آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

وهذه الجامعات والمدارس الدينية...ما شأنها؟

الاحد 19 ذو القعدة 1424 الموافق 11 يناير 2004
وهذه الجامعات والمدارس الدينية...ما شأنها؟
 
هل نحن في عصر تحريف الأمور عن مواضعها، وقلب الحقائق؟ أو في عصر استراتيجيات نفسية وسياسية وإعلامية تتعمد أو تحترف (إسقاط خطايا الذات على الآخرين) وهي حـــرفة تعارفت الدراسات النفســية علـــى تسميتها بـ ( مرض الإسقاط)؟.

في المبتدأ لن نتورط في تبرئة العرب والمسلمين من الأخطاء والخطايا، فهذه تبرئة تتجافى عن الطبيعة البشرية، وعن الواقع الماثل الطافح بالأخطاء من كل نوع. بيد أنه حسبُ المسلمين أخطاؤهم.. ومن الظلم البواح: أن يحمّلوا أوزار قوم آخرين، وأن يسقط عليهم ما تعج به حياة هؤلاء القوم، والملحظ الأشد حزناً – هنا- أن طوائف من المسلمين صدقت أو كادت تصدق بأن ما يُسقط عليها هو شيء صحيح بإطلاق، وأن هذا الشيء من خصائصها وسماتها التي لا تنفك عنها.. وهذا الشك العاصف في الذات مسبب بالقصف الإعلامي المركز والمستمر والذي يلج – مثلاً- على أن العرب والمسلمين عدوانيون، وشهوانيون، وإنه لكاذب من ينكر أن في العرب والمسلمين شيئاً من ذلك، ولكن بالاستقراء العلمي يتبين: أن المسلمين (هواة) بالنسبة إلى (الخبراء المتخصصين) في هذه المجالات. والغربيون- إلا العقلاء المنضبطين منهم – هؤلاء هم الخبراء المتخصصون العريقون في صناعة الموت.

كم عدد القتلى في الحروب والصراعات التي كان المسلمون طرفاً فيها عبر 1410هـ سنوات؟ هو عدد قليل، لا يساوي واحداً في المائة ألف من عدد القتلى في الحروب والصراعات التي أوقدها وقادها وخاضها غربيون في القرن العشرين، ومن هؤلاء القتلى 27 مليون عسكري في الحربين العالميتين: الأولى والثانية، ويقدر عدد المدنيين من ضحايا هاتين الحربين بـ 13 مليوناً من النساء والأطفال وكبار السن في أثناء الحرب العالمية الأولى، ونحو 20 مليوناً في الحرب العالمية الثانية، وبلغ مجموع القتلى في القرن العشرين – لأسباب دينية وأيديولوجية- وبعيداً عن المعارك الحربية – بلغ 80 مليون إنسان. وفي الجملة فإن 167مليون إنسان لقوا مصرعهم في مجازر وقفت خلفها السياسة، ومعظم هذه المجازر دبرها وقادها غربيون، هكذا تحدث التاريخ الموثوق فمن مسعّر الحروب على الحقيقة؟ وليس هناك امرؤ أمين صاحب ضمير يستطيع أن ينفي: أن من العرب والمسلمين من استبد به نزق الشهوات، ولكن هل الغربيون أطهار عفيفون زاهدون في هذه المسألة؟ إن الانفجار الشهواني قد بلغ الذروة هناك، بعد أن تحطمت قيم ومعايير عديدة. وهو انفجار تخطى العلاقة بين الذكر والأنثى إلى المعاشرة المثلية.. لسنا ننصر شهوة عربية ملهوفة على شهوة غربية ملهوفة. فالسوء هو السوء، سواء صدر عن هذا الجنس أو ذاك، ومورس في هذه البيئة أو تلك ، ولكنا نعجب من موقف، ومن تفكير من يستكثر بضعة أرطال من الشهوات المفلتة، ولا يلفت نظره: ألوف الأطنان من الشهوانية السائبة، بل يسقط هذه الأطنان على صاحب الأرطال، وفي كل شر.

المثل الثالث هو: المنابع والمصادر الثقافية ( وهذا هو جوهر المقال الذي يبسط القول في هذه النقطة التي أجملت في مقال الأسبوع الماضي) فلم تكد أحداث سبتمبر تقع حتى طفقت دوائر معروفة تبدئ وتعيد وتكثر الكلام حول: أن للإرهاب منابع وأن هذه المنابع هي: المناهج الدينية والثقافية في الوطن العربي والعالم الإسلامي. ولم ينحصر التشنيع والاتهام في (الاجتهادات البشرية) التي تصيب وتخطئ، وإنما تعدى هذه الاجتهادات إلى (المصادر العظمى) لدين الإسلام، أي الكتاب والسنة.

وهذا توجه ينطوي على ثلاثة (مخاطر) حقيقية لا وهمية، وجدية غير هازلة.

أ- فهذا التوجه (تدخل في الحرية الدينية) للمسلمين، فهو ينزع إلى أن يعلم المسلمين كيف يعتقدون؟ وماذا يعتقدون؟ وماذا عليهم أن يتركوه من المعتقدات؟.

ب- وهو توجه يحمل (المطالب الصهيونية) ويترجمها على نطاق واسع، فمنذ مدة طويلة تطالب المؤسسة الصهيونية بـ (تعديل) الإسلام نفسه، وفق دعوى تدعيمها وهي: أن (المشكلة) في الإسلام نفسه، لا في أتباعه فحسب. وأنه بناء على هذه الدعوى ينبغي أن ينعقد (إجماع دولي) لمواجهة مصدر التهديد وهو الإسلام ولقد جدد الحاخام اليهودي الأمريكي الشهير(مارفين هير) – منذ أسبوع- هذه الدعوى، عبر برنامج ( لاري كنج) ومما قاله هذا الحاخام: "لو سألتني بشكل مباشر: هل هناك آراء متطرفة في القرآن؟ سوف أقول نعم".

ج_ وهو توجه يؤيد –بقوة- مقولات (الإرهابيين) الذين يقولون: إن الغرب – والأمريكان بوجه خاص- يحاربوننا عل أساس عقدي ديني.
ولنبسط القول – الآن- في (المؤسسات) والاتجاهات التي تغذي الناس هناك بآراء ومواقف متحاملة على الإسلام والعرب والمسلمين.

أولاً- في الولايات المتحدة الأمريكية:
على الرغم من أن أمريكا دولة علمانية وفق نص التعديل الأول من الدستور الأمريكي وهو النص الذي يقول: " لن يصدر الكونجرس أي قانون بصدد ترسيخ الدين أو منع ممارسته".

وعلى الرغم من التفسير القاطع الذي قدمه الرئيس الأمريكي الأسبق (جيفرسون) إذ قال: "هدف التعديل الأول في الدستور هو: إنشاء حائط فاصل بين الكنيسة والدولة". وعلى الرغم من تفسير المحاكم الأمريكية لهذا التعديل أيضًا، أي التفسير الذي يقول: " لا تستطيع الولاية أو الحكومة الاتحادية تأسيس كنيسة أو سن قوانين تساعد أي دين أو تفضل دينًا على آخر أو تجبر إنسانًا أو تؤثر فيه ليذهب أو يبتعد عن الكنيسة ضد رغبته".
على الرغم من ذلك كله، فإن العلاقة بين الدين والدولة في أمريكا لا تزال قوية ولا يزال (المد المسيحي) ينمو ويتأصل، وهذا وضع لا يزعجنا بل يسرنا أن يفيء النصارى إلى ديانتهم، فهذه إفاءة تقربهم إلينا – بموجب النص القرآني- ثم إن الإيمان بكتاب أفضل – بيقين- من الإلحاد يضم إلى ذلك: أن التمسك بمقادير من القيم المسيحية يبقي على تماسك الأسرة، ولقد سرنا – مثلاً- أن أكثر من 70% من أعضاء مؤتمر الترشيح للرئاسة – في أحد الحزبين الكبيرين متزوجون ولديهم عوائل. وهناك المقادير الأخلاقية التي تنشأ عن التمسك بالمسيحية وهي مقادير مشتركة في الغالب.

هذا الانعطاف نحو الديانة المسيحية امتد إلى الحياة السياسية يقول الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر): " يلعب الدين دوراً حاسماً في الحياة السياسية لأمتنا"، وقال (رونالد ريغان) مثل قوله. أما الرئيس الأمريكي الحالي (جورج بوش) الثاني فقد صرح بأنه : " لن يدخل الجنة من لم يؤمن بالمسيح ( نحن نؤمن بالمسيح) وبأن المسيح هو الفيلسوف الذي يتلقى منه الحكمة والسدادة، ومن المفارقات أن اليهود في أمريكا أثاروا ضجة كبرى حول مسألة (عدم الإيمان) بالمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ؟ لماذا لأنهم لم يؤمنوا به لا بالأمس ولا اليوم.

وفي ظل هذا الانبعاث المسيحي حصل ارتباط قوي بين جامعات عديدة وبين الكنيسة، ومن هذه الجامعات: الجامعة الأمريكية وجامعة جورج تاون في واشنطن، وجامعتا ديتون في ولاية أوهايو، وبيلور في ولاية تكساس، وجامعة أموري في مدينة أتلانتا، وجامعة دنفر في كوالورادو وجامعة ديوك في كارولينا الشمالية، كما نشأت مؤسسات تعليمية دينية كثيرة منها: (جامعة الحرية) التي أسسها أشهر قس أمريكي هو (جيري فولويل) الذي قدر: أن يصل عدد طلاب هذه الجامعة 50 ألف طالب مع نهاية القرن الماضي، ويتعلم الطلاب في هذه الجامعة علوم اللاهوت من منظور يهودي، كما أنشأ هذا القس أكثر من 20 ألف مدرسة دينية وهذا مثال فحسب. أما في المجال الإعلامي فإن الحركة المسيحية الأصولية تسيطر على معظم شبكة محطات الكنيسة المرئية والمسموعة، أي المحطات التلفزيونية والإذاعية.

ومع اجتناب الوقوع في خطأ التعميم، فمن المؤكد أنه يصدر عن هذه المؤسسات ما يؤيد الظلم والإرهاب الصهيونيين.

ومن ذلك ما قاله جيري فولويل إذ قال: إن الوقوف ضد إسرائيل هو معارضة لله"، وكان (شارون) – مثلاً- هو المعبر عن إرادة الله! ويصدر عن هذه المؤسسات ما يتعمد تقبيح وجه العرب، ومن ذلك ما قاله القس (بات روبرتسون) إذ قال: "إن الله يقف بجانب إسرائيل، وليس بجانب العرب الإسرائيليين". هذه العقليات التي تزكي الإرهاب وتشوه صورة العرب والمسلمين، ألم تتكون في جامعات ومدارس دينية في الولايات المتحدة؟

ثانياً- المؤسسة الصهيونية:
إن العنف والإرهاب الذي مارسته ولا تزال تمارسه هذه المؤسسة، إن هو إلا ثمرة (التعليم الديني) اليهودي، فمع السنوات الأولى لنشأة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة؛ صدر قانون التعليم الذي قسم المدارس إلى نوعين: مدارس حكومية تضم ثلثي الطلاب ومدارس حكومية ينتظم فيها الثلث الباقي، ومع ملاحظة أن نصيب التعليم الديني كبير جداً في المدارس الصهيونية العامة، وثمة مادة بعنوان (الوعي اليهودي) يدرسها الطلاب كافة.

وفي هذه المدارس تخرج غلاة الصهاينة الذين احترفوا الإرهاب، ويمارسون قتل (الأغيار) بنفسية من يمارس هوايته المفضلة!! إن (إيجال عامير) – وهو ابن حاخام- الذي اغتال إسحاق رابين قد تربى ونشأ وتكون على تعاليم (المدارس التلمودية) ومن أفضل الكتب التي كان هذا القاتل يدمن على قراءتها (سيرة باروخ جولد شتاين) الذي قتل 27 فلسطينياً مسلماً وهم يؤدون صلاة الفجر في المسجد الإبراهيمي.

فهل تنتظم الدعوة إلى تغيير المناهج الدينية: مناهج الجامعات والكليات والمدارس الدينية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل؟

وهل يوافق أصحاب هذه الدعوة على ( خيار الصفر الأيديولوجي) الذي اقترحناه- من قبل-، أم أن المطلوب – فحسب- هو: أن يهجر المسلمون – وحدهم- دينهم ومصادر هويتهم؛ وإلا فهم (إرهابيون) بالهوية والجبلة والديانة؟!.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف