب التاريخي دون الراهن , وكأنّ الإسلام مسألة ثقافية ماضوية لا علاقة له بصياغة الحاضر والمستقبل في كافة التفاصيل .
وفي ليبيا والمغرب أصبحت المعاهد الدينية محدودة للغاية ومرتبطة بالسلطة القائمة , وبات الداعية إلى الله الذي يريد أن يلقي محاضرات في المساجد يحتاج إلى رخصة من وزارة الشؤون الدينية ومخالفة ذلك قد يفضي إلى مالا تحمد عقباه .
وفي موريتانيا نجحت السلطة القائمة في تقليص نفوذ المعاهد الدينية التي لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ موريتانيا المعاصر, وأقامت عشرات المعاهد والكليات والتي يتم التدريس فيها باللغة الفرنسية كلغة رسمية ثانية في البلاد؛ لتقليل دور هذه المعاهد التي مازال لها وجود طفيف في بعض المحافظات الموريتانية .
تلك كانت إطلالة سريعة على واقع التعليم الديني في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

في الجزء الثاني:
*الشيخ الطريري: لماذا يغضون الطرف عن نصوص السيف والدم في الكتاب المقدس ؟!
*الشيخ الركابي: الحكومات الأمريكية المتعاقبة مرتبطة بالكنيسة وتعاليمها رغم معارضة الدستور الأمريكي!
*التعليم الديني ودوره في معركة التحرر في العالم الإسلامي
*هوية الأمة الثقافية ومساهمة التعليم الديني في تأصيلها

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف