آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حلب ومأساة العرب الحاضرة

الاحد 19 ربيع الأول 1438 الموافق 18 ديسمبر 2016
حلب ومأساة العرب الحاضرة
 

 

عندما دخلت القوات الأمريكية العراق قبل عشر سنوات كان الشارع العربي فيه روح وحياً، وعبر عن غضبه بهذا وسط صمت وتوجس الحكومات العربية من ردة الفعل الشعبية، لم تكن تلك الأيام أيام خير، بل أيام خزي وعار على جميع العرب والمسلمين وشرفاء العالم. كان دخول الغزاة لأرض عربية إيذانا بدخول حقبة جديدة وعصر ذو ملامح مختلفة، انفجر الصراع الطائفي بعد أقل من خمسة سنوات وتمددت إيران على أرض العراق العربية، تمرح فيها كيفما تشاء ومتى ما شاءت، في حضور عربي خجول.

اليوم الغزاة الجدد، الروس مع  الجيران الإيرانيين في دعم جلي و واضح لبشار الأسد في حضور وعجز العالم العربي والإسلامي عن فعل شيء لإيقاف المجزرة البشرية ونصرة الشعب السوري ضد الدكتاتور بشار الأسد. في حين يبدي العالم المتحضر والإنساني مجرد قلقه الذي هو أسمى تعبير وفعل يمكن أن تعبر عنه المؤسسات الغربية التي تحمل شعارات الإنسانية والديمقراطية. من يتابع حلب اليوم فهو يرى صورة العربي والمسلم العاجز عن فعل شيء، إنسان وحالة حلب هي صورتنا وانعكاسها على الواقع الطبيعي والواقع المادي، الذي يشير بكل وضوح أننا بلا أي قيمة في هذا العالم كعرب ومسلمين، وبالمقارنة مع حوادث يموت فيها أبرياء يقوم العالم ولا يقعد، حتى أن الصحافة العربية تبكي حزنا عليهم أكثر مما تفعل مع أبناء جلدتهم العربي، كما فُعل مع قضية شارلي وضحايا فرنسا، وغيرها ويقول لك "أنا شارلي" بالبنط العريض في أغلب الصحف العربية وحتى السعودية منها، في حين أن العربي والمسلم عندما يُبتلى بمصائب الدكتاتوريات والإرهاب تبخل علينا صحفنا و مؤسساتنا الإعلامية من التعاطف، إنها أزمة ذات وثقه للصورة التي بداخلنا عن أنفسنا كعرب ومسلمين، ربما يقول بعضهم في داخله أننا نستحق هذا! أو كما صرح أحد الإعلاميين السعوديين "مالنا دخل".

 

ساحات حلب تظهر لنا بحق مكانتنا و واقعنا العربي والإسلامي، حيث نشاهد قاسم سليماني يتجول كجنرال وبطل حرب على أرض عربية برفقة الروس، وهي صورة رمزية تشير لمعاني كثيرة، منها صورة الفارسي الإيراني الشيعي البطل الذي يحقق انتصارات في العراق واليوم في سوريا وغداً في اليمن!  في ساحات حلب نرى أن السوريين الصامدين والصابرين على كل هذا البلاء يمنون أنفسهم بأن يرجعوا يوما ما إلى أرضهم المسلوبة، التي يخرجون منها حالياً حفاظا على أرواحهم من بطش الغزاة و الدكتاتور بشار، وذلك بعد أيام من الاستغاثات التي تأتي من داخل الأحياء المدمرة. أعظم وجوه المأساة أن بعض العرب والمسلمين هم أدوات لهذه المأساة، حزب الله حسب "منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة "ستيفن أوبراين" يقول أن ميليشيا حزب الله اللبناني هي من عرقلت اتفاق #حلب وأوقفت عملية إجلاء المدنيين."  وهنا تتعجب كيف لعربي ومسلم أن يكون صامدا في طغيانه و سفكه للدم العربي على أرض عربية! في يوم ما كان أهل حلب والسوريين بشكل عام هم البيت الثاني للاجئين اللبنانيين أيام الحرب الأهلية.

 

العربي والمسلم المعاصر يعيش في زمن التحولات، وكل ما يمر بنا الآن من أزمات هي مخاض حقيقي لوالدة عصر جديد، عصر يعيد ويدعو العرب والمسلمين إلى إعادة رسم صورتهم، وطرح تساؤلات أكثر عمقا عن إشكالاتهم الأزلية التي تبدو أكثر وضوحا اليوم من أي وقت مضى. كيف لحاكم عربي من أجل سلطان زائل مستعد أن يبيد شعبه، كيف لإنسان يستطيع أن ينحاز لطرف مقابل قتل أطراف أخرى، كيف يمكن استسهال نشوب الحرب وسفك الدماء، دون أي اعتبار لحرمة الإنسان، كيف يمكن تستمر كل هذه الحروب لسنوات طويلة وخسائر بشرية تتجاوز مليوني قتيل. ينعدم الخيال السياسي في هذه الظروف ولا حل يبدو لدى الكثير إلى السلاح الذي هو أحلك الأزمات التي تعمق الأزمة، في حين أن غيرنا ينتفع و يتربح من خلف كل هذه المآسي من متاجرة بالسلاح إلى الإفساد في الأرض وبذر بذور الفرقة والشقاق الاجتماعي إلى افتعال الحروب الأهلية.

عندما تنازل العرب عن مكانتهم التاريخية كحضور داخل المشهد العربي/العربي، وتركوا لجنيف ونيويورك وموسكو وطهران تناقش قضايانا و تحل وتربط فيها ونحن ننتظر النتائج بشفقة عبر الشاشات والصحف هنا تكون النكبة والمحنة الأساسية، التي نحن الآن نتجرع جزء من مرارتها. العرب والمسلمين كدول وشعوب لا ينقصهم سوى أن يكون هم. اليوم حلب والله وحده أعلم ماذا سيكون القادم، حتما حلب ليست الأخيرة، لكن هي من المحطات التي تجعلنا نفيق ولنسأل ونحلل إشكالياتها عن أسبابها وما الذي أوصلنا إلى هذا الحال. الواقع يقول كل شيء يتغير ولا شيء يبقى على حاله، لكن كيف هي بوصلة التغيير وإلى أي مسار تتجه. هل هي للإصلاح والإستقرار والتنمية، أم إلى التيار والصوت الأحد ثم الطوفان والكارثة. هل بالمشاركة السياسية والحريات وحق الاختيار، أم نموذج بشار الذي لسان حاله يقول ما أريكم إلا ما أرى. التغيير لا يأتي فجأة وما حدث ويحدث في حلب هو لم يكن صدفة ومفاجأة بل كان نتيجة، فكل شيء له مقدمات له سياقات تاريخية تشير لها، وما حدث في حلب هي مقدمات لتحولات عربية تترافق مع الأزمات الإنسانية على أرض حلب وفي داخل كل مشاعر أهل حلب والعرب والمسلمين وشرفاء العالم الذي ينشدون السلام والتغيير وحفظ الدم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف