آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

معركة تغيير المناهج تشعل نيران الغضب

الخميس 16 ذو القعدة 1424 الموافق 08 يناير 2004
معركة تغيير المناهج تشعل نيران الغضب
 
_ سياسات علمنة التعليم في المنطقة سابقة لأحداث سبتمبر
_ الولايات المتحدة استغلت أحداث سبتمبر لإرهاب الحكومات العربية وإجبارها على الرضوخ لمطالب محددة بشأن تغيير التعليم.
_ تضاعف إنفاق واشنطن لعلمنة التعليم الديني بمنطقة الشرق الأوسط خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
_ صقور واشنطن رصدوا 145 مليون دولار للإسراع بمحاولات اختراق العقل العربي.
_ المثقفون وعلماء الدين: مناهج التعليم في المنطقة تحتاج لتعديل برؤية وطنية أصيلة بعيدًا عن المخططات والأولويات الأمريكية.


فجأة، اشتعلت نيران الجدل والصراع السياسي والفكري في أكثر من عاصمة عربية في وقت واحد، والمعركة واحدة، ألا وهي الدعوات المحمومة إلى تغيير مناهج التعليم، وخاصة الجوانب المتعلقة بالإسلام وشريعته وقيمه، البعض يستشهد بهذا التوازي الزمني في الأحداث ليؤكد على أن "يد" العبث هي واحدة، ويعني بذلك الضغوط الأمريكية على دول المنطقة من أجل السير الحثيث نحو تغيير مناهج التعليم وفق رؤية أمريكية محددة، وعلى الرغم من أن وتيرة هذه الدعوات قد تسارعت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ إلا أن التاريخ يؤكد لنا أن حضور هذه الرغبة لدى الإدارة الأمريكية ودوائر غربية أخرى كان قويًّا أيضًا في مراحل سابقة، وعلى سبيل المثال: ففي عام 1979 أنشئ ما يسمى بـ"منظمة الإسلام والغرب"، تحت رعاية منظمة الثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة "يونيسكو"، والتي تشكلت من 35 عضوًا.. عشرة منهم مسلمون، وكان من أول أهداف المنظمة الجديدة - كما نص دستورها صراحة- علمنة التعليم، حيث جاء فيه: "إن واضعي الكتب المدرسية لا ينبغي لهم أن يصدروا أحكامًا على القيم، سواء صراحة أو ضمنًا، كما لا يصح أن يقدموا الدين على أنه معيار أو هدف". ونص - أيضاً – على: "المرغوب فيه أن الأديان يجب عرضها ليفهم منها الطالب ما تشترك فيه ديانة ما مع غيرها من الأديان، وليس الأهداف الأساسية لدين بعينه"، وهو ما يسير في إطار عولمة الأديان وجمعها في إطار واحد!.

ولكن الحقيقة أن الضغوط التي تعرضت لها المنطقة العربية بهدف تغيير نظمها التعليمية –باعتبارها حجر أساس المنظومة الثقافية والاجتماعية- كلها كانت تجري على استحياء أو تحيطها السرية وذلك قبل الحادي عشر من سبتمبر ، وكان ثمة تردد في الإعلان عن مثل هذه الضغوط ، إلا أن الإدارة الأمريكية ، وتحت ضغوط مكثفة من اللوبي اليهودي ، وجدت متنفساً في تلك الأحداث ، فنجحت في استغلال الحدث لبدء حملة مفتوحة على ما تسميه "الإرهاب" ، وأعلنت صراحة عن خططها الرامية إلى استبدال نظم تعليمية علمانية ترتضيها بتلك النظم القائمة بالفعل، والتي رأت أنها أرض خصبة ساعدت على تفريخ الخلايا والتنظيمات الإرهابية الإسلامية . وعبر وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) عن الهجمة الجديدة التي يجب أن يتأهب لها العالم العربي والإسلامي بالقول خلال مقابلة صحفية: "إنني مع احترامي لتقاليد دول المنطقة (العربية)! فعليها أن تعيد النظر في تقاليدها وممارساتها بهدف معرفة ما إذا كان التغيير ممكنًا". وأضاف باول: "بالنسبة إلى الدول الصديقة لنا في المنطقة، كل واحدة لها نظامها الخاص، وكل واحدة عليها أن تحكم بنفسها ما إذا كانت تريد أن تتغير، ومدى السرعة التي ستتغير بها، ونأمل أن نستطيع التأثير عليها من حيث كيف يتحقق التغيير".

اعتراف..!
ومما يؤكد أن الإدارة الأمريكية باتت عازمة على تحقيق سيطرتها الثقافية على المنطقة ما اعترف به آخر تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول تلقي بلدان في منطقة الشرق الأوسط في عام 2002 وحده 29 مليون دولار من أجل ما أسماه "جهود تغيير نظم التعليم"، وفي عام 2003 وصل الإنفاق الأمريكي في نفس الإطار إلى ثلاثة أضعاف حيث قفز إلى 90 مليون دولار!! ومن المتوقع أن يشهد العام الجديد 2004 زيادة كبيرة في المبالغ المخصصة لتغيير التعليم في العالم العربي والإسلامي، حيث طالبت الإدارة الأمريكية الحالية الكونجرس بتخصيص 145مليون دولار في ميزانية 2004 من أجل تحويل التعليم في المدارس الإسلامية في المنطقة العربية إلى تعليم علمانيّ، وهي مطالبة تبعتها لجنة تقسيم الميزانية في الكونجرس بتوصية بشأن تخصيص45 مليون دولار فقط للعالم العربي على أن يوضع الباقي في ميزانية تغيير مناهج التعليم في بقية الدول الإسلامية لا العربية منها فقط.

تشجيع..
وذكر التقرير أن إدارة الرئيس جورج بوش طالبت بهذا المبلغ من أجل تشجيع التعليم العلماني بسبب المخاوف من تنامي المدارس الإسلامية في العالم، وأن التمويل جاء في إطار ما يسمى بـ"مبادرة الشراكة الشرق الأوسطية" التي تدعو أمريكا فيها إلى تحديث العالم الإسلامي ونشر الديمقراطية به.

ومنذ أن كشّرت الإدارة الأمريكية عن أنيابها بشأن علمنة التعليم في المنطقة العربية والإسلامية، وهو ما عبّر عنه العديد من مسؤوليها وأبرزهم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، الذي انتقد المدارس الإسلامية في المنطقة العربية، وقال: إن على أمريكا تشجيع نظام تعليمي غير متشدد في العالم الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت والعمل داخل المؤسسات الأمريكية -وعلى رأسها مكتب وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى الذي أنيط به الإشراف على تنفيذ برامج تغيير المناهج الدراسية في منطقة الخليج- جارٍ على قدم وساق، والمثير للدهشة ما أشار إليه تقرير أعدته وزارة الخارجية الأمريكية من أن نصيب منطقة الخليج بلغ 300 ألف دولار من ميزانية تغيير مناهج التعليم في المنطقة العربية والإسلامية لدفع ما أسماه بـ"الإصلاح التعليمي" في دول المنطقة وفي إطار سعيها لتهدئة المشاعر المعادية لها، وذلك من خلال تحديث المناهج الدراسية وطرق تدريسها في عدد من الدول على رأسها: البحرين، والكويت، وعمان، وقطر، والإمارات، واليمن. وهو مبلغ شديد التواضع ومن المؤكد أنه أنفق ـ في الغالب الأعم ـ في مجال العلاقات العامة، بما يعني أن تكلفة تغيير المناهج في الخليج ستغطى محليًّا بصيغة أو أخرى!.

ثوابت..
وفي إطار اهتمام وتركيز الإدارة الأمريكية على علمنة مناهج التعليم الإسلامي، وهو الأمر الذي يطال - حسب التصريحات الأمريكية ذاتها- تغيير ثوابت وأصول في الدين الإسلامي، فإن الحديث يجري عن السعودية ومصر والكويت كدول تتصدر قائمة الدول المستهدفة بسياسات علمنة التعليم، ففي السعودية يعتمد النظام التعليمي في الأساس على تدريس علوم الدين الإسلامي من قرآن وفقه وحديث فضلاً عن التحديات الكبيرة التي واجهتها المملكة في أعقاب أحداث 11 من سبتمبر والتي جعلت الإدارة الأمريكية -تحت ضغوط اللوبي الصهيوني- تتعامل معها وكأنها بؤرة لتفريخ الإرهاب بعد أن ادعت أمريكا تورط 15 سعوديًّا في تنفيذ الهجمات ضد برجيّ مركز التجارة العالمي. وفي مصر هناك حملة شديدة ومركزة على الأزهر الشريف ومطالبة أمريكية بإجراءات جذرية لتطوير التعليم الديني في مصر وصبغه بصبغة حديثة ويتواكب مع هذا حملة ترهيب أمريكية هددت مسؤولي الأزهر وقياداته صراحة بأنه لا خيار في الموقف من مناهج التعليم السائدة، فإما قيادة تطوير التعليم الديني في المنطقة أو إدراج الأزهر نفسه في القوائم الأمريكية للإرهاب. وكذلك تتعرض الكويت لضغوط متتالية من أجل إحداث تغييرات جذرية في نظم التعليم تمهد لتسويق القيم الجديدة التي تدعو لها مبادرة الشراكة الأمريكية ـ الشرق أوسطية، وهو الأمر الذي يحاول البعض هناك تمريره بوتيرة متسارعة، رغم المقاومة العنيدة التي يقوم بها التيار الإسلامي خاصة في البرلمان الكويتي، حيث يحظى الإسلاميون فيه بحضور لافت.

ولا يسع المتأمل في سياق هذه التوجهات إنكار الحضور القوي للكيان الصهيوني في الأبواب الخلفية الضاغطة باتجاه تعديل المناهج التعليمية بما يخدم توجهات الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة، ونزع روح المقاومة، وهناك من التقارير المنشورة ما يشير إلى اهتمام صهيوني كبير برصد مناهجنا التعليمية وتحديد المحاور التي تحتاج -وفق النظرة الصهيونية- إلى تعديل، ومن ذلك الدراسة التي أعدها الدكتور (أرنون جريس)، وهو إسرائيلي الجنسية ويعمل صحفيًّا في راديو إسرائيل! والتي قام خلالها برصد وتحليل 93 كتابًا من كتب المواد الشرعية التي تدرس في السعودية، وكان من أهم نتائج دراسته أن المناهج تدَّعي أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول، وأن اليهود والمسيحيين هم أعـداء المســلمين الأبديين، وأن كتب الجغــرافيا لا تعترف بدولة إسرائيل!.

وعلى الرغم من ظاهرة الاستسلام شبه الكامل للضغوط الأمريكية باتجاه تعديل المناهج التعليمية؛ إلا أن ثمة قلقًا كبيرًا تبديه بعض المؤسسات الإسلامية، وخاصة في المجال المتصل بصلب العلوم الشرعية، ومن الدلائل المهمة على هذا القلق ذلك البيان الذي صدر في القاهرة عن مجمع البحوث الإسلامية - إحدى أهم مؤسسات الأزهر- والذي فضح محاولات التدخل الأمريكية لتغيير مناهج التعليم في مصر، وأدى إلى إحراج مؤسسات أخرى متنوعة في مصر قطعت شوطًا بالفعل على صعيد العبث بمناهج التعليم، وقد جاء في بيان مجمع البحوث الإسلامية بعد إشارته إلى تعدد التصريحات غير المسؤولة من قبل قيادات أمريكية: "ولقد تبع هذه التصريحات والكتابات دعوات غريبة وشاذة للتدخل في أخص خصائص الإسلام والمسلمين؛ فتجاوزوا التدخل في الشؤون السياسية والاقتصادية للعالم الإسلامي إلى الحديث عن ضرورة تغيير مناهج التعليم الديني، والمدارس القرآنية في بعض البلاد الإسلامية، وفي مواجهة هذه الحملة الظالمة والغربية الشاذة؛ يرى مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أن يعلن أن التهجم على أي دين من الأديان، والسعي لتغيير أو تعديل هويّات الأمم وثقافات الشعوب إنما هو تجاوز للخطوط الحمراء يصل إلى حد اللعب بالنار وتعريض السلام العالمي لأشد المخاطر والتحديات".

وتزامن مع صدور بيان مجمع البحوث الإسلامية بيان مماثل أصدرته الكتلة الإسلامية في مجلس الأمة الكويتي تحذر فيه الحكومة الكويتية من الرضوخ للابتزاز الأمريكي لتغيير المناهج الدراسية لاعتقادها أنها تشجع على الإرهاب والتطرف، وذلك في أعقاب تصريحات أطلقها وكيل وزارة التربية الكويتي (حمود السعدون)، والتي قال فيها: إن الحكومة تقوم بإعداد كتب مدرسية في مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والاجتماعيات والتربية الوطنية، وذلك لتدعيم قيم التسامح ومحاربة العنف والتطرف·
والحقيقة أن الجهود الدولية في اتجاه علمنة التعليم الديني في المنطقة العربية والإسلامية لا تتوقف عند حد الإدارة الأمريكية أو الكيان الصهيوني، وإنما هناك جهات دولية أخرى معنية بالملف، ومن بين تلك الجهات صندوق النقد والبنك الدوليان، اللذان يرهنان قروضهما ومساعداتهما لدول عربية وإسلامية بتغيير المناهج وإصلاح أو استبعاد بعض المقررات الدراسية. كذلك هناك آليات أخرى لتعزيز هذه الدعوات ومحاصرة النظم السياسية فيها، ولعل أبرزها مؤتمرات ما يسمى بـ"حوار الأديان" التي عادة ما توصي بتغيير المناهج في البلدان الإسلامية لإتاحة المجال أمام الحوار والتفاهم بين الأديان، كذلك مفاوضات ومباحثات الشراكة (الأورو- متوسطية) التي تلزم فيها أوروبا دول الحوض المتوسط -الإسلامية منها طبعًا- بتغيير المناهج مقابل المنح والشراكة ونحوها. أيضاً هناك الندوات والمؤتمرات الدولية التي تتخذ من "حوار الحضارات" شعارًا لها لإصلاح مناهج المؤسسات التعليمية الإسلامية، ومثالها الندوة التي نظمتها في بيروت مؤسسة "كونراد أدناير" الألمانية يومي 13 و 14-12-2002.

رضوخ..
الجدير بالذكر أن المحاولات العلنية الأمريكية المبذولة لعلمنة مناهج التعليم في المنطقة العربية والإسلامية، وعلى الرغم من مرورها بدون كثير عناء من خلال جهات رسمية في العالم العربي تتقي بصمتها وتغافلها الغضب الأمريكي الهائج؛ إلا أنها أسفرت عن موجة من الغضب والاستنفار في أوساط المثقفين والدعاة وعلماء الدين الإسلامي لأسباب عديدة منها أن المحاولات الأمريكية لتبديل مناهج التعليم لا يمكن الفصل بينها وبين الحملة الشاملة التي قررت الولايات المتحدة شنها ضد كل ما يهدد إسرائيل أو ما يتحدث عن خصوصيات ثقافية وهوية عربية إسلامية متمايزة، فضلاً عن التصريحات الأمريكية العلنية تؤكد على أن الهدف من هذا العبث بمناهج التعليم هو تفريغ المجتمع الإسلامي من روح المقاومة، وتذويب مشاعر الولاء والبراء في ضمير الإنسان المسلم، وهو الأمر الذي يستدعي العبث بآيات القرآن ونصوص السنة النبوية المشرفة وما هو معلوم بالضرورة في دين الإسلام، وهذا تحديدًا ما أقلق النخبة الإسلامية وحرك مشاعر الرفض والغضب لديها تجاه المخططات الجديدة لتغيير مناهج التعليم.
وهناك ما يشبه الإجماع بين النخب الإسلامية المحتجّة على المخططات الجديدة على أن الحاجة موجودة بالفعل إلى تحريك فكر جديد في مناهجنا التعليمية ينهض بالأمة، ويتواكب مع تطورات حقيقية شهدها العالم على مدار العقود الأخيرة؛ إلا أن التوتر يأتي من التأكيد على أن ثمة فارقًا كبيرًا بين التطوير التعليمي الذي ينشأ من خلال احتياجات حقيقية ورؤية أصيلة ومستقلة وإرادة وطنية مستقلة، وبين تطوير مخطط خارجي ومطلوب تنفيذه بإرادة خارجية، ووفق تصورات وأولويات دول أخرى، لا تخدم بالضرورة الاحتياجات الحقيقية لأوطاننا وشعوبنا.
ويبقى ملف الصراع مفتوحًا الآن على كل الاحتمالات، ورغم ضخامة الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية التي تمارس دوليًّا على العالم الإسلامي لدفعه باتجاهات محددة في هذا الشأن، إلا أن ثمة مساحات واسعة من العمل والجهد ما زالت متاحة أمام المجتمع العربي لصد الموجة أو تفريغها من مضمونها على أقل تقدير؛ فهل تنجح الجهود الأهلية في جبر انكسار الجهود الرسمية؟. هذا ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف


   

مقالات للكاتب