آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

دور الإنسان في عصر الدولة القديمة و الحديثة

الاحد 29 جمادى الأولى 1438 الموافق 26 فبراير 2017
دور الإنسان في عصر الدولة القديمة و الحديثة
 

 

كان الإنسان العربي قديما قبل نشوء الدولة الحديثة، قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية، يسعى في الأرض كما يشاء ومتى ما شاء وإلى أين شاء أن يذهب، فلا حدود ولا تعريفات وضوابط نقل وحركة. فكان السعي في الأرض والترحال للعيش هي نمط لدى البشر في ذلك الوقت. وفي الأماكن التي يستقر فيها البشر، لم تكن الدولة العثمانية ومن في حكمها أن تنتظر مقابلاً من   هؤلاء البشر، غير دعوة للوالي العثماني يوم الجمعة وبعض الالتزامات التي يقوم بها قائم مقام في الحجاز أو أي مكان آخر. وأبناء هذه الديار ليسوا في حاجة للوالي العثماني في شيء، فكان كل سكان منطقة لهم ترتيباتهم الأمنية والمعيشية سواء كانوا من سكان الأودية والصحراء، أم من سكان السواحل البحرية والمدن والواحات الصغيرة، فهناك ترتيب ضمني بين أهل هذه الديار، ربما تختلف مكة والمدينة قليلا في هذا الترتيب، لكن أيضا هذا الترتيب في عمقه لا يلامس حرية الإنسان وسلوكه.  يمكن العودة لكتاب الحجاز في العهد العثماني 1876 - 1918 للباحث عماد يوسف. حيث يصف الحياة الحجازية في العهد العثماني في فترة تاريخية، والمقصد من هذا الاستطراد أن نتصور جزء من طبيعة علاقة الإنسان بالدولة. حيث هي اللاعلاقة واللارتباط.

 

نشأت الدولة الحديثة في العالم العربي كنتيجة لسقوط الدولة العثمانية وبروز النخبة الوطنية في تركيا التي طالبت بوطنية الدولة في الحدود التركية، ثم سار العرب في هذا المسار الذي  خلف صراعات مع تركة الخلافة،  وحاول الاستعمار أن يملأ الفراغ السياسي في معظم مناطق العالم العربي، وللأسف أن الإستعمار أقام نمطاً من العلاقة بينه وبين أهل الأراضي العربية فيها ما ينافي طبيعة العرب التحررية من روابط وسطوة المستبد عليهم. لم يتهنى الإستعمار كثير وكان مصيره إلى زوال بعد صراعات وفصول مع الشعوب العربية من المغرب إلى الخليج. خلفت الإدارات الاستعمارية بعض من مريديها في مناطق عدة حتى يدوم شيء من تأثيرها، وللأسف أن هذه النخبة العربية المزيفة كانت ولا زال بعضهم أسوأ من الاستعمار ذاته.

 

حيث تشكل القمع الوطني وبناء السجون والنفي لمن يخالف توجهات النخبة السياسية. في عهد عبدالناصر تشكلت سجون المخابرات، وكذلك في عهد المستبد المتعلم بورقيبة في تونس، وليبيا والمغرب عندما صفى ابن بركة، والقائمة يطول سردها. لكن بدأت تظهر معالم دولة قطرية لها بعض الطموحات لكن طموحات مشروطة بمزاج ورؤية النخبة السياسية.

في ذات الوقت كان ولا يزال يعرف أن هيكلة الحياة في الدولة الحديثة تشمل الحياة المدنية كجزء أساسي من بنية الدولة والمجتمع، أي أن هناك مؤسسات من خلالها يكون للإنسان "المواطن" دور عبر مجموعة من القوانين التي ترتب هذا النمط من الفعل والمساهمة الاجتماعية والمعرفية أو أي مساهمة يرتجيها المواطن وتكون للصالح العام. وأصبحت الحياة المدنية هي الرئة الأساسية لكثير من دول العالم الحديث. حيث أن العمل المدني هو جزء لا يتجزأ من بنية المجتمع والدولة. وليس للدولة علاقة مباشرة بدور مؤسسات المجتمع المدني، غير التسهيل وتذليل الصعوبات التي تقف في طريقها لكي تنجح هذه المشروعات التي تصب لمصلحة الصالح العام.

 

تقف دول بعض العالم العربي موقف الضد والخصم للمؤسسات المدنية، وذلك نتيجة سوء فهم وخوف من التجمعات البشرية، وخوف أن تنافس هذه المؤسسات الدولة في وظيفتها، وللأسف أن هذا التفكير متمكن لدى الكثير من مؤسسات الحكم العربية، لكن الواقع والمنطق يقول أن فعل المؤسسات المدنية شيء والعمل السياسي شيء آخر، العمل السياسي يأتي بواسطة الأحزاب وجماعات الضغط، أما المؤسسات المدنية فهي مؤسسات ذات نفع اجتماعي ( خيري، علمي، مهني، فكري، بيئي، الخ) وليس لها علاقة بالسياسة  لا من قريب أو بعيد.

 

لنتصور الجدول اليومي للمواطن العربي، ماذا يفعل بعد نهاية وفراغه من عمله؟ أين يذهب وماذا يفعل طوال هذا الفراغ؟ للأسف ضياع الوقت وعدم استثمار هذا الإنسان طاقاته وأفكاره، والأمر من هذا كله، أن الإنسان يتتفه بالفراغ، فالفراغ مفسدة وبلاء خطير على الكبير قبل الصغير. على سبيل المثال الجريمة والإنحراف مثلاً تنشأ بسبب وجود فراغ "مدني"، لهذا هي نتيجة طبيعية لسبب واضح أن هذا الإنسان لديه أزمة وجود فائض من الوقت وإنسان مهدر الإمكانيات. جزء كبير السلوكيات المنحرفة في مجتمعاتنا العربية هي نتيجة لهذا الخلل في بنية المجتمع، حيث أن هناك فراغ مدني لا يمكن أن تسده مؤسسات الدولة، لأنه ببساطة ليس وظيفتها. فالدولة لا تستطيع أن تقوم بكل شيء. حسب مفهوم الدولة الحديثة، الدولة تقوم بأدوار محددة وأساسية لخدمة مواطنيها كالأمن والتعليم والصحة وغيرها من وظائف الدولة الأساسية.

 

يقول مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون : "إنّ الإنسان مدنيّ الطبع، يذكرونه في إثبات النّبوّات وغيرها، والنسبة فيه إلى المَدِينة، وهي عندهم كناية عن الاجتماع البشريّ، ومعنى هذا القول: أنّه لا تمكّن حياةَ المنفرد من البشر، ولا يتمّ وجودُه إلّا مع أبناء جنسه، وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته، فهو محْتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته"، من الصعب أن يحجم دوره و تهدر طاقته أو يهدر هو طاقته فيما لا ينفعه وينفع مجتمعه، مجبول الإنسان على أن يفكر في مجتمعه، وأن يساهم بنفع عام له. ولأن الدولة الحديث أنتجت لنا مصطلح المؤسسات المدنية كتطور فكري لترتيب أدوار العمل المدني في الدولة الحديثة. الدول الواعية هي التي تعي طبيعة الزمن وتفهم الإنسان وتسخر بنية مؤسساتية وتشريعية من خلالها يسهم الإنسان أعمالا تكون صالحة للأرض ومن عليها. الدولة الواعية هي من تقف بجانب رغبات سكانها ومواطنيها لا ضدهم.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف