آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الخطاب الإسلامي التربوي بين الحظر والتخويف

الاحد 8 ربيع الثاني 1424 الموافق 08 يونيو 2003
الخطاب الإسلامي التربوي بين الحظر والتخويف
 
"الخطاب التربوي الوعظي" سواء كان في شريط أو كتيب، وسواء كان خطبة أو محاضرة؛ استفاد منه كثيرون فتعلموا منه بعض ما جهلوه من دين الله عز وجل، وقرب لهم ماخفي عليهم من علوم الإسلام وتاريخ الأمة، فجعلها ميسرة سهلة المأتى. ولكن يلاحظ على بعض المتحدثين أو الواعظين ملاحظتان :

الأولى: أنهم ضيقوا مساحة المباح في حديثهم، ووسعوا من دائرة المحظور فصار لا فعل يباح عندهم إلا بدليل.

والثانية: أنهم بالغوا في التحذير من المعصية، حتى أنساهم ذلك سعة رحمة الله عزوجل، وعظيم عفوه، وشفقته على عباده.
ومن مبالغة بعضهم في التحذير: أنه استجلب ما لا يصح من القصص والأخبار، وبحث عن الغرائب. والبحث عن الغرائب كما هو معروف مدعاة للكذب من حيث يشعر المرء أو لا يشعر.
ومن المبالغات أن بعضهم رتب على صغائر الذنوب فظائع العقوبات ردعا للعامة. وربما كان هذا مجديا مع البعض ولكنه ليس مجديا مع آخرين، وأهم من ذلك أنه مخالف لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي كان يضع الخطأ في حجمه الطبيعي.
و هذا الأسلوب الدائر بين الحظر والتخويف –فقط- نتج عنه أمور منها: أنه أعاد صياغة بعض أذهان الشباب بما لايتفق مع سماحة الإسلام وعفويته، فصار هُّم أحدهم التنقير عما يظنه من المحظورات، واستصدار فتاوى المفتين فيها منعا وتحريما، وربما كان ما منعه يقع في دائرة المباح. ولا شك أن هذا من الإفراط الذي يذمه الله ورسوله ، ومن حرم شيئا مما أباح الله عزوجل لعباده كان كمن أباح شيئا مما حرمه الله سبحانه.
وهذا الخلل لايقتصر على صاحبه، بل يتعداه إلى غيره في صورة فعل اجتماعي ينافي الصواب، وفي صورة صراع اجتماعي حول المباح والممنوع، وفي صورة خلل علمي ومعرفي يختزل الخلاف الفقهي، ويلغي المعتبر منه ويسيء الظن بمن أخذ به لأنه لم يتفق مع رأي الواعظ.
ومنها أن هذا الخطاب ربما نتج عنه سوء ظن البعض بدين الله عزوجل، حيث يرى أن الشريعة الطاهرة المبرأة من كل نقص عاجزة عن مستجدات الحياة، وعن تقديم حلول عملية لما يعانيه الناس من شؤون حياتهم.
ومنها أن بعض الشباب - لما ضيقت عليه سبل المباح وألجم بالخوف- نفر من دين الله سبحانه فبعضهم تذرع بالشك، وآخرون تلبسوا بالتمرد، وصاحب ذلك نفور من كل ذي دين. وما بهؤلاء النفرة من دين الله سبحانه، ولكنه الجهل في الخطاب الذي أودى بهم إلى هذا السبيل.
وقد تحدث معي بعض هؤلاء الشباب فاستمعت إلى حديثهم، وكنت أجد أحدهم ربما بكى من خشية الله، ولكن الخطاب الذي سد عليه المنافذ جعله يسلك غير الجادة، وينفر كالجمل الشرود لايلوي على شيء.
وبعض هؤلاء لما حدثته عن سعة رحمة الله، وشفقته بعباده حتى أولئك الذين عصوه، بعضهم دمعت عيناه واستعبر، وكان كمن يسمع ذلك أول مرة.
إننا بحاجة إلى أن نعيد صياغة خطابنا التربوي بما يتفق مع فطرة الإسلام فلا يكون خطابنا سببا في إيقاعهم في الحرج.
إن الله عزوجل خلق الإنسان ذا فطرة سليمة متوازنة، والأفكار التي نتلقاها تسهم في نضج الفطرة، أو في انحرافها وتشوهها. ومن مسؤوليات الخطاب التربوي المحافظة على الفطرة وإنضاجها، ولكن حينما يكون الخطاب نفسه مشوها قاصرا عن حقيقة الفطرة فإن نتيجته سوف تكون تشويها للفطرة. تأمل حديث الفطرة الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، تأمل كيف كان خطاب الأبوين وتنشئتهما المنحرفة جعلت من المولود منحرفا في دينه، وكذلك الخطاب التربوي قد يحرف الناشيء عن الإسلام الصحيح.
إن مـن يتأمل السنة يعجب من الأعمال الكثيرة التي ورد النص عليها بأنها تكفر الخطايا والذنوب بالجملة، فالوضوء و أداء الصلاة في جماعة يكفر الذنوب،وأداء صلاة الجمعة يكفر ما بين الجمعتين وصيام يوم عرفة يكفر خطايا سنتين كاملتين وغير ذلك كثير. إن المعنى العظيم الذي تغرسه هذه النصوص في نفس المسلم هو أنه في كنف الله ورعايته وأنه مشمول برحمته ما أقبل عليه، حتى وإن عصاه عزوجل. والرسول -صلى الله عليه وسلم- قرب هذا المعنى لصحابته في صورة فريدة فقال لهم وقد رأى امرأة تحتضن ولدها وترضعه:" أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قالوا: لا و الله! فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها".(رواه البخاري ومسلم).
إن الحديث عن عظمة الله ينشىء التقوى في القلب، وإذا تأملت سورة الإخلاص لاتجد فيها ذكرا لثواب أو عقاب وإنما تجد فيها عظمة الله سبحانه ووحدانيته واستغناءه عن خلقه. وهذا المعنى في سورة الفاتحة واضح جلي فهو عزوجل الرحمن الرحيم وهو رب العالمين، وهذا المعنى يتكرر على قلب المسلم وسمعه في كل ركعة من ركعات صلاته في اليوم والليلة.
ومع العناية بهذه المعاني العظيمة في الخطاب التربوي فإن مما ينبغي التنبه له ألا يكون خطابنا كالخطاب المسيحي لايتحدث إلا عن المحبة فقط ويغفل جانب العقوبة فالله سبحانه إنما يُعبد بالحب والخشية معا.
وهذا الخطاب المتوازن هو الذي ينشئ نفسا متوازنة مستقيمة الفطرة.
واستجابة الناس للخطاب التربوي تتباين فمنهم من يبعد ومنهم من يقرب، ومهمة الخطاب التربوي ألا يقيم العزلة مع من نفروا، ولا يدخل اليأس في قلوب من قصروا، بل يحتوي الجميع، ويشعرهم برحمة الله عزوجل، مستمرا في خطابهم مبلغا إياهم دين الله سبحانه.
وخطابنا التربوي المعاصر ربما كان قصير النفس، يجنح إلى التصنيف، ومفاصلة المخالفين، وإنزالهم منزلة الرافضين لأصل الخطاب المناوئين للتوحيد. وهذا من بذورالفشل الذاتية التي تعيق الخطاب وتحول بين القلوب وبينه.
في موقعة القادسية كان من ضمن جيش الفتح الإسلامي (أبو محجن) ، وماأدراك من أبو محجن! أبو محجن رجل حده عمر رضي الله عنه في الخمر في سنة واحدة سبع مرات كما يقول ابن كثير، ومع ذلك خرج مع جيش المسلمين ينصر الله ورسوله، فشرب الخمر في الجيش فسجنه سعد رضي الله عنه. ولما دارت المعركة وحمي وطيسها شعر أن المعركة تعنيه، وأن واجبه نصرة دين الله حتى وإن كان هذا الدين هو الذي سجنه، وقال متحسرا متشوقا للجهاد:
كفى حزنا أن تدحم الخيل بالقنا  
و أُترك مشـــــدودا عليّ وثاقيا

إذا قمت عناني الحدي وأغلقت
 
مصارع من دوني تصم المناديا

ودعا أبو محجن زوجة سعد، وسألها أن تُطْلِقَهُ وتعيره فرس سعد، وحلف لها إن سلمه الله أن يرجع في آخر النهار ويضع رجله في القيد، ففعلت وخرج وقاتل قتالا شديدا ثم رجع في آخر النهار، ووضع رجله في القيد كما وعد رضي الله عنه وأرضاه، ولما علم سعد أطلقه وما حده، وقال له اذهب، فقال أبو محجن: والله لا أشربها أبدا.
وفي رواية أوردها الطبري أن أبا محجن ماشرب الخمر بعد إسلامه قط، ولكنه كان صاحب شراب في الجاهلية، وهو شاعر ربما تغنى بالخمر ولذلك حبسه سعد، ومن شعره في الخمر قوله:

إذا مـت فادفني إلى أصــل كرمة  
تروي عظامي بعد موتي عروقُها

ولا تدفـنــــني بالفــلاة فإنــــــني
 
أخاف إذا ما مـــت ألا أذوقـــهـا

أبو محجن هو أحد الذين تأثروا بالخطاب التربوي في عصر الصحابة، بل هو أحد مخرجاته، وقد قررنا من قبل أن مخرجات الخطاب لابد أن تتفاوت. ومع أن أبا محجن كان مغرما بالخمر لايصبر عنها وجلد بسببها عدة مرات أو أنه تغنى بها في شعره إلا أنه لم يتخل عن الانتماء لهذا الدين فنصره بنفسه وماله. والخطاب التربوي لم يقس عليه فيقصيه، بل أفسح له المجال للجهاد وهو على ماهوعليه من شرب الخمر أو التغني بها.
ومن يعيش في أجواء خطابنا التربوي المعاصر لا يفتأ من العجب من أبي محجن الذي لم تلحقه حمية الجاهلية والانتصار للنفس، فيحارب هذا الدين الذي جلده عدة مرات أو سجنه على التغني بالخمر، ولا يفتأ من العجب من المجتمع المسلم الذي لم يناصب أبا محجن العداء فيقصيه كجمل أجرب بل رضي بمصاحبته إلى الجهاد وما رأينا مستنكرا لذلك، ولا يفتأ من العجب من الخطاب التربوي الراشد الذي ما شحن نفوس الناس على أمثال أبي محجن، بل كان يعلم الناس أن الحدود كفارة للذنوب.
إن كثيرين في عصرنا بأثر من خطابنا التربوي ربما ضاق بمن اختلف معه، فلا يشترك معه في عمل ينصر الدين، وكي يكون للخلاف مسوغا تجده يسبغ على المخالف أسماء من التصنيف، إما تصم المخالف بالبدعة والضلالة أو بالكفر أو بالجهل والقصور عن المسؤولية.
إن الخطاب التربوي الراشد ينبغي أن يستوعب كل من نطق بالشهادتين ويقربهم من دين الله عزوجل بدلا من تنفيرهم منه.


*أستاذ علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف